غزة: سنبلة
النصر الفلسطينية
بقلم :عبد الرحمن فرحانة
لستُ من غزة.. لكنني
أحب رملها المعجون بالعنفوان الكنعاني.. وأحب "شيخها"
و"أسدها" الماجدين، وكل الشهداء الذين زرعوا أكبادهم في أحشاء تربها.. أحب
موجات المتوسط تهمس.. نبوح لساحلها بحكاية النصر الفلسطينية في زمن الانكسار.. أحبّ
فُرشَ السمك وأكف الصيادين وأشرعة المراكب.. أحب الأزقة وخطا أبناء المخيم تبحث عن خريطة السير في عتمة
الليل وقسوة العيش.. أحب كل غزة.. كلها.. من حبة الرمل
حتى قبة السماء؛ ومن البحر حتى سياج الغزاة.
قد تسألوني.. لم هذا الوله أيها العاشق الفلسطيني؟
أحبها يا سادتي.. لأنها
أول خطوات النصر.. لأنها فقأت عين الكبرياء الصهيونية
الوقحة.. لأنّ "قسامها" خطف الأمن من تحت
قرميد منازلهم؛ فرحلوا وعبروا من فوق ضفاف جراحها كجنادب مهملة على أطراف الصحراء..
أعشقها أيها السادة أكثر وأكثر لأنها مرّغت أنف
شارون في المياه الآسنة التي تجري في أزقة مخيماتها الجاثمة قبالة زرقة المتوسط؛
تنتظر منذ نصف قرنٍ لحظة العودة.
حبي لها ليس الحب
الجغرافي الضحل الذي تدهدهه العصبية بقرنيها، لكنه الحب
الكبير الذي يستوطن قلب المؤمن الذي يفرح بعزة الأمة ونصرها.. وغزة
الآن هي فاتحة الطريق، وهي أول مساحة محررة في خريطة الأمل الفلسطينية.
أمّا بعد الحب فثمة
أشياء أخرى..
فتحرّر غزة هو مؤشر
على الانكسار الصهيوني؛ وتجسيدٌ للشرخ الأيدلوجي الذي أصاب الفكرة الصهيونية،
وخطوة استراتيجية في طريق التراجع للمشروع الصهيوني
الطارئ شاء من شاء وأبى من أبى، وبرغم أنف الأقلام المهزومة الغارقة في مستنقع
الهزيمة وتتجرأ بتقزيم الانتصار الغزّي.
وليست هذه كلمات تسرح
في سحب الحلم وتهيم بين رغائب التمني، بل هي حقيقة
تؤكدها صورة الواقع. وفي الضفة اليهوية يعترف "بلدوزرهم المثلوم" -شارون- بأن الانسحاب كان بسبب المقاومة
الفلسطينية وقال بألمٍ لصحيفة معاريف "كان هذا أحد
الأيام الصعبة في حياتي العامة"، بل إن الباحثة والمؤرخة اليهودية "استير بنباسا" مديرة الأبحاث
بالمعهد العالي المتخصصة في الدراسات اليهودية التابع لجامعة السوربون
الفرنسية تؤكد أن خطوة الانسحاب من غزة أنهت الحلم التوراتي بـ(إسرائيل
الكبرى).
ولمن يشتهي أنْ يرى
الوجع الصهيوني عبر الكلمات فليسمتع للمستوطنة "حوي
أيوبي كوهين"، ابنة المستوطن "إيفي أيوبي"
الذي قُتِل في عملية إطلاق نارٍ قبل 11 سنة، التي ذهبت والدموع في عينيها إلى قائد
المنطقة الجنوبية "دان هرئيل" لتقول له
معترضة على الانسحاب: "فكر في هذا جيداً. الأمر الوحيد الذي خلفه والدي هو هذا البيت والأشجار التي غرسها".
حالة المستوطنة "حوي
أيوبي" وكلماتها رسالة بليغة تختزل صورة الاندحار..
فإنسانهم قتل رغم آلة القهر الصهيونية، ومستوطنهم يغادر المنزل والأشجار.. و"كفار
داروم" ليست نهاية الطريق، بل هناك منازل وأشجار
أخرى في حيفا ويافا تنتظر نفس اللحظة وإن بَعُد الزمن، وهذه حروف لا تحلم وإنما هي
عين أملٍ تثقب جُدر الانكسار لترى الأمل البعيد القريب.
ورغم معادلة محمود
درويش الشاعرية "منكم السيف ومنا دمنا" البكائية؛ إلا أنّ الدم
الفلسطيني كان أقوى فرحلت "حوي أوبي" وستبقى "أم نضال فرحات" مزروعة
في أرضها كالجذر؛ لأن صلابة الحق أقوى من شوكة الباطل.
خطوة غزة لن تكون
الأخيرة.. بل هي بداية تعلُّم الحلم الفلسطيني على
الانتصار، وهي فاتح الشهية الذي سيغري عزائم الرجال في تلال الضفة وجبالها. وستنثر
سنبلة النصر الفلسطينية حباتها التي تحمل الخصب الكنعاني في كل المدائن المقدسية.