كيف بكم إذا خرج اليهود من "المِجْدَلِ" كما يخرجون من "غزة" الآن؟

 

 

 

بقلم :د. نزار عبد القادر ريان

                عضو القيادة السياسية لحركة المقاومة الإسلامية" حماس"

 

 

 

لا ضير (ما ظننتم أنْ يخرجوا) لكنني ما زلت والسائرون على الطريق نظن ذلك، بل وأراه أقرب إليّ من شَغَاف قلبي الملتهبة شوقًا إلى وعد الآخرة؛ ذلك لأنه وعد الله، ولا يخلف الله الميعاد؛ ولكنكم تستعجلون.

 

ولكنكم تستعجلون؛ كذلك كنا يوم كان الناس علينا إلبًا واحدًا، يلوكون كبد حمزة، ويكسرون قوسه، وتغنينا الجاهلية لحن الخلود بظنها، تقول: "يعدنا محمد فارس والروم، وأحدنا لا يأمن أن يخرج لقضاء حاجته" فيصير الناس يومئذ فريقين، فريقًا يرى الكفر المحدق بالخندق والمدينة قدرًا أبديًا، وفريقًا يهيل التراب على أًس الجاهلية البالية، ويرى كلمات نبينا صلى الله عليه وسلم وعداً حقاً "الآن نغزوهم ولا يغزوننا"، وكذلك الناس كلَّ زمان، فالناس هم الناس عالم عنوانه "أحلام اليوم حقائق الغد" وحائم وراء كل صيحة جاهلية بين العلمانية والعولمة.

 

وكذلك كنا قبل سنين إثر النكسة، يوم كان "الإمام الياسين" يجمع من هؤلاء الصغار في رواق المسجد الشمالي والعباس جيش النصر والتحرير، ينشد لهم: "أرض فلسطين يا وردة في بستان الإسلام" والناس كل الناس حين يسمعون نشيدنا يتضاحكون، بل كانوا علينا إلبا واحدًا، فما زاده ولا زادنا إلا يقينًا.

 

وكبر الصغار عامًا بعد عام، وصار دعاؤهم في اعتكاف العشر الأواخر خاصة "اللهم زَيِّنَّا بالبنادق" و"اللهم أبقنا لقتال يهود" يومها كانت هذه الدعوات كالقنابل، يحاسب من يهمسها في سويداء قلبه، فكيف بمن يدعو بها، ثم صار الهمس بالدعاء دعوة، تحرض النفير أن يكون، وتجتمع قلوبهم والأفئدة، ويأتيه الناس من كل فج عميق، بعد أن خلعوا لباس الجاهلية المعاصرة، وألفوا معاني الولاء والبراء، وصرت ترى المصحف معانقًا بندقية ريم الرياشي وهنادي جرادات، في استشهاد بطولي يعيد للذاكرة صورة غيبها زنادقة العلمانية الهاوين نحو القاع السحيق.

 

ومضت البنادق الموحدة، بشرى النصر والتمكين، يهتف بها خطيب الخلفاء يومًا "أن عودي؛ فإن شباب الهدى ومنايا العدا" قد أكلوا الصبر أوبارًا وأصوافًا يتحرقون.

 

"عودي" فلن يبق السيف في يد أحد أبد الدهر، ولن ينزع من يد أحد الدهر كله.

 

" عودي" كالفجر ينادينا،"عودي" كالحب يناغينا،"عودي" أشياخًا وشبابًا،"عودي" أنسامًا وعبيرًا،"عودي" زهرات وزهورًا،"عودي" بالمصحف بالنور.

 

"عودي" يغرد الرصاص بالأغاني، وتبسم البطاح بالمعاني: "نعم إن أول غيث ندى" تُجْرِي كلماتها دموع شيخنا أبي زهدي لؤلؤا على اللحية البيضاء الوضيئة، وهو يرى في هؤلاء الصبية الندى، ندى الصبح المسفوح على عناقيد العنب في بربرة، ينتظر من يسكب فيه عبير النصر القادم.

 

"نعم إن أول غيث ندى" ومن كان يدري غير "إمامنا الياسين" أنَّ هذا الندى سيصير غيثًا، وقد كانت دولة البغي وهي تدلي قدميها تتبرد في قناة السويس إثر النكسة تحسب أنها ستضحك خالدة آبدة، وتصيف في السويس والشريعة هانئة مطمئنة، من كان يدري أن هذا الندى سيكون سيلا جارفًا يأخذ بألباب العباد نحو الجهاد والمقاومة، حتى تزول دولة اليهود الغاصبة.

 

من كان يدري أن هذا" الندى" سيصير سيولا جاحفة تجعل شاؤول مشعال[1] يقول: "الحكومة وجيش الدفاع الغارقان في معارك على شاكلة يوم أمس ليسوا مستعدين للغد، في غياب الحساسية الإسرائيلية لخارطة الخيارات المتبلورة، من المتوقع أن نباغت مرة أخرى، وعندها سيبدأ كل شيء من جديد، أم أن أحدًا ما قد بدأ يتحاور مع الجيل القادم حول طريق الخروج".[2]

 

نعم، قد بدأنا رسم خطة طريق الخروج من الكون كله، ورسمنا لكم بعض معالمها، في رفح، وحي الزيتون، ونابلس جبل النار، وجنين المخيم والبلد، وأيام الغضب، وكل رقعة عرف المجاهدون كيف تكون القِبلة والقنبلة دِينًا ودَينًا، رسمنا لكم طريق الخروج بصورة مصغرة، وفي الكون سنة لا تحابي أحدًا؛ أن يكبر الصغار، وأن تدرج الطريق للناهجين.

 

ستظل إسرائيل تشعر أن نهايتها قريبة، تعيش الخوف والرعب ما بقيت البنادق مشدودة إلى المعاصم المؤمنة، ستعيش الذلة مهما طال عمرها، وستأتي لحظة واحدة، تغمض عينها هنيهة، ثم تكون الآخرة، يراها رقاق الأفئدة كأنما كانت شريطًا سريعًا، ويغفل عن رؤيته الغافلون.

 

هل حدث في التاريخ البشري أن قوة بقيت الدهر كله قوية، هل جرى في خاطر عاقل أن تكون إسرائيل قدرًا يلهب ظهورنا بالنبالم تارة وبالصواريخ أخري إلى قيام الساعة، هل هي خارج سنن الكون الدارجة، أم أنَّ في التاريخ عبرة لكل أحد غير إسرائيل.

 

فلتنعق دولة اليهود ما شاء الله لها أن تنعق، وخربي في كل قطر، واجعلي في كل شبر مجزرة، وغيري المعالم والتاريخ، وشوهي" قُزَح"، ودمري رفح، وحالفي ما شئت أن تحالفي، وصادقي وشاققي، ونقري ما شئت أن تنقري، فكله إلى زوال قادم، كذلك أخبرنا التاريخ إن كان فيه لمثلك عبرة!

 

نعم؛ قد تملكين المدفع والطائرة، قد تنشرين سلاح رعبك في الآفاق العامرة، قد تهدمين وتفعلين، ولكن ليلة في الزيتون بألف مدفع، أتذكرين كيف رصد لك الرَّصَدُ ليلة الزيتون ألف عبوة وعبوة، ورصاصات تواجه المدافع الكبيرة، وكفًا! نعم؛ كفًا ناعمة من أبناء الثانوية العامة وبناته، تواجه ألف مخرز، أتذكرين أيام الغضب!؟ فهل تحركت دباباتك تلك الليالي شبرًا أو ذراعًا؟ هل كنت تجرئين؟ ألم يُسَمِّر المجاهدون الدبابات في مواقعها ساعات وأيام سبعة عشر، المعذرة، لقد أتخم جندكم الناس ببرازهم في الدبابات وبولهم، فهل كنتم تظنون أن مثل هذا يكون (وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله).

 

هذه إسرائيل؛ ستصحو يوما والسكين على الرقبة، تحتز العنق والرأس، وتعود المجدل والرملة، وتعود العزة والأمة، وتعود بلادي عربية، وتعود مآذننا تنادي، بنداء الحق الأبدي.

 

ولكنكم تستعجلون!

 

----------------------------

 

[1] الصحفي الإسرائيلي في "يديعوت أحرنوت" بتاريخ 28/5/2004.

[2] مصطلح توراتي يشير إلى خروج بني إسرائيل من مصر.