لماذا يقوم هؤلاء بمثل ما قاموا به في عمّان والعواصم العربية؟

 

 

 

بقلم:  د. باسم عبد الله عالِم *

 

لكم آلمني وفت في عضدي أن تصاب أرض الرباط بحادث جلل أليم.  إن حبي للأردن وأهلها ينبع من كونها البقعة المباركة التي أرجو أن يقر الله فيها عين كل مسلم ساعة يأذن بقتال اليهود عند ضفة النهر نحن شرقيه واليهود غربيه.  لست ههنا أحلق في سماء التمني كما يحلو لأرباب الواقعية السياسية أن يقولوا ويتهكموا، فما نحن إلا أمة مسلمة يحتم عليها إسلامها أن تستصحب في إستشرافها للأحداث المستقبلية أوثق الأخبار وأوكدها من أحاديث المصطفى (صلى الله عليه وسلم).  وإن كان الغرب يخرج  أبحاثه المستقبلية في نسق علمي وتحليل سياسي، فإن حقيقته لا تخرج عن التأطير التوراتي والنبوءات الإنجيلية التي تبشر بعودة المسيح وإنتصاره للنصارى أو اليهود بحسب مصدر النبوءة.  فأقول بلا وجل أو خوف، بأن بشارات الرسول و أخباره التي أخبرنا بها عن مسيرة التاريخ الخاص بأمتنا وعلاقاتها بغيرها من الأمم يجب أن يعاد الإنتباه إليها وأخذها بعين الإعتبار وبجدية علمية لا إستخفاف بها.

 

نعم لقد آلمني ما وقع بالأردن، كما أحسب أنه آلم كل مسلم غيور يعي حرمة الإنسان و خطورة الولوغ في دماء المسلمين وفوضى الهرج والمرج التي تصنع فتن تجعل الحليم حيران.  ومع ذلك فالخطورة لا تكمن في الحادث وما خلفه من دمار وأشلاء وألام وأحزان, ولكنها تكمن في ردود الأفعال والمواقف التي قد يتبناها اللاوعي فينصرف غضبه ورفضه لكل عمل مشابه مهما تباينت الأهداف وأختلفت الأحوال.  إن العبرة منوطة بمشروعية الهدف ومن قبلها مشروعية الوسيلة التي تستعمل للوصول الى الهدف المنشود.  وقد لا يرى أحدنا إلا مجنونا حاقدا أقدم على الإنتحار يحمل في نفسه ضغائن ووساوس، ثلوثت أفكاره بمغالطات ويعيش في وهم بعيدا عن واقع السياسة الواقعية التي أسقطت من حساباتها مفهوم الجهاد والمقاومة منذ زمن بعيد.  والبعض الآخر يرى في كل تفجير إستمرار لمعركة الأمة ضد الطغيان والإحتلال بشتى صروفه وكأن كل حادثة تؤكد على إستمرار الحياة في هذا النهج المقاوم المؤمن بالجهاد سبيلا للمقاومة ضد الإحتلال.

 

والحقيقة في ذلك ليست حكرا على أحد ولا يمكن لأي الفريقين أن يدعي صواب وجهته وسداد رأيه على الإطلاق.  ولا شك أن بشاعة الجريمة التي أصابت أهلنا في الأردن لا يمكن أن يغض الطرف عنها أو يعتبرها أحدنا (غلطة شاطر) وخطاء غير مقصود.  إنها جريمة ناجمة عن أناس تشكلت لديهم القناعة بوجوب إستهداف العدو أينما وجد وإن أدى ذلك إلى مقتل العشرات بل المئات من المسلمين والمسالمين.  وهؤلاء لعمري كثير في زماننا هذا وكانوا قبل ذلك قلة تنامت مع إزدياد الظلم، إنها إفرازات واقع فاسد مؤلم أضطر الكثيرين الى تبني ردود أفعال عنيفة ضد من أعتبروه المسؤول عن إستمرار هذا الواقع ومن ثم ألبسوا أهواءهم ثوب الدين يشرعون لأنفسهم أفعال ما أنزل الله بها من سلطان، ويسخفون بدم المسلم وحرمته عند الله سبحانه وتعالى مستندين في ذلك الى مفهوم التترس الذي يبيح قتل المسلم الذي يتترس به الكافر وذلك في إطار الدفاع عن الأمة ومقدراتها.

 

وبالرغم من ذلك فلا يمكننا أن نؤخذ على حين غرة، فيدفعنا حزننا وما نشهده من ضجيج إعلامي وغيرتنا على دماء أهلنا إلى أن نناهض ونعادي كل ضروب المقاومة الجهادية التي تقوم بعمليات بطولية إستشهادية للنيل من الأعداء وحلفائهم وإرهابهم والتنكيل بهم ما أستطاعو الى ذلك سبيلا. فالعمليات الإستشهادية لا شك جهاد مبارك مشروع طالما بقي واضح المعالم والأهداف والوسائل وذلك بحسب ما ذهب إليه الكثير من العلماء السابقين والمعاصرين. فمظنة التهلكة لا يجب أن تثنينا عن المقاومة والجهاد في سبيل الله.  وهذا سيدنا علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه ورضي عنه) في يوم خيبر يرمى به في الحصن ليفتح بابه للمسلمين وقد فعل ذلك وهو موقن بالهلاك لولا فضل الله عليه فأنجاه من الموت المحتم في ذلك اليوم المشهود الذي أثبت فيه سيدنا على بأنه فارس فرسان المسلمين شبابهم وشيوخهم وفدائي من النخب الأول وهو المثل الذي كنا نتطلع أن تفرز الأمة أمثاله فأستجاب الله دعاءنا من خلال الأبطال الإستشهاديين الذين قدموا أرواحهم في سبيل الله لينالوا من أعداء الله في فلسطين والعراق وكشمير وأفغانستان.

 

والسؤال الذي لا يزال يحتاج الى إجابة شافية هو "لماذا يقوم هؤلا بمثل ما قاموا به في عمّان والعواصم العربية الأخرى التي عانت من هذا النوع من الهرج والمرج العشوائي وغير المنطقي؟"  إن الإجابة على هذا السؤال تتمحور حول الدوافع من جهة والمستفيد من جهة أخرى.  إن الدافع لهذه العمليات التخريبية، بالرغم من عظم جريمتها، إنما هو صرخة إحباط وإظهار لمدى الغضب والإستياء الذيّن يعتملان في جموع الأمة المسلمة.  والأمة تحوي الكثير من الفئات والطاقات والملكات ولكل مشربه وفكره فتنعكس حالة غضبه وإحباطة إنعكاسا متسقا مع كينونته ومكوناتها.  البعض يلملم جراحه وينطوي على نفسه والبعض الآخر يؤثر الهجرة الى حيث لا قمع ولا فساد ولا إستخفاف بالإنسان أو إنتهاك منظم لحقوقه.  وغيرهم يخوضون غمار العمل الثقافي التوعوي أو العمل السياسي بشتى أنواعه أما هؤلاء فلم يسعفهم عقلهم إلا للمسارعة بهدم الدنيا علي أنفسهم وعلى الآخرين الذين يمثلون كل نقيصة ويرمزون الى كل ما يسبب لهم معاناتهم وينتهك حرمة دينهم وإنسانيتهم ولسان حالهم يقول "عليّ وعلى أعدائي" إلا أنهم أخطأوا الهدف فمن قتلوا أو رملوا أو يتموا أو أثكلوا ليسوا سوى أناس أمثالهم يعانون مما يعانوه ويبحثون عن مخرج كما يبحثون.  وهنا بيت القصيد ومكمن الخطر الذي يجب أن يعيه المجتمع وتعيه الأمة حاكما ومحكوما.  إن الوصول بالحالة الإنسانية إلى دركات اليأس كما هو الحال في عالمينا العربي والإسلامي لا بد وأن تكون نتائجه بالدرجة نفسها من الدراماتيكية المعبرة عن فداحة الحال والواقع.  ولسوف يتنادى البعض الى إتهامي بالتبرير لهذا الهرج والمرج، ولكن حسبي القول بأن المصيبة إذا وقعت يجب أن نبادر إلى تطويق أثارها من جهة وتحليل مسبباتها الأصلية لمعالجة المرض من منبعه من جهة أخرى معتمدين الوقاية ومن ثم العلاج قبل أن نحاول التصدي للنتائج فقط دون ما تقدم.

 

والمسببات المؤدية لهذه الحالة ليست الفتاوى المتفلتة بدون ضوابط فحسب أو نشوء الجماعات المسلحة فحسب.  إن المسببات الحقيقية هي الحالة التي تؤدي الى نشوء الجماعات المسلحة والحلول الدموية. إن الحاكم العربي المسلم هو صلب المسألة و مناط الامر قبل كل محاولة لإيجاد الحلول والبحث عنها بمنأى منه.  إن الفساد السياسي المستشري والذي يتلخص في تهاون الحكام بمقدرات الأمة ورهن مستقبل أجيالها الى المحتل العسكري أو المهيمن السياسي أو المسيطر الإقتصادي هو ما يؤجج مشاعر الغضب ويحرك ردود أفعال متباينه رضينا أو لم نرض.  قلة من الحكام اليوم يمثلون شعوبهم بدعم وتفويض ومشروعية ناهيك عن حمايتهم لمصالحها والذود عنها والتضحية في سبيلها بل على العكس من ذلك، فما نجده عمليا هو تخاذل غير مبرر وتبعية كاملة وولاء مطلق لا يتفق والمقومات الشرعية الحاكمة على الأمة والحاكم على حد سواء.  وإن كان ثمة موقف يذكر ينبئ عن قرار وعزيمة فهو عادة ما يكون في إطار التعامل مع شعبه وحمله على ما لا يتفق والضمير الشعبي العام بقوة السيف وسلطان الحكم.

 

وبالرغم مما تقدم من قراءة للواقع، فإننا يجب ألا ننسى إحتمال وجود أياد معادية خبيثة تهدف الى إستغلال هذه الحالة العامة لخلط الأوراق وخلق حالة عامة من الإستشكال الذي بدوره يعطل الدعم المتواصل للمقاومة الإسلامية العربية المشروعة دينا ومنطقا ونظاما.  فالعمل الجهادي وعلى رأسه العمليات الإستشهادية المباركة أصبحت مثار إلهام للشباب المسلم المتطلع الى تخليص بلاده من شتى أنواع الإحتلال.  ولعل ثمة جهات تريد أن تفت من عضد الجهاد ضد المحتل بأن تخلط الأوراق وتشوش الأفكار .

 

------------------------

*   محامِ ومستشار قانوني