ترحيب واجب بالمبادرة الليبية.. وحذر أوجب
بقلم :فهمي هويدي
تستحق الترحيب
والتشجيع لا ريب، تلك الإشارات بالغة الأهمية التي خرجت من طرابلس في مستهل هذا
الأسبوع داعية إلى المصالحة الوطنية ومبشرة بقدر من الانفراج السياسي، وهي
الإشارات التي وردت على لسان سيف الإسلام القذافي ـ ابن
الرئيس العقيد ـ أثناء احتفال أقيم بالعاصمة الليبية (يوم السبت 20/8) لعرض تقرير
عن نشاطات مؤسسة القذافي العالمية للجمعيات الخيرية. وكان
سيف الإسلام قد تحدث بهذه المناسبة عن إطلاق بعض المسجونين السياسيين، وعن مباحثات
تجرى مع آخرين لايزالون تحت الاعتقال، كما تحدث عن
الترحيب بعودة المعارضين السياسيين المقيمين في الخارج، وعن خطط لإعادة حقوق الذين
سبق أن صودرت ممتلكاتهم، ودعا إلى فتح ملفات الاعدامات
والتصفيات التي تمت خلال السنوات التي خلت على أيدي اللجان الشعبية والمحاكم «الثورية»،
مشيرا بوضوح إلى أنها كانت محاكمات غير شرعية، وأن أهالي ضحاياها يستحقون التعويض
ماديا ومعنويا، ومن الملاحظات المهمة التي وردت في حديثه أنه اعتبر عملية المصالحة
التي تمت في جنوب أفريقيا (بين السلطة والمجتمع والبيض والسود) نموذجا يتعين
الاقتداء به.
هذا الكلام يمثل
مفاجأة للمتابعين للشأن الليبي، من الخارج على الأقل، ولانه
في مجمله يبدو إيجابيا، فأحسب أن الترحيب به ضروري،
وأخذه على محمل الجد واجبا، وأن يفكر المرء فيه جليا، يلاحظ عليه الأمور التالية:
* أنه يمثل نقلة مهمة
في الخطاب السياسي الليبي، إن صدقت فإنها تعد تحولا جذريا، لا يتم في الظروف
العادية إلا من خلال تغير النظام بأكمله، ولعلها من المرات النادرة التي يحدث فيها
مثل هذا التحول في ظل نظام ظلت ممارساته تمضي في اتجاه معاكس تماما، خلال العقود
الثلاثة الأخيرة.
* أن سيف الإسلام القذافي أعلن هذا الكلام بوصفه ابن الرئيس القذافي، وليس باعتباره رئيسا لمؤسسة القذافي
العالمية ـ لأن خطوات وإجراءات بتلك الأهمية تمس ركائز اساسية
لسياسة الدولة في الداخل تتجاوز بكثير سقف رئيس المؤسسة رغم عالميتها المفترضة،
ولذلك لا مفر أمامنا من استنتاج أمرين، أولهما أن هذه رسالة من الرئيس الليبي
وليست اجتهادات لرئيس مؤسسة القذافي، وثانيهما أن
الرسالة في الوقت ذاته تسهم في «تلميع» صورة سيف الإسلام، وتربطها في الأذهان
بمسار الانفراج السياسي. الأمر الذي يمثل رصيدا له يخدم مستقبله السياسي الذي يقال
أنه يتهيأ له.
* أن الإعلان عن تلك
الإجراءات (هل نسميها مبادرة؟) تزامن مع وجود رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس
الشيوخ الأميركي (السناتور ريتشارد لوجر) في العاصمة
الليبية. وهي الزيارة التي اعتبرت نقلة في علاقات ليبيا مع الولايات المتحدة من
شأنها أن تفتح الباب لتطبيع العلاقات بين البلدين، مع احتمال زيارة الرئيس
الأميركي ووزيرة خارجيته إلى ليبيا، وهو ما تحدثت عنه صراحة التقارير الصحافية
التي اهتمت بمتابعة الزيارة، وذكرت أن من بين ما ناقشه السناتور لوجر مع المسؤولين الليبيين ملفات
مكافحة الإرهاب والعلاقات الاقتصادية، وحقوق الإنسان في ليبيا.
* أن المبادرة
الليبية أعلنت بعد 17 يوما من وقوع الانقلاب على نظام ولد طايع
الاستبدادي في موريتانيا، وفي سياق جهود للمصالحة الوطنية تشهدها دول أخرى في
المغرب العربي، وهو الحاصل في المملكة المغربية بعد وفاة الملك الحسن الثاني، حيث
نشطت الدعوة إلى «الحقيقة والمصالحة» الذي استهدفت طي صفحة الماضي الأليم وتعويض
ضحايا القمع الذي شهدته سنواته، وهو الحاصل أيضا في
الجزائر حيث يتبنى الرئيس بوتفليقه هذه الأيام «ميثاق
السلم والمصالحة الوطنية» الذي يطرحه في أعقاب دعوته إلى تبني سياسة «الوئام
المدني».
هل توحي المبادرة بأن القيادة الليبية بصدد «تطبيع»
العلاقات مع النخبة السياسية الليبية، في خط مواز مع جهودها لتطبيع العلاقات مع
واشنطن والعواصم الأوروبية؟، إجابتي عن السؤال بنعم، لكن أدعو إلى التعامل مع
المبادرة بحذر.. لماذا؟
نعم لان ظاهر الكلام
يصب في مجرى الانفراج السياسي، ولذلك يجب من حيث المبدأ الترحيب به وتشجيعه، لأنني من الداعين إلى بذل جهد خاص لتجسيد الفجوة
بين المثقفين والسياسيين وبين السلطة، بل ومن الداعين إلى مقابلة كل خطوة انفراج
جادة من جانب السلطة، بخطوتين من جانب المعارضة السياسية، باعتبار أن من شأن ذلك
تعزيز لعافية المجتمع ولمساعي النهوض به وإسعاد ناسه،
لأجل هذا الهدف، فينبغي عدم تفويت أي فرصة، والتعلق بأي أمل، واختبار أي مبادرة
يمكن أن تخدم هذين الهدفين.
أما الحذر الذي أدعو
إليه فله مصادر عدة، أولها أنني لست على ثقة كافية في أن الأنظمة والسياسات التي
تستمر عقودا ماضية في اتجاه معين، يمكن أن تتغير بسهولة في الاتجاه المعاكس، وان
تتولى الأنظمة ذاتها أحداث ذلك التغيير، لأن من حق أي مواطن أن يتشكك في دوافع بعض
الأنظمة للقبول بأداء أدوار متعددة لضمان الاستمرار وله أيضا أن يتساءل: إذا كان
هؤلاء مخلصين وراغبين حقا في الإصلاح والانفراج السياسي فلماذا لم يتخذوا أي خطوة
في ذلك الاتجاه منذ عدة سنوات، ثاني موجبات الحذر أن التحول الذي جرى الحديث عنه
في ليبيا واضح أنه يعبر عن بادرة شخصية من العقيد القذافي،
ورغم أن ذلك مما يحمد له، إلا أنه يبعث على الخوف والقلق أيضا، ذلك أنه لا بد أن
يخطر على أي متابع للشأن الليبي سؤال عما يمكن أن يحدث في الموضوع لو أن العقيد القذافي غير رأيه وسحب كلامه الذي نقله ابنه سيف الإسلام.
لقد تعلمنا في دراسات
القانون والتاريخ ومن خبرة تجارب عدة، أن الحرية لا توهب، وان الذي يتبرع بها تحت أي ظرف يظل بوسعه أن يستردها إذا ما تغير الظرف، ولان
ما جرى لا يعدو كونه رؤية شخصية لحسابات معينة، وليس نتاج ضغط شعبي ولا عملا
مؤسسيا، فمن حق الباحث أن يسأل: ما الذي يضمن استمرار هذه السياسة، وما الذي سيحول
دون التراجع عنها مستقبلا إذا ما تغيرت الحسابات، وفي ظل الهشاشة البالغة والغياب
شبه التام لمؤسسات المجتمع الليبي، وفي غيبة سيادة القانون وشيوع الخلل في العلاقة
بين سلطات الدولة الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية)، فليس هناك ما يضمن ألا
يتعرض المعارضون المتغيبون لمثل ما تعرض له معارضو الرئيس السابق صدام حسين، حين
صدق بعضهم كلامه أثناء حكمه، وعادوا إلى بغداد، حيث انطبق عليهم المثل القائل بأن «الداخل
مفقود والخارج مولود»!
إن من علامات إثبات
جدية المبادرة في شقها الذي دعا إلى فتح ملف اللجان الشعبية والمحاكم الثورية، أن
يحاسب مسؤولو تلك اللجان عن الجرائم التي ارتكبوها
وروعت الخلق وأذلتهم طيلة السنوات التي خلت، فإذا تمت أي خطوة في هذا الاتجاه (لا
تسأل من سيحاسب؟) فإن من شأن ذلك أن يعزز الثقة في التوجه الجديد، أما إذا لم يحدث
شيء من هذا القبيل، فإن اهتزاز تلك الثقة سيكون أمرا مفهوما، كما سيكون من الصعب
رد مقولة المتشككين الذين يذهب بعضهم إلى أن المبادرة في حقيقتها ليست سوى رسالة
موجهة إلى الخارج وليس إلى الداخل، ولهم في قرينة تزامن إطلاقها مع وجود السناتور
الأميركي ريتشارد لوجر نقطة لصالحهم، يؤيدون بها وجهة نظرهم.
ما يرفع من وتيرة
التوجس أن الحساسية إزاء ضغوط العواصم الغربية، واشنطن بوجه أخص أصبحت شديدة في
العالم العربي، وفي حالات ونماذج كثيرة بدت العواصم العربية مشغولة باستجلاب رضى أو تجنب غضب واشنطن، بأكثر من انشغالها باسترضاء شعوبها
حتى لوحظ في مصر مثلا أن المعارضة حين كانت تنظم مظاهرة تقمع بشدة، ثم يقابل ذلك
بانتقاد المتحدث باسم الإدارة الأميركية، فإن الشرطة كانت تتعامل برفق ملحوظ مع
المظاهرة التالية، ومع تكرار المشهد اكثر من مرة، القمع
ذات يوم ثم الترفق إلى حد حراسة المتظاهرين بعد الانتقاد الأميركي، فان إحدى صحف
المعارضة سجلت الملاحظة وتساءلت: «هل علينا في كل مرة أن نخبر واشنطن بموعد
المظاهرة قبل خروجها، كي نتجنب التعرض للقمع؟