أمراض وأكفان

 

بقلم : محمود شنب

mahmoudshanap@yahoo.com

mahmoudshanap@hotmail.com

 

ما فائدة الانتخابات المصرية إن احتفظ الحزب الحاكم فى كل مرة بهذه الوجوه الكئيبة وبالأغلبية المطلقة داخل البرلمان المزيف ؟!!

ما جدوى النجاح الذى يحققه بعض المستقلين ونواب المعارضة والإخوان المسلمين طالما بقى الحزب الحاكم مهيمنـًا على كل شئ ؟!!

الإصلاح الحقيقى يبدأ بسن قوانين تسمح بتداول السلطة وتغليب إرادة الشعب وإقصاء حزب اللصوص عن الساحة السياسية ، ولن يأتى هذا أبدًا عن طريق صندوق الانتخابات ..

فى الانتخابات الجارية الآن ..

ما أكثر الأموال التى أهدرت ، وما أكثر الجهد الذى ضاع هباء !!

مصانع الغزل والنسيج فى بلادنا لا تنتج غير الأكفان ولافتات الانتخابات .. أكفان تلزم دائمًا جراء أمراض يوسف والى المدمرة التى انتشرت فى الشعب المصرى انتشار النار فى الهشيم ، ولافتات تلزمنا دومًًا جراء سياسة التهريج التى ابتدعها الحزب الحاكم ليلهى الشعب البائس عن صميم حقوقه ويشغله بما هو ليس حقيقى ولا منطقى ، وما بين الأمراض والأكفان نعيش حياة اللهو المسماة بالانتخابات ( انتهينا منذ بضع شهور من انتخابات الرئاسة ونعيش الآن انتخابات مجلس الشعب ، وعام 2006 سيشهد انتخابات المحليات ، والعام الذى يليه سيشهد انتخابات مجلس الشورى ... وهكذا ) وما بين الأمراض والأكفان والانتخابات تغيب حقائق وتنزوى أحداث ويبقى الزور شاهدًا على كل ما يحدث فى البلاد من جرائم وانتهاكات لحقوق شعب علم الإنسانية كلها التمدن والتحضر وكل أسباب الحياة الحرة الكريمة .

فى مصر طابور طويل من العملاء وأولاد الحرام يقف فى مقدمتهم كمال الشاذلى الذى لا يشبع من الحرام ويموت كدرًا إن عاش يومًا من غير أن يكون عضوًا فى مجلس الشعب وديوثا للنظام .. يموت كدرًا وهمًا إن أفل نجمه وانحسر سيطه بعدما ألف الإجرام وتعود على الغتاتة والرذالة والتبجح والإستعلاء .. إنه الطاغيه الذى تمثل ملامح الإجرام على وجهه علامات الزمن الردئ الذى نحياه .

وفى الجولة الأولى نجح الطاغيه مثلما نجح فى كل المرات السابقة التى خاض فيها الانتخابات ، وقد شكل نجاحه فى هذه المرة لغزًا محيرًا لدى الرأى العام المصرى ..

عاتبنى مواطن من "الباجور" على مقالتى الخاصة بدعوة الأهل هناك لإسقاط هذا الطاغيه ، وقال لى : كيف تطلب منا تحقيق ما عجز الشعب المصرى عن تحقيقه .. أنت لا تدرى حجم الترغيب والترهيب الذى نعيشه أيام الانتخابات والذى يعيشه أهل الباجور .. فى كل مرة نشاهد بأعيننا عمليات البطش والتضييق والتزوير .. حتى تصورنا أن خلع رئيس الجمهورية ربما كان أيسر من خلع كمال الشاذلى ..!!

انتهى عهد عبد الناصر ولم ينتهى عهد الشاذلى ..

وانتهى عهد السادات ولم ينتهى عهد الشاذلى ..

وانتهى عهد مبارك ـ أو يكاد ـ ولم ينتهى عهد الشاذلى ..

إن مصر كلها تواجه كارثة إسمها كمال الشاذلى .

هذا ما قاله مواطن الباجور ، ولا أخفى سِرًا أننى جعلت مقياس النزاهة فى الانتخابات الأخيرة يتمثل فى نجاح أو سقوط كمال الشاذلى .. لم أبحث فى النتائج المبكرة غير عن اسمه .. هل هو ممن أراحنا الله منهم ، أم هو ممن سيخلدوا فى نار جهنم؟!!

تصورت أنه ضمن الحرس القديم الذى يؤرق النظام ويسعى دائمًا للخلاص منه خصوصًا وقد سُلب فى الفترة الأخيرة جزءًا من اختصاصاته فأصبح وزيرًا لشئون مجلس الشعب دون الشورى ..

تصورت أيضًا أنه إحدى الأوراق التى سيضحى بها النظام من أجل تبييض وجهه وإيهامنا بحقيقة التغيير خصوصًا بعد أن فاحت رائحته وأزكمت كل من يعيش على أرض مصر ..

تصورت أيضًا أن النظام سيقدم وجوهًا جديدة تساعده على الاستمرار وخداع الشعب وأن الحزب الحاكم والنظام لن يجدوا معضلة فى ذلك ، فلديهم طابور طويل من العملاء والمرتزقه ..

ألم يتمكن النظام من إيجاد بدائل قذرة لإبراهيم نافع وسمير رجب وإبراهيم سعده ووجدوا من يتفوق عليهم فى الخسة والندالة وتزييف الوقائع والعيش تحت أقدام النظام ، وما القط ـ أو الفأر ـ وسرايا وغيرهم غير شواهد عار على ذلك .. لقد دخلوا حلبة الصراع الإجرامى دون تسخين .. دخولها بسرعة الصاروخ ومارسوا الزيف والتضليل حتى من قبل أن يخدعوننا بعض من الوقت ويشعروننا بأن هناك فرق بينهم وبين من سبقوهم من رؤساء التحرير ..

من أول مقالاتهم وجدنا وجوههم مكشوفة ونواياهم مفضوحة بعد أن أقسموا على طاعة الرئيس والولاء للشيطان خصوصًا بعد أن أراهم النظام جزاء من سبقوهم فى الخدمة ، فتلك مزارع إبراهيم نافع ، وتلك قصور سمير رجب ، وتلك خزائن إبراهيم سعده ..!!

استبشرت خيرًا وتخيلت حتمية السقوط لكمال الشاذلى وانتهاء عهده الكئيب ، لكن صدمتى كانت كبيرة عندما علمت أنه من أوائل العشرة المبشرين بالنار ..

فى الباجور .. سقط العظماء ونجح السفهاء .. خطوة للأمام وعشرة للوراء !!

لقد جعل كمال الشاذلى من دائرة الباجور معمل أبحاث وحقل تجارب لانتخابات مجلس الشعب والشورى .. جرب فى قومه كل شئ ، وكلما نجحت فكرة يتم تعميمها على مستوى الجمهورية فأصبحنا نشاهد العجب العجاب فى كل انتخابات جديدة .. دورة تقوم على سياسة الحبس والاعتقال ، ودورة تقوم على سياسة البلطجة وتقفيل اللجان ، ودورة تقوم على الالتفاف حول القضاء ، ودورة تقوم على أكتاف مغاوير الشرطة ، ودورة تقوم على شراء الأصوات والعبث فى الجداول الانتخابية ، وكان كمال الشاذلى هو المجرم الوحيد الذى يقف وراء كل هذه الأعمال القذرة .

إننى لا أعتب على أهل الباجور ، فقد فعلوا كل ما فى وسعهم وما هو فوق طاقاتهم ، لكن الحمل ثقيل والخصم لعين لا يستحى ولا يتورع عن فعل أى شئ فى سبيل البقاء .

إن أتباع "علاوى الباجور" منتشرون فى كل مكان ، وقد اكتسبوا من طول عهد الباطل ما جعلهم متمرسون على عمليات البلطجة والإجرام ، ووالله الذى لا إله غيره لو احتلت أمريكا مصر ما تورع كمال الشاذلى عن خدمتها ووضع يده فى يدها شأنه فى ذلك شأن الجلبى وعلاوى وكرزاى ومشرف !!

إن الوطن بالنسبة لكمال الشاذلى لا يعدو غير مصالحه ، ولقد تقلص مفهوم الانتماء لديه حتى صار فى حجم بطاقة الحصانة البرلمانية التى لم تفارقه لحظة منذ ما يقارب الأربعين عامًا !!

وبناء عليه فإن مصر لا تعيش أى حالة من حالات الإصلاح أو التغيير ... ما تعيشه مصر هو حالة استبداد وتمكين يُخلى فيها الحرس القديم ـ بقيادة حسنى مبارك ـ مكانه بعد أن أصابته تخمة النهب والفساد إلى الحرس الجديد الذى يقوده جمال مبارك الذى يتعطش لاستكمال مسيرة النهب والعمالة ..

مخطئ من يتصور غير ذلك ، ومخطئ أكثر من يتصور أننا نعيش الإصلاح بأى درجة من درجاته ، فمبارك غير صادق فى أى حرف يقوله عن الإصلاح وغير الإصلاح ، بقدر ما هو غير جاد فى أى من دعاوى الإصلاح التى يطلقها علينا بين الحين والآخر ، فللإصلاح رجال لا نشاهدهم وسط هؤلاء القوم ، وللإصلاح شواهد لا نجد أى منها على الساحة المصرية .. اللهم إلا إذا استثنينا حركة الإخوان المسلمين .

السلطة لا تريد إصلاحًا عمليًا أو حقيقيًا .. وإنما يريدون إصلاحًا شفويًا يضحكوا به على الشعب الصابر ، وإلا فأين هم من تنقية الدستور من القوانين المعيبة التى أفسدت الحياة فى مصر ؟!!

أين هم من علامات الإصلاح الحقيقى التى تتمثل فى الإفراج الفورى عن المعتقلين الأبرياء الذين أفنوا عمرهم خلف القضبان ؟!!

وأين هم من إصلاح الإعلام والتعليم وعدم التضييق على المصلحين والعلماء الثقات ؟!!

لماذا لم يقيلوا شيخ الأزهر المساند لكل ما هو باطل وحرام ؟!!

لماذا لم يزيحوا كل الوجوه الكريهة التى تطبق على أنفاس الشعب منذ عقود طويلة أمثال الشاذلى وسرور والشريف وفاروق حسنى وكل من على شاكلتهم ؟!!

لماذا لم يحجموا دور اللوبى الصهيونى والأمريكى ويستعينوا بالشرفاء من أبناء الأمة ؟!!

لماذا لم يرفعوا قانون الطوارئ من الخدمة ؟!!

إن مبارك لا يقوى على فعل أى شئ حتى لو كان هذا الشئ لا يتجاوز الأمور الداخلية للوطن ، فما بالنا لو طالبناه بإلغاء كامب ديفيد ومساندة المقاومة العربية والإسلامية فى كل من العراق وفلسطين وأفغانستان ؟!!

ما بالنا لو طالبناه بدعم الموقف السورى ومساندة الرئيس بشار الأسد ؟!!

ما بالنا لو طالبناه بأن يكف عن الدعم الأمريكى فى العراقى وأن يجعل معبر رفح معبرًا مصريًا فلسطينيًا خالصًا لا شأن لأى من دول العالم بمراقبة حركة العبور فيه ؟!!

... كل هذه الأمور لا يقوى على فعلها أو التعرض لها غير الشرفاء والعظماء من الرجال ... فأين هم ؟!!

إن كل ما نطالب به الآن هو إصلاحات داخلية حقيقية تمكنا مستقبلا من تصحيح ما أفسده الحكام الخونه على مدى نصف قرن أو يزيد ، ويجب ألا تلهينا نجاحات الإخوان المسلمين عن المأزق الذى نعيشه والمتمثل فى الحكم الاستبدادى الذى بإمكانه فعل كل شئ ... بجرة قلم يستطيع مبارك حل مجلس الشعب القادم وإجراء انتخابات جديدة ..

لابد من إسقاط الطاغيه أولا وتمكين الشعب من الحكم ، ولن يتحقق ذلك عن طريق صناديق الانتخاب وإنما عن طريق فرض الإرادة الشعبية وإزاحة كل هذه الوجوه الكريهة التى حسبت حساب كل شئ ... فوضعت لكل معضلة حل ، ولكل أزمة أسلوب إدارة .. لكى يتمكنوا من البقاء على كراسى الحكم إلى ما شاء الله .