الكل يتحدث عن الإصلاح و البلاد في طريقها للخراب!

 

 

بقلم :عامر عبد المنعم

aamermoneim@yahoo.com

amermoneim@islamway.net

 

 

أخطر ما تتعرض له مصر الآن حالة الانقسام الداخلي الذي يصب في صالح المخطط الأمريكي لإشاعة ما أطلقوا عليه مصطلح " الفوضي الخلاقة " .فكل الكيانات متصدعة  ، سلطة و أحزاب و قوي سياسية . صراعات متصاعدة بين الكيانات بعضها و بعض ، و امتدت التصدعات إلي داخل كل كيان .

بعض هذه الصراعات منطقية و طبيعية كاتفاق كل القوي لإنهاء حكم مبارك ونجله جمال  ، لكن هناك صراعات مفتعلة يقف خلفها شياطين البيت الأبيض و أعوانهم من خفافيش الظلام الذين  ينفخون  في النار لإشعال الحرائق.

 

فالحكومة المصرية  فقدت مشروعيتها بعد ربع قرن من الفساد و القمع و موالاة الرئيس مبارك و زمرته للأعداء  و زوالها مسألة وقت ليس إلا.

 و الأحزاب  تحولت إلي دكاكين للتربح و الوجاهة و تاهت بعدما  تحالفت مع الدولة  و باعت مبادئها و تورطت مع الحكومة في صفقات أفقدتها الشرعية و أسقطتها بالضربة القاضية .

و كل هؤلاء الخاسرون حكومة و معارضة اتفقوا ضد الإخوان الذين رفعوا شعار الإسلام  لأنهم فازوا باختيار الشعب ، و حملوا الجماعة كل الأوزار و اتهموها بكل الشرور رغم أن نسبة الـ 20%  رمزية و لن تغير من واقع الأمر شيئا . و لم يفهم هؤلاء أن الشعب مع التغيير و لكنه لن يختار غير الإسلام .

 

و أمام هذا الانهيار الكامل و  هرولة من يحكمون  و من يطمحون في الحكم لعبادة أمريكا و إعلان الولاء لها خرج أقباط متطرفون ليطالبوا هم الآخرون بعودة مصر إلي المسيحية و طرد المسلمين !!.

نحن الآن أمام خطر حقيقي . و هو تفكك الدولة المصرية . نعم لازال الجهاز الأمني قويا (مليون جندي أمن مركزي تقريبا)  لكن هيبة الدولة تآكلت ، و رأسها نخر فيه السوس و لم نعد نري منهم رجلا رشيدا  .

و رغم أن هذا الانقسام يقود البلاد إلي خراب فان الجميع يتحدث عن الإصلاح . الكل بلا استثناء ، و لا ندري أي إصلاح هذا الذي ينتظرنا و نحن نري إرهاصات السقوط التام تلوح في الأفق . و عنوان هذا الانهيار استعانة السلطة بالبلطجية و أصحاب السوابق لإنقاذها ، و خروج الحكم علي القانون في الانتخابات الأخيرة من أجل جرعة مسكنة تطيل عمره بعض الوقت.

 

و من يتابع المعارك علي الساحة المصرية يضع يده علي سبب أزمتنا . فلا توجد قضية تجمع كل هذا الشتات ، فقد نجح الأمريكيون في إلهاء النخبة و إبعاد الأنظار عن احتلال العراق ، و شغل بلادنا في القضايا الداخلية علي حساب الأمة . فالإصلاح داخل مصر لا يمكن عزله عن التصدي للحلف الأمريكي الصهيوني  . فحكم مبارك جزء من المنظومة الدولية المعادية للإسلام . فإذا لم يكن دحر الجيوش الأمريكية و حلفائها التي تدفقت علي العراق و أفغانستان هي القضية الأولي في البرامج السياسية فعن أي إصلاح يتحدثون .

 

و نحن عندما نسعي لإنهاء حكم مبارك ليس فقط لمجرد التغيير كما يصور لنا البعض ، وإنما لأنه حول مصر إلي دولة تابعة للعدو و أفقدها استقلالها  و كأنها ولاية أمريكية .

 

وإذا كان  إسقاط حكم الرئيس مبارك هو الهدف  لأنه باع  استقلال البلاد  و أنهي دور مصر علي كل المستويات   فهل يجوز أن يستعين من يدعون للإصلاح بأمريكا العدو الأصلي ضد الوكيل الموالي ؟

 هل من المعقول أن نري من يستعين بمن يحتل بلاد الأمة و يريد الإجهاز علي الدول العربية  واحدة بعد الأخري لتنفيذ برنامج يقول انه اصلاحي ؟ .

و الاستعانة هنا بإرضاء إدارة بوش ، و بتلقي الأموال الأمريكية  الحرام و إمكانيات أمريكا و تسهيلاتها و دعمها المادي و المعنوي، و دولاراتها التي ترصد تحت  شعارات قد تبدو إنسانية  .

ان هؤلاء الذين لا يشعرون بالخطر الخارجي أو يتجاهلونه عمدا ،و ينكفئون علي الداخل يسيرون في طريق لا نهاية له ، متاهة لا مخرج منها و يجدون أنفسهم أمام حائط سد كما هو الآن . فالتناقضات بين ألوان الطيف السياسي ربما أكبر من التناقض بينها و بين الحكومة . و هذا الصراعات البينية المفتعلة تشتت قوي الجميع  في معارك وهمية مدروسة جيدا لتنفيس الطاقة و استنزاف الحماس في موضوعات تصب في الفراغ .

 

إن هذا الانقسام الذي نراه الآن و التفتيت المتنامي  نتيجة لغياب المشروع الذي يلتف حوله الجميع و هو مقاومة الاحتلال الأمريكي .

إن الجهاد ضد العدوان هو الذي يجمعنا و الهروب منه يفرقنا و يمزقنا. و الفرار من ساحة المواجهة نهايته الخذلان .

و منذ ابتعدت الأحزاب و القوي السياسية عن تحمل الأمانة و الانخراط في الصف المناهض لأمريكا ، منذ ذلك اليوم و البوصلة تسير في الاتجاه الخاطئ . و كأن الله يعاقب الجميع علي التخلي عن الواجب . و الإدانة هنا لا تقتصر علي حكومة مبارك الفاسدة و المنهارة و لا من يتطلعون للوراثة و إنما الإدانة شاملة لكل من تخلي عن نصرة المقاومة و لا يعلو صوته ضد أمريكا .

 الإدانة تشمل كل من ينتقد أمريكا علي استحياء مفضوح لذر الرماد في العيون . الإدانة لمن يسعون لإرضاء أمريكا علي حساب الوطن و ربما علي حساب الدين طمعا في مغنم و خشية من فوات فرصة .

 و الإدانة الأشد للذين يسيرون في فلك أمريكا  علانية و يستقوون بها و ينحازون لأمريكا و مشروعها .

 

لكن في النهاية لن يصح إلا الصحيح . و سيصحو الشعب المصري ليكنس كل من خانوا الأمانة و  تخلوا  عن المواجهة  سواء في الحكم أو في المعارضة .

لكن الانتفاضة  هذه المرة لن تكون بمن يسيرون في الفلك الأمريكي أو الذين يميلون إليه حتي ولو بقلوبهم ، أو الذين يلتمسون منه الرضا و القبول  . الانتفاضة ستكون بمن  يكفرون بأمريكا و يؤمنون بالله .

و من هنا فان المستقبل القريب سيقدم فرزا جديدا غير كل هذا الغثاء الذي نراه الآن . فإما مع أمريكا و إما ضدها . و ستتجاوز الأيام ما نراه الآن من تقسيمات بددت قوانا في مهاترات و منافسات غير مجدية .

فأمريكا هي طاغوت العصر الجديد ، و هي كالمسيخ الدجال ، جنته نار و ناره جنة . و لم يعد يجهل هذا إلا سقيم العقل أو من ختم علي قلبه . و الإيمان بالله لا يكتمل إلا بالكفر بهذا الإله الذي يعبده الدنيويون . فكلمة لا اله إلا الله تعني الكفر بكل إله غير الله قبل ان نؤمن بالمولي جل و علا . و لا يظن الناس أن الشرك بالله انتهي بتحطيم الاصنام في مكة . فالقرآن مليء بالآيات التي تحذرنا من الشرك إلي يوم القيامة . و أعظم الشرك اليوم عبادة أمريكا و السعي لرضاها و الخوف من غضبها ، بل هناك من يتمادي في غية و يطالب الإسلاميين بالاتفاق مع أمريكا للوصول الي  السلطة ، أي الاستعانة بأمريكا لإقامة دولة الإسلام!! و هذا و الله عين الخسران .

( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً{103} الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ) {104} الكهف

 

  لكن ليس معني ذلك أن الإصلاح الحقيقي لن يأتي . فاليأس ليس من شيم المؤمنين . فقد علمنا الله تعالي و رسوله أن الإسلام رسالة الله الخالدة و انه سيحكم العالم و أنه تعالي تعهد بذلك . لكن دولة الإسلام لن تقوم بدون رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه . و هذا الدين يحتاج إلي رجال يحبون الآخرة و يعشقون الموت . يضحون للإسلام ، و لا يخافون في الله لومة لائم  و يثقون في وعد الله . و الوعد بالتمكين له شروط و توقيته بعلم الله و ليس برغبة البشر .

يقول تعالي :{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }النور55

 

والانكسار الذي تعيشه الأمة الآن سببه غياب مصر التي حمت الأمة عبر التاريخ. فمصر  اليوم مريضة ، و المرض هنا يشمل الجميع .

 فان لم ننصر الله فلن يأتي النصر و أولي خطوات نصر الله أن نعتصم بحبل الله جميعا ضد العدو الغازي ، الذي يحتل بلادنا و ضد أذياله

يجب ان يكون أساس الحشد و محور التجبيه  للإصلاح الحقيقي هو مواجهة العدوان الصليبي علي الأمة و المتعاونين معه .

علينا مواجهة وكلاء و أعوان العدو .. و أيضا مواجهة العدو الأصلي بكل قوة.

علينا أن نلفظ السماسرة الذين يريدون جرنا إلي الفلك الأمريكي و كشفهم .

ليس أمامنا إلا تشكيل جبهة جديدة علي أسس جديدة شعارها " ضد مبارك و أمريكا " و ليس ضد مبارك وحده .

و يوم يتحقق ذلك  سيتبين الحق من الباطل ، و المخلص من الزائف ، و سيسقط المدعون و كل من يركن إلي الذين ظلموا و لو بشيء قليل .

 

{وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ }هود113