الدور العربي وصراع الشرعيات والإرادات في العراق المحتل

 

 

 

بقلم :د. بشير موسي نافع

 

بعد زهاء السنوات الثلاث علي الاحتلال، ما زال العراق يعيش صراعاً محتدماً بين شرعيتين وإرادتين. مؤتمر المصالحة الذي مهدت له الجامعة العربية بلقاء في القاهرة لن يغير من طبيعة الصراع شيئاً، بل ولا يملك معطيات التخفيف من حدة هذا الصراع. كل ما سيساهم المؤتمر في تحقيقه، سواء في لقاء القاهرة التمهيدي أو في المؤتمر الموعود ببغداد، هو المزيد من بلورة صورة الصراع، ودفع أطرافه إلي حالة استقطاب متفاقمة.

ولدت عن احتلال العراق قوتان رئيستان: القوة الأولي، هي مجموع التيارات والمجموعات والأحزاب والشخصيات التي قررت التحالف مع إدارة الاحتلال، باختلاف مواقفها من مستقبل هذا التحالف وتبعاته. القاسم المشترك بين هذه الشخصيات والتجمعات جميعاً هو السعي لتوظيف التحالف مع المحتل للسيطرة علي العراق وقراره، أو إمضاء تصور خاص للدولة والحكم. أغلب هذه التيارات والمجموعات والأحزاب وجد قبل الاحتلال، وقد استعدت للمرحلة التالية لسقوط النظام بنسج علاقات متفاوتة مع واشنطن ولندن، كما لعبت أدواراً متفاوتة في تبرير الغزو وتسويغه. أما القوة الثانية فضمت المجموعات والتيارات والهيئات والشخصيات الرافضة للاحتلال، سواء تلك التي اختارت طريق المقاومة المسلحة أو تلك التي نشطت في الساحة السياسية. قلة من هذه المجموعات والهيئات تواجدت قبل الاحتلال، ولذا فقد اكتسب ظهورها طابعاً عراقياً وطنياً تلقائياً، وكان لهذا التواجد أثر هام في مفاجئة مشروع ما بعد الغزو والاحتلال، مشروع المحتلين ومشاريع المتحالفين معهم بكافة توجهاتهم.

أدي تطور التدافع بين الطرفين إلي انهيار المشروع الأمريكي لمستقبل العراق، وانهارت معه تصورات حلفاء الاحتلال لهذا المستقبل. في أفضل الأحوال، أصيبت هذه المشاريع بارتباك بالغ، بحيث غلب الطابع التجريبي علي سياسات الإدارة الامريكية في العراق، بينما أخذت المجموعات والتيارات والأحزاب المتحالفة مع الاحتلال في تدافع بشع علي السلطة والثروة، وذهب بعضها إلي الاحتماء بالخطاب الطائفي والعرقي. ولكن هذا الانهيار، أو الارتباك البالغ، لا يعني ان المعسكر الرافض للاحتلال وللنظام السياسي الهش الناجم عنه قد حقق الانتصار.

شكل غزو العراق واحتلاله مراهنة هائلة لإدارة الرئيس بوش الإبن، ولا يخفي ان في بعض جوانب هذه المراهنة مبالغة كبيرة. جاء الغزو ابتداء في مواجهة معارضة عالمية شعبية (بل ورسمية في عدة حالات) واسعة النطاق. وقد اكتسب خطاب تسويغ الغزو والاحتلال صوراً متعددة لم تن عن التوالد، ولكنها ربطت جميعاً بين النجاح الأمريكي في العراق والاستراتيجية الأمريكية العالمية. سوغ الغزو بالتخلص من أسلحة الدمار الشامل، وبالتالي تقديم درس قاس ومتجسد للدول المارقة التي تحاول اختراق دائرة الأمن العالمي بحيازة هذه الأسلحة. وسوغ أيضاً بالتخلص من نظام قمعي دكتاتوري، وبناء دولة ديمقراطية، ومن ثم نشر الديمقراطية في المشرق العربي ـ الإسلامي، الذي يكاد ان يصبح الاستثناء الوحيد في حقبة الانتصار العالمي للديمقراطية. وسوغ كذلك بالحرب علي الأرهاب، بل ووصف بأنه أصبح الجبهة المتقدمة في مواجهة القوي الإرهابية التي تحاول تقويض أمن العالم واقتصاده، وأمن واقتصاد الولايات المتحدة علي وجه الخصوص. هذا الربط المستمر بين العراق والاستراتيجية الأمريكية العالمية جعل التراجع الأمريكي مسألة بالغة الصعوبة والحساسية، بمعني ان انسحاباً من العراق في صورة هزيمة سيمس هيبة الولايات المتحدة علي مستوي العالم، كما سيعزز من مصداقية القوي الراديكالية التي تستهدف النفوذ الامريكي في المشرق. وقد تم التعبير عن هذا المأزق في تصريحات لكل من سكرتير مجلس الأمن القومي، الذي قال ان الانسحاب المبكر من العراق سيهدد وجود الدولة العبرية، ووزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر، الذي قال بأن الولايات المتحدة لا تملك خياراً في العراق إلا الانتصار وبأي طريقة ممكنة.

ولا يقتصر الأمر علي الولايات المتحدة، فحلفاء الاحتلال، بكافة تياراتهم، يدركون ان الفرصة التي أتاحها لهم الغزو والاحتلال قد لا تتكرر لفترة زمنية طويلة جداً، هذا إن تكررت. خلال السنوات الثلاث الماضية، سال كثير من الدم بين المتحالفين مع الاحتلال والرافضين له، نمت كراهية لم يعرفها العراق من قبل، وبرزت هوة فاصلة يصعب ردمها. تدرك كثير من القوي المشاركة في نظام ما بعد الاحتلال ان الهزيمة والتراجع سيؤدي إلي خروجها نهائياً، وربما لأجيال قادمة، من العراق، وإلي تحطيم مشاريعها وتصوراتها لمستقبل العراق.

بفشل معسكر الاحتلال وحلفائه في المواجهة مع قوي المقاومة والقوي المناهضة للاحتلال، وعجز القوي الأخيرة عن إيقاع هزيمة قاطعة بالمحتلين وحلفائهم، دخل العراق مرحلة مريرة، قد تطول، من صراع الإرادات والشرعيات. علي مستوي الشرعية، تعهدت إدارة الاحتلال عملية سياسية متعجلة، لم تسلم من اتهامات التزييف والتدخل الاجنبي والتسرع غير المنطقي. وصمت كل مجموعات المقاومة بلا استثناء بالارهاب، وترفض قوي نظام ما بعد الاحتلال مطلقاً بالاعتراف بالمقاومة ووجودها، ولا حتي بفكرة شرعية المقاومة، بالرغم من ادعاء بعضها رفض استمرار الاحتلال، وبالرغم من ان المقاومة ساهمت مساهمة مباشرة في نقل السلطة الجزئي من المحتلين إلي حلفائهم من العراقيين. إضافة إلي هذا كله، تمارس قوي نظام ما بعد الاحتلال حملة قمع وإبادة للهيئات والأحزاب والشخصيات التي تناهض الاحتلال سياسياً، بل وتطال هذه الحملة أهالي وسكان المناطق التي تعرف بمناهضتها للاحتلال وتنشط في جنباتها المقاومة. علي الجانب الآخر، تلتقي القوي المناهضة للاحتلال ليس علي رفض الاحتلال فحسب، بل وعلي رفض الاعتراف بالنظام الناجم عنه، وبكل مراحل العملية السياسية التي يستند إليها هذا النظام، من مجلس الحكم وقانون إدارة الدولة إلي الدستور وجمعيته الوطنية. ليس هذا بالتطاحن السياسي العبثي، بل صراع شرعيات لا شك فيه: شرعية نظام ولد من لحظة الاحتلال وشرعية عراق متحرر من الاحتلال وما ولد من رحمه.

ولن يحسم هذا الصراع إلا بحسم الصراع الآخر المرتبط به ارتباطاً لا ينفصم: صراع الإرادات. في كل حروب الاحتلال والمقاومة الوطنية التي عرفها عالم القرن العشرين (الذي شهد صعود حركات التحرر الوطني وفكرة حق تقرير المصير) لم تنته أغلب تلك الحروب بهزيمة عسكرية قاطعة، بمعني تحطيم الآلة العسكرية والقوة البشرية المقاتلة. انتهت أغلب تلك الحروب بكسر الإرادة السياسية لأحد الأطراف، سواء بفعل تقويض الروح المعنوية، وصول الخسائر حداً لم يعد لدي الرأي العام القدرة علي تحمله، أو اتضاح الخلل بين حجم الخسائر وحجم المكاسب المؤملة. وليس من الصعب تصور انتقال الوضع العراقي إلي مرحلة صراع الإرادات، إرادة القوي المناهضة للاحتلال وقطاعات الشعب العراقي المؤيدة له، وإرادة القوة المحتلة في شكل أساسي، والمعسكر العراقي المتحالف معه في شكل ثانوي. أي ان نهاية الاحتلال في ظل استمرار وجود المقاومة وتأييد القوي السياسية المناهضة للاحتلال للمقاومة، سيدخل العراق مرحلة جديدة من التدافع بين العراقيين من مناهضي الاحتلال والعراقيين من أركان نظام ما بعد الاحتلال.

منذ بداية الاحتلال، رغبت الدول العربية الرئيسية، والجامعة العربية، بل وسعت، إلي لعب دور فعال في العراق. ولكن الإدارة الأمريكية لم تكن تريد تدخلاً عربياً إلا في صيغة قوات عسكرية مساندة للاحتلال، وهو ما رفضت الدول العربية القيام به في ظل الغضب والمرارة العربية الشعبية تجاه غزو العراق واحتلاله. ولكن التدهور المستمر في مشروع الاحتلال، والتعقيدات الإقليمية البالغة المحيطة بالعراق، وفر فرصة تدخل عربي محدود، تجلت في مشروع مؤتمر المصالحة، الذي تعهدته الجامعة العربية بدعم صريح من القاهرة والرياض، وموافقة أمريكية. ولكن التفاؤل الذي عبر عنه السيد عمرو موسي، الأمين العام للجامعة العربية، بعد جولته التحضيرية للمؤتمر في أنحاء العراق، كان تفاؤلاً مبالغاً فيه، ربما بحسن نية ورغبة حقيقية لدي عمرو موسي في توكيد الدور العربي في العراق الجديد ومساعدة العراقيين علي الخروج من صراعي الشرعيات والإرادات.

توزعت الأطراف العراقية التي أبدت استعداداً لحضور المؤتمر والمشاركة في لقاء القاهرة الابتدائي علي معسكري الصراع الرئيسيين: شريك الاحتلال والمناهض له. بين تلك المعروفة بالتحالف مع الاحتلال أو المرتبطة بوجوده من ذهب إلي القاهرة تجنباً لإثارة الغضب الأمريكي، أو تجنباً للاتهام بمعاداة العرب والعروبة، السعي إلي لعب دور في تحديد أعمال المؤتمر وحصره في أفق ضيق، أو لمجرد توكيد الوجود السياسي. بينما تسعي القوي السياسية المناهضة للاحتلال إلي توظيف الدور العربي من أجل تعزيز تصورها لمستقبل العراق وتعظيم قدرتها علي مواجهة حملة القمع والإبادة التي تواجهها داخل العراق. القوي الكردية علي وجه الخصوص تحاول استخدام المؤتمر لتوجيه رسالة تطمين إلي الدول والشعوب العربية التي يستفزها مشروع تقسيم العراق، وهو المشروع الذي لعب الحزبان الكرديان الرئيسيان ويلعبان دوراً أساسياً وأولياً في بلورته. ليس ثمة من مؤشر علي ان أياً من القوي المشاركة أبدي رغبة أو توجهاً جاداً لمراجعة المواقف المؤسسة لصراع الشرعيات، أو تلك المعبرة عن صراع الإرادات.

باعتبار مختلف الشروط التي وضعت أمام السيد عمرو موسي خلال الجولات التي قام بها أو قام بها مساعدوه في العراق، ليس ثمة من توجه لاعتراف قوي نظام ما بعد الاحتلال بالمقاومة، والإقرار بأن ثمة فرقاً جوهرياً بين الإرهاب والمقاومة، أو حتي القبول بما يؤكده المسؤولون الامريكيون في العراق من أن نشاطات الزرقاوي وجماعته (الجهة التي تقوم بالأعمال الإرهابية) لا تشكل أكثر من خمسة بالمئة من مجموع نشاطات المسلحين. لا مجموعات المقاومة سيسمح لها بالتمثيل في المؤتمر، ولا سيمثل التيار الرئيسي لحزب البعث. بل وليس من المتوقع ان توضع حملة القمع والإبادة، التي تقوم بها ميليشيات أحزاب نظام ما بعد الاحتلال وأجهزة النظام، علي جدول أعمال المؤتمر، أو ان يناقش المؤتمر مطلباً عراقياً إجماعياً بإقرار جدول لانسحاب قوات الاحتلال. من ناحية أخري، ففيما عدا الحزب الإسلامي، ليس هناك قوة واحدة من القوي المناهضة للاحتلال علي استعداد للاعتراف بشرعية النظام، أو الإقرار بالدستور التقسيمي الذي يري الآن باعتباره أساس شرعية عراق ما بعد الاحتلال. وبدون جدولة انسحاب قوات الاحتلال، وتحقق هذا الانسحاب بالفعل، لن تقوم أي من هذه القوي بالمطالبة بإيقاف المقاومة ودعوة الشعب إلي التخلي عن العناصر المسلحة.

العكس من هذا هو الصحيح. فبدخول الجامعة العربية وبروز الدور العربي، سيصبح وزن المواقف المختلفة أثقل من وزنها السابق، وسيتعاظم معني صراع الشرعية والإرادة. وهذا ما لا يغيب عن أطراف الصراع جميعها.