دلالات مشروع الفيدرالية في العراق ونتائجه المحتملة

 

 

 

بقلم :د. بشير موسي نافع

 

فاجأ السيد عبد العزيز الحكيم، زعيم المجلس الأعلي العراقيين في 11 آب (اغسطس) الحالي بالدعوة إلي إقامة كيان شيعي في جنوب ووسط العراق، ذاهباً بمشروع الفيدرالية إلي أجندته المسكوت عنها. لفترة بعد احتلال العراق، وتحول القوي السياسية العراقية المعارضة سابقاً إلي قوي حاكمة، حاول قادة المجلس الأعلي إخفاء تواجهاتهم الطائفية الضيقة. ولكن خطاب قادة المجلس وسياساتهم، العلنية وغير العلنية تماماً، كشفت عجز المجلس عن التعهد بدور وطني عراقي، وأكدت علي ان أهدافه تتمحور حول مشروع طائفي بحت حتي وإن أدي ذلك إلي الصدام الدموي مع القوي العراقية الوطنية الأخري، لاسيما الشيعية التي تنافسه علي تمثيل شيعة العراق.

كان أهم أدوات هذا المشروع/ الخطاب الطائفي: 1 ـ صياغة أيديولوجية لتاريخ الدولة العراقية الحديثة (بل وتاريخ العراق كله) والادعاء بتعرض شيعة العراق للاضطهاد طوال الثمانين عاماً الماضية (بل وطوال أربعة عشر قرناً)؛ 2 ـ التوكيد علي ان الشيعة يمثلون الأكثرية من سكان العراق، والادعاء أحياناً بأنهم الأكثرية الساحقة؛ 3 ـ الدعوة إلي استغلال الفرصة والتحالف مع إدارة الاحتلال لتحقيق سيطرة شيعية (تقرأ: قيادة المجلس) علي حكم العراق الوليد من رماد الحرب والاحتلال. ولكن، بالرغم من تردد الدعوة إلي إنشاء فيدرالية في المحافظات ذات الأكثرية الشيعية في الجنوب، فلم يسمع ان قادة المجلس شاركوا في هذه الدعوات. ثمة شكوك تدور حول حقيقة إدراج مبدأ الفيدرالية في قانون إدارة الدولة الذي صاغته إدارة الاحتلال تحت بريمر، وما إن كان ذلك من صنع بريمر والقيادات الكردية لضمان المطالب الكردية، أو ان قيادات شيعية دفعت هي الأخري في هذا الاتجاه. ولكن لا المرحوم باقر الحكيم ولا خليفته وشقيقه عبد العزيز، ولا أيا من قادة المجلس الآخرين، أعرب علناً في السابق عن موقف مؤيد لمشروع الفيدرالية الشيعية. فما الذي أدي إذن إلي هذا التبني الصارخ لتحويل التعدد العراقي الطائفي إلي تقسيم سياسي؟

مشروع الفيدرالية في العراق هو بلاشك مشروع تقسيمي، مهما حاول البعض إضفاء صبغة جذابة عليه وإحاطته بذرائعية سياسية. ثمة مشكلة كردية في أقصي الشمال بلاشك، وهي مشكلة فشلت الدولة العراقية الحديثة في حلها، وساهم في تفاقمها بؤس القيادات القومية السياسية الكردية والتدخلات الأجنبية المتكررة، من القوي الغربية والاتحاد السوفييتي، إلي إيران الشاه والدولة العبرية. وقد آن الأوان، ربما، للتعامل مع المشكل الكردي، الذي أنهك العراق طوال عقود، تعاملاً جذرياً. فإما ان يقبل الاكراد بوحدة الدولة العراقية، وحدة نهائية وقاطعة، تضمن فيه حقوقهم القومية المعقولة، بدون التعدي علي حقوق الأكثرية القومية، أو ان يفاوضوا من أجل الانفصال الدائم والنهائي عن الوطن العراقي، وتحديد خط هذا الانفصال. ولكن الادعاء بان هناك مسوغات لفيدرالية شيعية هو ادعاء لتقسيم العراق علي أسس طائفية. إن كل الدول الحديثة في العالم، بما في ذلك تلك التي ولد فيها نظام الدولة الحديثة، هي دول متعددة الديانات والإثنيات. ولكن أحداً لا يدعو إلي تقسيم هذه الدول. ولدت بريطانيا الحديثة (المملكة المتحدة) في مطلع القرن الثامن عشر، لتضم عدداً من الإثنيات عميقة الجذور، بما في ذلك الإنكليز، الاسكتلنديون، الويلزيون، والإيرلنديون، وديانتين اتسمت علاقاتهما بالعداء والحرب هما البروتستانتية (في كنيستين مستقلتين) والكاثوليكية. ولد السلوك البريطاني الاستعماري في إيرلندا حركة انشقاق قومي في الجزيرة الإيرلندية؛ ولكن باقي الإثنيات والديانات تعلم العيش سوياً في ظل حكومة مركزية بالغة القوة، ولا زال كذلك. هناك بالطبع فيدراليات أوروبية، يتكرر الإشارة إليها في خطاب الانقساميين العراقيين، ولكن كل هذه الفيدراليات نشأت لتوحيد دول وشعوب منقسمة أصلاً، شعوب لم تتكون في إطار وحدوي. وهو ما ينطبق علي الألمان، البلجيك، والسويسريين.

وجد العراق كوطن، كما يقول صديقنا د. شهاب الدين الصراف، منذ عصور طويلة؛ وقد عرف الجغرافيون والمؤرخون المسلمون العراق بأنه المنطقة الممتدة من عبدان إلي حديثة الموصل. وهذه تقريباً هي حدوده الحالية. استقبل هذا الفضاء المنفتح علي قلب آسيا، من جهة، وعلي الجزيرة العربية، من جهة أخري، منذ الفتح الإسلامي، موجات من الهجرات المتلاحقة، جلها من قبائل الجزيرة العربية، ولكن بعضها الآخر من التركمان وعشائر جنوب غرب فارس (اللر) وأكراد الجبل، ثم الأرمن وشعوب شمال القوقاز. وقد تحول العراق، بقلبه العربي ـ الإسلامي ومدنه الرئيسية، إلي بوتقة انصهار وتعايش بين هؤلاء جميعاً. ويشهد التنوع الديني والعرقي (مسلمون ومسيحيون، سنة وشيعة ويزيديون، أكراد وفيلية وعرب وتركمان، مدن وعشائر) علي ان العراق لم يعرف الحروب الأهلية، ولا عرف النفي الإثني والديني المتبادل، بالرغم من الأهوال والحروب والغزوات التي شهدها في تاريخه. هذا لا يعني ان الدول الحاكمة كانت دائماً عادلة منصفة، ولكن ظلم الحكام وبطشهم كان محدوداً نسبياً، ولم يتطور إلي حملات إبادة وتطهير عرقي وديني. ولعل الادعاء بأن الدولة العراقية الحديثة كانت دولة طائفية هو واحد من أكبر الأساطير التي يروج لها دعاة الانقسام الحاليون وأكثرها هشاشة. بل حتي نظام البعث الأخير لم يكن في سياساته طائفياً، بالرغم من القبضة الحديدية التي حكم بها البلاد، والعنف الذي واجه به خصومه. كان البعث بكل المقاييس حزباً عربياً، ضم في صفوفه وفي أجهزته الحاكمة شيعة وسنة بلا تمييز، وبلا اعتبار للانتماء الطائفي.

المجلس الأعلي، الذي يقوده السيد الحكيم، كان أضعف القوي السياسية المعارضة للنظام العراقي السابق كياناً وتاريخاً وجذوراً شعبية. نشأ المجلس في إيران خلال سنوات الحرب العراقية ـ الإيرانية، في صفوف المنفيين العراقيين إلي إيران، الذين اعتبرهم النظام السابق من أصول فارسية (بالرغم من وجود أسرهم في العراق منذ عشرات السنين) وأوصدت إيران في وجوههم أبواب الاندماج باعتبارهم عراقيين. لم يولد المجلس بالعراق، في حاضنة شعبية عراقية، كما هو تيار الصدر، وافتقر الجذور التاريخية التي حملتها أحزاب شيعية أخري كالدعوة، أو سنية كالحزب الإسلامي، أو علمانية كالحزب الشيوعي. ولكن المجلس كان له ميزة أخري؛ فقد تمتع بدعم إيراني كبير (بعد شكوك إيرانية أولية في أسرة الحكيم)، سمح له بتجنيد عدد كبير من أبناء المنفي، سواء في أجهزته السياسية أو في جناحه العسكري. وفي الوقت الذي كان فيه حزب الدعوة يتعرض للتفتت والانقسامات جراء ارتباكه أمام موضوعة ولاية الفقيه، وكانت الساحة العراقية السياسية، كما كل المنطقة العربية، تتعرض لمد إسلامي كبير، تحول المجلس إلي منظمة ذات ثقل نسبي بين قوي المنفي.

بيد ان قيادة المجلس كانت أقرب إلي القيادة العائلية، وفيما عدا عدد قليل من كوادره، افتقر دائماً إلي العقل المفكر، المدرك لتاريخ العراق وتعقيدات تكوينه البشري والسياسي، ولواقع البلاد ومشكلاتها الملحة. هذا، بالطبع، لم يقلل من الطموح إلي حكم العراق ووراثة النظام السابق لدي المجلس وقيادته. كان المجلس القوة العراقية الوحيدة (من غير الأحزاب الكردية) التي تمتلك المال والجناح العسكري، واسم أسرة الحكيم بميراثها الشيعي الديني. وقد عمل المجلس طوال الشهور التي سبقت غزو العراق علي توثيق الصلة بالإدارة الأمريكية. كما عمل علي تأسيس تحالف مع القوي الكردية، وتقريب أحمد الجلبي، وثيق الصلة بمجموعة وزارة الدفاع الأمريكية التي تقود مشروع الغزو. وبالإضافة إلي العلاقة المميزة بطهران، حافظ المجلس علي علاقة حسنة بالكويت ودمشق. ولم يتبق سوي ان تنجح القوات الأمريكية في إطاحة النظام ليسقط العراق ثمرة ناضجة في حضن المجلس. ولكن الأمور لم تسر كما تصورها المجلسيون. بدا العراق أكثر تعقيداً مما ظنوه، ولم يفد الخطاب الطائفي المتوج باطروحة الأكثرية الشيعية إلا في خسارة المجلس فرصة نادرة للتحول إلي قوة وطنية. وما ان تأكد انتشار ونفوذ التيار الصدري، حتي اتضح عجز المجلس حتي عن احتكار تمثيل الشيعة. الأمريكيون كانوا أكثر شكاً في العلاقة بين المجلس وإيران، وأصبح علي قيادة وكوادر المجلس تقديم أدلة ملموسة علي التحالف مع إدارة الاحتلال من مجرد إدانة النظام السابق وتأييد الغزو. بل ان العلاقات الإيرانية ـ الأمريكية سارت من سيئ إلي أسوأ. ولم تفد العلاقة بالكويت فــــــي شيء أمام عداء العراقيين، شيعة وسنة، للحكـــــم الكويتي؛ أما سورية فقد وقفت ضد الغزو والاحتـــــلال. وبانفجار المقاومة في أنحاء العراق، لم يعد للمجلس من ورقة.

مشروع الفيدرالية الشيعية ليس مشروع الأقوياء. فكيف يمكن ان يدعي طرف ما أنه يمثل أكثرية الشعب ثم يطالب بانفصال الأكثرية عن الأقلية في وطن يمتد تاريخه آلاف السنين؟ الأكثرية هي حامية الوطن والوصية علي وحدته ومقدراته؛ بل ان الأكثرية هي من يجب ان تدفع من رصيدها للمحافظة علي المجموعات الأصغر. مشروع الفيدرالية هو مشروع من حملوا طموحات أكبر من قدراتهم، وما ان أدركوا فشلهم في تحقيق هذه الطموحات حتي انسحبوا إلي زوايا العزلة والانقسام. ولكن الدعوة إلي الفيدرالية الشيعية، ومعارضتها الصريحة في أوساط شيعة العراق، هي كذلك مؤشر علي أزمة الجماعة الوطنية وأزمة التشيع في آن. ولدت الجماعات الوطنية، في المنطقة العربية علي الأقل، منذ نهاية الحرب الأولي، بعد ان انهارت الرابطة الإسلامية وفشل العروبيون الأوائل في إحلال الرابطة العربية في محلها. وقد كانت الرابطة الوطنية هي إطار النضال ضد الاستعمارالمباشر، وتحقيق الاستقلال. ولكن تخبط دولة ما بعد الاستعمارالمباشر، وهشاشة القوي السياسية العربية (الحاكمة والمعارضة علي السواء) وعجزها عن فهم التحولات التاريخية في بلادها، ووطأة التحديات الخارجية، يدخل الجماعات الوطنية اليوم في أزمة بالغة التعقيد. وهذه الأزمة لا نري تجلياتها في العراق فحسب، بل وفي عدد غير قليل من الدول العربية.

بيد ان أزمة التشيع هي من نوع آخر تماماً. فعبر تاريخه كله تنازعت التيارات الرئيسية للتشيع، لاسيما التشيع الإثني عشري، قوي العزلة الطائفية وقوي الوحدة والانضواء تحت مظلة الأمة. بعكس ما يعتقد الانفصاليون، كانت فترات صعود قوي الوحدة هي فترات ازدهار التشيع وانتعاشه، بينما لم ينجم عن فترات العزلة الطائفية إلا التراجع والانكفاء علي الذات وميراث من العنف والدم ضد الذات وضد الآخرين. أليس من الواضح، مثلاً، الفارق الكبير بين الوضع العربي والإسلامي لحزب الله، الذي هو حزب إسلامي شيعي كذلك، وتيار الصدر، من ناحية، ووضع جماعة المجلس؟ هل يمكن المقارنة بين الوزن المعنوي والسياسي، بل وحتي النظرة إلي الذات، بين من اختاروا طريق الوحدة ومن يختارون طريق العزلة والانكفاء؟

أمام ردود الفعل الواسعة التي نجمت عن الدعوة لكيان شيعي لم يعد الحكيم إلي تكرار تصريحاته. ولكن ذلك لم يكن تراجعاً، بل مجرد انحناء أمام العاصفة. وهو ما يؤكد علي ان الخطر الذي يتهدد الكيان العراقي ليس خطر الاحتلال فحسب.