تونس: لا
للحجاب وللحوار مع الإسلاميين!!
بقلم :ياسر الزعاترة
في مفاجأة للجمهور
التونسي بمناسبة إحياء عيد الجمهورية الذي يوافق الخامس والعشرين من تموز/يوليو
أكد الرئيس التونسي زين العابدين بن علي في خطابه على مسألتين؛ تتمثل الأولى في
التأكيد على أن الحجاب أمر مرفوض في تونس باعتباره لباساً وارداً من الخارج يرمز
لانتماء سياسي معين، أما الثانية فهي رفض الحوار مع حركة النهضة التونسية بزعامة
الشيخ راشد الغنوشي، وهي حركة المعارضة الإسلامية
الأساسية، ويتوزع قادتها بين المنافي والسجون، على أساس من رفض الحوار مع الأحزاب
التي لا تعترف بالحكومة، أو تلك التي ترتكز إلى مرجعية دينية.
هكذا تأتي لاءات
الرئيس التونسي لتهيل التراب على آفاق المصالحة التي
بشر بها العديد من المراقبين في الساحة التونسية، ومعها
بالطبع آفاق الانفتاح على المجتمع ووقف سياسة العسكرة الداخلية التي لم تأت على
الإسلام السياسي وحده كما يصفه البعض، وإنما أتت على السياسة برمتها، والتي غدت
عملياً من اختصاص الحزب الحاكم وحده الذي يفوز بكامل المقاعد في كل الجولات
الانتخابية.
من المؤكد أن غلق باب
المصالحة، ومعها التفاؤل بالإفراج عن حوالي خمسمائة معتقل سياسي يقبعون في السجون
منذ ستة عشر عاماً، قد أصاب البعض بالخيبة، لاسيما أولئك الإسلاميون، وبعضهم من
رموز حركة النهضة، ممن عولوا على خطاب جديد تجاه النظام يمكنه أن يفتح نافذة للمصالحة،
الأمر الذي عارضه آخرون لا يرون أملاً في الوضع القائم ويميلون إلى تشديد الضغط
عليه عبر تحالف مع جميع القوى والفعاليات التي تشاركهم القناعة في تجذر حالة الانسداد السياسي في البلاد.
هكذا يثبت الموقف
الجديد لرأس النظام التونسي صحة الموقف الذي تبناه الشيخ راشد الغنوشي
وعدد من قادة الحركة، مقابل خطأ المواقف الأخرى التي كانت تحيل التأزم القائم في
الداخل التونسي، وتحديداً فيما يتعلق بملف النهضة ومعتقليها، إلى المواقف المتشددة
لزعيم الحركة في الخارج، فقد ثبت الآن أن أزمة النظام التونسي ليست مع الإسلام
السياسي كما يقال، وإنما مع المظاهر الإسلامية برمتها، أي مع الإسلام. أي إننا
إزاء علمانية تشبه العلمانية الأتاتوركية التي يعاني
منها الناس في تركيا.
ليس من العسير القول
بناء على المواقف الأخيرة التي عكسها خطاب الرئيس التونسي النظام لم يفقد رباطة
جأشه في مواجهة اتساع دائرة المعارضة على نحو استثنائي في الآونة الأخيرة، لاسيما
بعد مبادرته إلى دعوة شارون لزيارة تونس، ولا شك أن هذا الشعور إنما ينبع من
استناده إلى الدعم الخارجي، الأمريكي تحديداً والغربي عموماً، وهو دعم لم يأت فقط
بسبب المواقف الخارجية المنسجمة مع البرامج الأمريكية في المنطقة، بل أيضاً بسبب
ترويجه لنموذجه الناجح في اجتثاث الإسلام السياسي من تونس بالوسائل الأمنية، ومن
بعد ذلك تحجيم ظاهرة التدين نفسها، والتي يراها الصهاينة، بحسب نظرية المستنقع
والبعوض، أرضاً خصبة لإنتاج الإرهاب.
يحيلنا ذلك إلى اللاء الأولى من لاءات السيد الرئيس في خطابه، وهي تلك
المتعلقة بالحجاب، إذ إننا هنا إزاء موقف لا يتوافر إلا في تركيا، هناك حيث يجاهد أردوغان الذي تلبس زوجته وبنتاه ذلك الحجاب من أجل تغييره،
إضافة إلى فرنسا التي لم تمنع الحجاب إلا في المدارس، فيما تمنعه تونس في المدارس
والجامعات والدوائر الرسمية، في الوقت ذاته الذي تحاربه في الشارع بكل ما أوتيت من
قوة، على رغم مفاجأة الأعوام الأخيرة التي تمثلت في انتشار ظاهرة الحجاب على نحو
أذهل مخططي حملة العلمنة القسرية في البلاد.
هكذا يتم الاستقواء على الناس بسطوة القوة، ليس في شؤون السياسة وحسب،
بل وفيما يتعلق بالحرية الشخصية ومن ضمنها الالتزام الديني العادي، وهي حالة فريدة
يبدو أن من يدعمون هذا التوجه من الأمريكان يريدون نشرها ولو بعد حين، وبالطبع ضمن
رؤية تعتقد أن التدين هو الداء الذي ينبغي أن يستأصل من أجل التخلص من الإرهاب، فيما
الهدف الحقيقي هو التخلص من أي خطاب يتبنى مواقف معارضة إزاء الهيمنة الخارجية
بشكل عام، وإزاء المشاريع الصهيونية في المنطقة بشكل خاص.
نذكّر هنا بأن ما
يجري في تونس إنما يؤكد سخف مقولات «الإسلام المعتدل» المطلوب أمريكياً، أو ترويج
النموذج التركي، بحسب ما تردد نخب علمانية، بل وإسلامية أيضاً ترى أن تحالفاً
سيأتي بين «الإسلام المعتدل» والولايات المتحدة، بعد أن يتنصل الإسلاميون من
التزامهم بالقضية الفلسطينية.
والحال أن حركة
النهضة هي أقرب الأمثلة إلى نموذج العدالة والتنمية التركي، لكنها ما تزال مرفوضة،
وستبقى كذلك ما دام بوسع النظام مطاردتها من دون تأثيرات جانبية واسعة، أما
اندماجها في مشروع يعترف بالدولة العبرية من أجل الحصول
على الرضا الأمريكي فلا يبدو ممكناً، ليس لأن واشنطن ستفضل علمانيين يعترفون
بمصالحها ومصالح «تل أبيب» على إسلاميين غير مضمونين فحسب، بل أيضاً لأن الحركة
سترفض ذلك، إيماناً منها بأن الشارع الذي لم يحركه شيء قدر رفضه لزيارة شارون
لتونس، لن يحترمها حين تسكت عن قضايا الأمة في فلسطين والعراق، في تناقض واضح مع طروحاتها الأساسية.
في تونس اليوم يقدم
النظام نموذجاً في التطبيع المبكر مع العدو الصهيوني كي يسهم في كسر الحواجز أمام
الآخرين، فيما يقدم نموذجاً آخر في محاربة مظاهر التدين بعد «إبادة» الإسلام
السياسي عسى أن يحتذيه الآخرون أيضاً، لكن الشعب
التونسي يؤكد بقوة انحيازه لدينه وأمته، وما الحراك السياسي الأخير إلا محطة قد
تتلوها محطات على صعيد استعادة الحرية المسلوبة والهوية المحاربة.