هل الذكاء والعلم نقيض الأخلاق والعزيمة؟

بعض المثقفين الأذكياء جعل كوبا وفلسطين في دائرة الأبعدين،

وجعل الولايات المتحدة و"إسرائيل" في دائرة الأقربين!

 

 

 

بقلم: نصر شمالي

 

تتعرض أمتنا وبلادنا لهجمة أميركية صهيونية ضارية هدفها المعلن إعادتنا إلى العلاقات الدولية التي سادت منذ بدايات القرن السابع عشر، أي منذ ما قبل أربعمائة عام! فالمشروع الذي يحمل عنوان "إعادة هيكلة الشرق الأوسط الأكبر" يعني بالضبط تحقيق مثل هذه العودة التي تتجلى معالمها الأولى في فلسطين والعراق وأفغانستان، حيث ينبغي أن تقوم الشعوب بإخضاع نفسها بنفسها لصالح المستعمرين وتحت إشرافهم المباشر!

 

لقد استولى الإنكليز على شبه القارة الهندية واستعبدوها منذ مطلع القرن السابع عشر بقوة الهندوس وبأموال الهندوس، أي بجنود غير جنودهم ونقود غير نقودهم، فالجيوش الإنكليزية كانت مشكلة من الهندوس واحتياجات الحروب التمويلية كانت تأتي من حكومات الهندوس العقيمة المستبدة المتحاربة، وها نحن نعامل اليوم على هذا الأساس، فهل يعقل أن يعيد التاريخ نفسه بالطريقة ذاتها التي اتبعت قبل أربعة قرون؟

 

* * *

 

لقد تطوّر العالم تطوّراً هائلاً قياساً بما كان عليه في القرن السابع عشر، فشاعت العلوم الحديثة على أوسع نطاق في جميع البلدان، وتعاظمت أعداد الأذكياء الذين يتقنون هذه العلوم حتى في المستعمرات السابقة، لكن الأساسيات التي تحكم أمتنا وبلادنا، وتبقيها متخلفة أسيرة للسياسات والمصالح الأجنبية، ظلت هي نفسها لم يطرأ عليها أي تغيير يتناول جذورها حقاً وفعلاً، وإنه لمن الواضح أن ذلك يحدث نتيجة الانفصال أو الإنفصام الواقع بين الذكاء والعلوم من جهة وبين الأخلاق والعزيمة من جهة أخرى، ولا تغيّر في ذلك الإستثناءات الإيجابية بفعالياتها النضالية المحدودة، التي تبرز في هذا الزمن أو ذاك وفي هذا القطر أو ذاك!

 

في وضعنا الخطير الراهن، حيث الأعداء الاستئصاليون يجتاحون بلادنا تباعاً، نجد أذكياء من أبناء أمتنا، يعرفون كل شيء عن آخر إنجازات العلوم الحديثة، لكنهم ينقلبون رأساً على عقب في غير صالح أمتهم، مرة بذريعة الاستبداد المحلي والفساد وأخرى بذريعة الديمقراطية والحداثة، فيضعون الذكاء في مواجهة المبادئ والأخلاق، ويضعون المعرفة والعلوم في مواجهة الإرادة والعزيمة، لتصبح كوبا والمقاومون الفلسطينيون في دائرة الأبعدين، وتصبح الولايات المتحدة والإسرائيليون في دائرة الأقربين!

 

لقد قرأت مؤخراً خلاصة لكتاب إسرائيلي يتحدث عن تاريخ سورية الحالية قائلاً ما معناه أن سورية منذ استقلالها في الأربعينات وهي تعيش أوضاعاً غير طبيعية، لأن شروط تأسيسها بناء على اتفاقية سايكس/ بيكو تجعلها كذلك! وبغض النظر عما يريد الكاتب الصهيوني الوصول إليه من استنتاجات شريرة فإن الشعب السوري يعرف هذه الحقيقة جيداً، ولذلك هو متمسك بكونه جزءاً من الأمة العربية التي لا حياة ولا مستقبل له إلا في نطاقها، غير أن بعض الأذكياء العرب يذهبون مذهباً آخر، فيعدّون لسورية (الجزء) ما يؤدي إلى المزيد من التجزئة، ويوظفون المعارف والعلوم الحديثة التي اكتسبوها لتحقيق هذا الغرض، وهاهم اليوم يدعونها إلى الاستسلام والرضوخ، لأنها – حسب زعمهم – وحيدة في مواجهة العالم والمجتمع الدولي والأمم المتحدة والجامعة العربية ولجنة التحقيق الدولية، مع أنهم أكثر من يعرف أن هذه الجهات التي يعدّدونها لا تمتلك مضامين أسمائها!

 

إنه الذكاء الذي يفتقد الأصالة القومية وإنها المعرفة العلمية التي تفتقد الإبداع الذاتي، يتحولان كلاهما إلى نقيض للأخلاق والعزيمة وللثبات والمقاومة، وإن هذا ليستدعي، في أبسط حالات النقد، استحضار قول المتنبي:

 

ولم أر في عيوب الناس عيباً / كنقص القادرين على التمام!

 

 

 

في عام 1887، أي قبل حوالي قرن وربع من الزمان، أصدر العالم الفرنسي غوستاف لوبون كتابه الهام عن "حضارات الهند"، وفيه اعتبر الحضارة الأوروبية، ومن قبلها العربية الإسلامية، في جملة حضارات الهند، وفي تحليله لأسباب خضوع شبه القارة الهندية للإنكليز، ابتداء من القرن السابع عشر، عرض أن أهالي الهند كان ممكناً (في ذلك الزمن) تحويلهم إلى كتائب عسكرية يباهي بقيادتها مارشال أوروبي كبير عندما يكون على رأس مثل هذه الكتائب قادة أوروبيون! وأن أفضل ما يستطيع أن يتمسّك به أفّاق أوروبي ليصل إلى حكم الهند هو أن يوجّه الأحوال والأهواء، وأن يتكلم بلسان الدّمى الفخمة التي تحمل ألقاب الملوك أو الأمراء الهنود! وأن الاكتشافين المهمين اللذين استعمرت الهند بفضلهما هما: ضعف جيوش الأهالي (جيوش!) تجاه الكتائب الأوروبية المدربة (كتائب!) وسهولة تدريب الأهالي على النظام الأوروبي واستخدامهم من قبل الأوروبيين! لقد رأى رواد الاستعمار أن بالإمكان إخضاع مستعمرة شاسعة كالهند، بمئات ملايينها، بوساطة أموال أهلها المغلوبين أنفسهم، وبوساطة جنودهم بالذات!

 

يقول لوبون أن الإنسان قد يعجب، للوهلة الأولى، من نجاح عمليات إخضاع تلك الملايين الكثيرة بسهولة على أيدي بضعة آلاف من الجنود الأوروبيين، مع أن المفترض أن تكون جيوش المستعمرين مشكلة من مئات آلاف الجنود، لا من بضعة آلاف، فما السّر في ذلك؟

 

* * *

 

يشرح لوبون أن العجب يبطل، بصدد ما سبق، عندما نعرف أن كلمة "الهند" في ذلك الزمن لم تكن سوى تعبير جغرافي، وأنها كانت بلاداً لشعوب مختلفة أشدّ الاختلاف، ليس فيها ما تعرفه أوروبا من معنى "الأمة الواحدة"، أي وحدة العرق واللغة والمشاعر المؤدية إلى وحدة المصالح، وأن الهند لم تكن تشتمل على قومية هندية، كالقومية الفرنسية أو الألمانية، وأن شعوب الهند كانت تتعامل مع بعضها كأجانب، وأن نظام الوظائف كان يفرّق بين مختلف طبقات العرق الواحد، فينظر الهندوسي إلى أكثرية أبناء قومه كغرباء مثلهم مثل الأوروبيين! إن لوبون يعزو المسألة الهندية المأسوية في ذلك الزمن إلى فقدان الشعور القومي، وقد نقل عن الأستاذ الإنكليزي سيلي قوله:" سوف تغيب إمبراطوريتنا الهندية عن الوجود عندما يبدأ الشعور القومي بالنمو في الهند، وعندما يقتنع الناس فيها أن من العار مساعدتنا كي يدوم سلطاننا"! لقد تألف ثلثا القوات البريطانية من الهنود، وبالتالي لم يشكل ما يحدث في الهند من اضطرابات خطراً على الإنكليز، فثورة "السباهي" التي اشتعلت عام 1857 كانت وليدة شكاوي عسكرية خاصة لم تكترث لها شعوب الهند، فقمعتها كتائب هندوسية تقودها فئة قليلة من الإنكليز!

 

* * *

 

وهكذا فقد كان الخطر الأكبر على الاستعمار البريطاني في الهند – كما يؤكد لوبون – هو بزوغ شعور قومي هندي، وقد ساعد الإنكليز أنفسهم، بسلوكهم وأساليبهم، على استنهاض الشعور القومي الهندي وجعلوه ينمو بقوة ليؤسس لانهيار إمبراطوريتهم العظمى، وهاهي الهند اليوم بلداً عظيماً، موحداً وغنياً، وواعداً باحتلال مكانة دولية لائقة ومرموقة في المدى القريب.

 

أما الأمة العربية فإنها لا تزال محكومة بسياسات وعلاقات القرن السابع عشر، على الرغم من نضج شعورها القومي وقوة روابطها القومية، وذلك بفعل بعض أبنائها الأذكياء على اختلاف مواقعهم، الذين يريدون إقناعها بالتقهقر أكثر، وبالتخلي عن قوميتها الإنسانية وتراثها الحضاري الإسلامي، ويزيّنون لها القبول بالتشرذم وبتجزئة الأجزاء استجابة لدواعي الحداثة والعولمة، وحقوق الإنسان وتقرير المصير! إن ذكاء هؤلاء الأبناء غير أصيل، ولذلك يقف في مواجهة المبادئ والأخلاق، وإن معارفهم غير إبداعية، ولذلك تعمل على تدمير إرادة أمتهم وإحباط عزيمتها، علماً أن التقدم لا يتحقق إلا بالإرادة والعزيمة.