كلاً نمد هؤلاء وهؤلاء
بقلم :د. صلاح الخالدي
قال الله عز وجل: «من
كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً
مدحوراً، ومن اراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن
فأولئك كان سعيهم مشكوراً، كلاً نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك
محظوراً، انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة اكبر درجات واكبر تفضيلاً» (الاسراء: 18-21).
تذكر هذه الآيات صفات
نموذجين من الناس: نموذج الذي يريد العاجلة، ونموذج الذي
يريد الآخرة.
العاجلة هي هذه
الحياة الدنيا، وسميت عاجلة لأن طالبيها الذين يريدونها، يتعجلون الحصول على
شهواتها وزينتها، ويخشون ان تفوتهم فرصتها، فيتنافسون
ويتهالكون ويتقاتلون عليها.. وهي عاجلة «سرعان ما تمر وتنتهي، وتزول زينتها، وتذبل
زهرتها، كما قال تعالى: «واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء انزلناه
من السماء فاختلط به نبات الارض،
فاصبح هشيماً تذروه الرياح، وكان الله على كل شيء
مقتدراً» (الكهف:45).
وكثير من الناس
يريدون هذه الدنيا العاجلة القصيرة السريعة الزائلة، ويؤثرونها ويفضلونها على
الآخرة. كما قال تعالى: «كلا بل تحبون العاجلة، وتذرون الآخرة» (القيامة:20-12) وكما
قال تعالى: «ان هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوماً
ثقيلاً..» (الانسان:27).
الذي يريد العاجلة
عجل الله له ما قدره له منها، ولم يؤته كل ما يريد انما
يؤتيه ما يتفق مع حكمته سبحانه.. لكن هذا الخاسر المتعجل يخسر الجنة في الآخرة،
وليس له إلا نار جهنم يصلاها ويحترق فيها!
والمؤمنون الصالحون
هم الذين يريدون الآخرة، وما فيها من جنة نعيم، ويجعلون الدنيا العاجلة مزرعة
للآخرة الباقية، ويسعون سعيهم الحثيث اليها، ويكثرون من
الاعمال الصالحة، ليأخذوا ثوابها عند الله.. هؤلاء الفائزون المفلحون يتقبل الله عملهم وجهدهم وسعيهم ويدخلهم
الجنة منعمين فيها..
وان الله الحكيم العليم الخبير يعطي كل فريق ما
يريدون، ويمدهم من ما يطلبون. الذين يريدون العاجلة امدهم
الله منها، والذين يريدون الآخرة امدهم الله منها: «كلا
نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك..» لكن اصحاب العاجلة
نظرهم قصير، وتفكيرهم ساذج، فلم يروا إلا ما تحت رجليهم.. اما
اصحاب الآخرة فقد كانوا بعيدي النظر، راجحي العقل ولذلك
توجهوا بآمالهم واهتماماتهم نحو الآخرة، وباعوا انفسهم
لله.. وفرق بعيد بين الفريقين، وبين الموقع الذي فيه كل
فريق.. وقد فضل الله طالبي الآخرة على طالبي العاجلة في الدنيا، واين ثرى اصحاب الدنيا من ثريا اصحاب الآخرة؟ والآخرة اكبر درجات
واكبر تفضيلاً!!.