خسرتم البيع

 

 

 

بقلم د.محمد زارع     

dr_moh_zaree2002@hotmail.com

 

  كنا قد استبشرنا خيرا بعد تحسن مواقف الإخوان المسلمين .. وتقدمهم الملحوظ  في الآونة الأخيرة .. خاصة بعد خروجهم إلى الشارع .. وانضمامهم إلى الحركة الوطنية في المظاهرات والفعاليات المختلفة التي تميز بها الشارع المصري مؤخرا .. وعبر من خلالها عن إرادته القوية في التغيير وضرورة الخلاص من هذا الكابوس الجاثم على صدره .. وهو نظام الحكم القائم .. وفرحنا بالتطور الإيجابي لجماعة الإخوان .. وفك العزلة .. وانخراطهم مع التيارات المختلفة التي تنشد الإصلاح والتغيير .. ودعونا الله ألا تكون صحوة عابرة تعود بعدها الجماعة إلى سالف عهدها في الاستغراق في الحسابات والموازنات والموائمات .. كما عودونا دائما .. وبالتالي .. يبقى الأمر كما هو عليه أو أسوأ مما كان .. لأن التوقف في هذه المرحلة أو إمساك العصا من المنتصف يعتبر تأخرا وتقهقرا وخذلانا لا يليق

.. وحين تأخر تحديد موقفهم من الانتخابات الرئاسية توجسنا .. وساورتنا الشكوك .. وأحاطت بنا الوساوس .. ولكنا حبسنا ذلك في صدورنا .. حتى نتيقن من حقيقة المواقف .. وينكشف المستور .. وللأسف الشديد وقع ما خشيناه .. وأعلنوا مشاركتهم في انتخابات الرئاسة .. وطالبوا الشعب المصري أيضا بالمشاركة .. ضاربين عرض الحائط بكل ما قالوه .. وما دعوا إليه .. وما تعاهدوا عليه من محاربة الفساد والظلم وإصلاح المجتمع .. وهم بذلك يمنحون النظام القائم شرعية لم يكن يحلم بها .. بعد أن أعلن الكثيرون مقاطعتهم لهذه الانتخابات .. وهو ما يتفق مع رغبة الشعب المصري وعزمه على العزوف عن المشاركة في هذه المسرحية الهزلية المسماة بالانتخابات .. فالمشاركة في حد ذاتها اعتراف صريح بجدوى هذه الانتخابات .. وتستر واضح على عمليات التزوير الفاضحة التي يقوم بها النظام المصري في كل الانتخابات السابقة واللاحقة .. فتزوير الانتخابات والاستفتاءات أصبح من المسلمات والبديهيات في مصر يعلمه كل الناس بدءا من القضاة وانتهاء برجل الشارع البسيط 

.. وحين يشارك الإخوان - وهم أكبر فصائل المعارضة المصرية من حيث العدد – في الانتخابات .. وهم يعلمون علم اليقين أن النتيجة معروفة سلفا .. ومحسومة لصالح رأس الفساد حسني مبارك .. فهم يبايعون الفساد .. ويدعمون أركانه .. وفي نفس الوقت يبخسون قيمتهم .. ويهونون من قدرهم .. ويخففون من وزنهم .. لأنهم أعلنوا أنهم لم يؤيدوا حسني مبارك .. ولن يعطوه أصواتهم .. ولم يعلنوا تأييدهم لآي مرشح آخر .. وبذلك تكون الصورة كما لو أن انتخابات حقيقية قد أجريت .. ونجح حسني مبارك بأغلبية كاسحة .. رغم تصويت الإخوان ضده .. وتبدو الأمور مقلوبة تماما .. وكأن مبارك يتمتع بشعبية جارفة .. تمكنه فيما بعد من التمادي في ظلمه وفساده واستبداده .. وتمكن أعوانه من التباهي والادعاء أنهم يحظون بالأغلبية الحقيقية .. ويستمرون في غيهم .. ولتسقط دعاوى القضاة الذين يطالبون بانتخابات نزيهة .. ولتسقط جهود الساعين إلى الإصلاح الحقيقي من كل الأطياف والتيارات .. ولتسقط كل التضحيات التي قدمها الشعب المصري بما فيها تضحيات الإخوان أنفسهم

.. هل ارتسمت هذه الصورة في ذهن قادة الإخوان الذين أصدروا هذا البيان المأساة ؟ !

.. أم أنهم آثروا السلامة .. وتراجعوا عن مواجهة النظام الفاسد المستبد ؟ ! .. مقابل صفقة خاسرة في انتخابات مجلس الشعب التالية لانتخابات الرئاسة .. وما فائدة بضع مقاعد في برلمان لا يقدم ولا يؤخر .. ولا يستطيع محاسبة الحكومة .. ولا تقديم وزير للعدالة حتى ولو قتل مئات الألوف من الشعب المصري مثل يوسف والي وعيره ؟ !

.. وقد جربتم التواجد في مجلس الشعب من قبل .. ما هي الفائدة التي جناها الشعب المصري من هذا التواجد ؟ !

.. أم أن هذه المساومة من أجل الحصول على حزب ؟ !

.. أيا كان الثمن .. لقد خسرتم البيع .. وضيعتم آخر فرصة لإثبات جديتكم وجدواكم

.. وأنا أدعو كل القوى الوطنية المخلصة لفض أي رابط أو تحالف مع قيادات الإخوان الحالية .. والتواصل مع قواعدهم في القرى والنجوع والكفور .. لإزالة الغشاوة من عيونهم .. وتجلية الحقيقة أمامهم .. لأني خبرتهم .. وأعلم أنهم لا يقتنعون بالكثير من قرارات قياداتهم .. ولكنهم مضطرون للتعامل معها تنظيميا .. وليس اعتقادا في صحتها .. وقد تحاورت مع كثير منهم فكانوا يصرون على المقاطعة .. ويتوقعون من قياداته إعلان ذلك .. ولكنهم صدموا كما صدمنا .. وأصابهم الوجوم بعد سماع البيان .. وأعلنوا أنهم لن يلتزموا بهذا التوجه للجماعة .. لأنهم بذلك يخالفون ما أعلنوه من قبل على الملأ أكثر من مرة وهو حث الشعب على العصيان المدني حتى تتحقق مطالبه في الحرية والاستقلال .. ما بالهم الآن يتناقضون مع أنفسهم .. ويطالبون بالمشاركة في التزوير والتدليس ؟ !

.. لقد أصبح الشعب المصري على درجة عالية من الوعي .. وبات يفرق جليا بين الغث والثمين .. والطيب والخبيث .. ولن تخدعه كلمات ساذجة تحاول التعمية عليه .. أو الالتفاف حول ثوابته

.. لن يشارك الشعب المصري في الانتخابات .. ولن يصدق بعد اليوم أن أحدا يتعامل مع النظام الحاكم _ بأي وجه أو تحت أي مسمى _ يمكن أن يقف في صفوف الوطنيين الحريصين على مصلحته وحقوقه .. لأنه ليس بالسذاجة التي يتصورها البعض .. وسيتجاوز النضال المصري كل هذه النتوءات العارضة والظواهر الخادعة .. وسيمضي في طريق استقلاله واستعادة كرامته معتمدا على الله وحده أولا .. ثم على جهود أبنائه المخلصين .. مرتكزا على تاريخ عريق من الحضارة والريادة والنضوج

.. ولا يسعنا إلا أن نذكر أنفسنا ونذكرهم أن المفاصلة بين الحق والباطل واجب ديني ووطني وإنساني .. وأي مهادنة ولو ضئيلة لأهل الفساد والاستبداد وقوع في الهلاك والضياع

   ( إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله .. وهو أعلم بالمهتدين * فلا تطع المكذبين * ودوا لو تدهن فيدهنون * ولا تطع كل حلاف مهين * هماز مشاء بنميم * مناع للخير معتد أثيم * عتل بعد ذلك زنيم ) 7 – 13 من سورة القلم 

.. ولنتدبر ما قاله الله سبحانه وتعالى لسيد العالمين .. وإمام المرسلين .. محذرا إياه من أي ميل بسيط .. أو ركون قليل إلى أهل الباطل .. وهو علم الهدى .. والرحمة المهداة والنعمة الكبرى للبشرية كلها  :

.. ( وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره .. وإذا لاتخذوك خليلا * ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا * إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات .. ثم لا تجد لك علينا نصيرا )  73 – 75 من سورة الإسراء

.. اللهم ارزقنا طريق الحق .. وثبتنا عليه .. وجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن