قبح الديمقراطية و"حماس"

فوهة المسدس كعنوان أمريكي

 

 

 

بقلم :ناصر السهلي

 

قد يسأل سائل عربي : ما معنى الديمقراطية وحرية الاختيار طالما أن أمريكا تحتكر تعريفها وشخوصها؟

قد لا يبدو الجواب على مثل هذا السؤال ، والعشرات مثله، من الصعوبة بحيث لا نفهم ما تقصده أمريكا فيما يتعلق بقراءتها للديمقراطية العربية ، أو تلك التي يراد للعربي ممارستها...

 

فأمريكا تعلن جهارا نهارا بأنها تريد للعالم العربي أن يتحول إلى مجتمع ديمقراطي يكفل حرية الرأي والاختيار من جهة وحرية حكم ممثلي الشعب الذين ينتخبهم عبر صناديق الاقتراع... لكن ومن جهة ثانية تبدو أمريكا كمن يحتكر تعريفا واحدا لمثل ذلك التحول ويمكنك أن تُطلق عليه ما تشاء طالما هو يدخل ضمن نطاق التعريف الأمريكي لهذه التحولات، بما فيها "الديمقراطية"...

ولكي نفهم المقصد من التعريف الاحتكاري للديمقراطية التي تريدها أمريكا للعالم العربي فما علينا بعد جملة من المقدمات الكثيرة والكبيرة إلا أن نتخيل رجلا يحمل مسدسا يضعه على رأسك ويطالبك أن تقول رأيك بكل صراحة...

وما دعانا للتعليق على "معنى الديمقراطية الامريكية" المقدمة على فوهة المسدس هو الطريقة القبيحة للاستخفاف بخيارات الناخب هنا وهناك، ومن بين المناطق التي توجه فيها فوهة المسدس الامريكي هي تلك التي تظهر فيها تيارات سياسية ليست بالضرورة بحاجة للتعريف بمواقفها من السياسة الامريكية في المنطقة العربية.

 

فبعيد نجاح حركة "حماس" في الانتخابات البلدية ، وتحديدا في نابلس، إنشغل المشرع الامريكي في ذات اللحظة التي أُعلنت فيها النتيجة بإطلاق تهديداته للسلطة الفلسطينية إن سمحت لحماس وغيرها من الاحزاب والمنظمات "المتطرفة" المشاركة في إنتخابات المجلس التشريعي في يناير 2006...

مثل تلك المواقف الامريكية تستحق التوقف عندها قليلا لأنها تعبر عن قصر نظر فيما يبدو، ولكنها ليست كذلك إطلاقا...بل هي مواقف مترسخة، ربما وجدت نفسها في ورطة كبيرة باسم الديمقراطية، إذ تظهر صناديق الاقتراع بأن الشعب الفلسطيني لم ينحاز في النتيجة إلى المشروع الامريكي في قراءتها لحرية الاختيار تحت التهديد والوعيد... وقد يسأل أحدنا سؤالا عما يجعل مجلس النواب الامريكي ينشغل إلى هذا الحد بنتيجة إنتخابات بلدية في مناطق ما تزال مطوقة بالدبابت والحواجز والطائرات الاسرائيلية المحتلة؟

 

الواقع من قراءة السياسة الامريكية العامة وإنشغالها في المنطقة يُعطي الانطباع بأنها سياسة لا تقوم إلا على حماية المشروع الاسرائيلي الذي فشل فشلا ذريعا في إيقاع المجتمع الفلسطيني في قعر التناحر الداخلي، وعليه فإن مثل ذلك الموقف والتهديد الصادر عن مجلس النواب الامريكي يريد من رئيس السلطة الفلسطينية "أبو مازن" أن يتراجع عن قسمه بأن تجري الانتخابات في موعده المحدد ولتظهر السلطة كمن يستجيب لارادة المشروع الامريكي في قراءة المستقبل...

 

في الاتجاه ذاته يمكننا أن نطرح بعض الملاحظات السريعة :

ربما يمكننا أن نتأكد في الأيام القادمة بأن هناك الكثير من الأقلام العربية وشبه العربية التي ستضخم من أمر نجاح حماس في الانتخابات البلدية ويقدمها لنا على أنها "إرتداد نحو الطالبانية" (وهم يعشقون تعبير طالبان لتسمية كل ما لا يتفق والقراءة الامريكية)... لكننا، ونحن لا ننتمي لحماس بأي حال من الاحوال، نفهم بأن المجتمع الفلسطيني الذي يضم بين صفوفه الكثير من القوى السياسية ذات الاتجاهات الفكرية المختلفة ، إختار أن يقرأ مشروع حماس الخدمي في البلديات ، وتحديدا في تلك التي نجحت فيها حماس، بطريقة تثبت حاجة البقية إلى مراجعة ذاتية للمشروع والخطاب وطريقة التعامل مع إحتياجات الناخب... هذه واحدة من الدروس الكثيرة والكبيرة التي تحتاجها القوى الفلسطينية بدل الدخول في صراعات رمي التهمة على الناخب أو على حماس وإيديولوجيتها المستساغة من الشارع الفلسطيني..

 

ثم وبالنسبة للقراءة الامريكية لمعاني الديمقراطية التي تتبجح بها أمريكا عبر المتحدثين باسمها، فهي ترتكب الخطأ تلو الآخر، فالبضاعة لا يمكن أن تنتج غير تلك النتيجة طالما أن القراءة الغير متبصرة لعلاقة الاحتلال وأدواته التي لا يمكن أن تكون غير ماهي عليه وإلا فلن يصمد الاحتلال ، تحتاج في الحالة الفلسطينية تحديدا لأن يوجه المسدس التهديدي نحو هذا الاحتلال لتقول له وبكلمة واحدة : كفى..

لكننا لسنا بتلك السذاجة، فنحن نعرف بأن الادارة الامريكية، وتحديدا الحالية منها المؤدلجة تماما، لن تقرأ الانسان العربي غير قرائتها المعروفة بأنه "كائن غير راشد" يحتاج إلى من يأخذ بيده ويعيد صياغة عقله ليكون أكثر إقترابا من "الرشد" حسب فهم أمريكا للعقل السوي ...

 

قد لا تعرف أمريكا، التي يحكمها إما الحزب الجمهوري او الديمقراطي، بأنه في العالم الغربي، وتحديدا في اوربة هنالك من الاحزاب والحركات في الحياة السياسية والاجتماعية من تحمل من البرامج المتطرفة والغير متسامحة أبدا مع الغير، وما يدعوا للسخرية أن تلك "الاحزاب" تحمل طيفا من الأسماء الدالة على عنصرية ونازية باسم الوطنية ولا تمنعها كل التشريعات الدستورية والقانونية من أن تحتل في برلمانات أوربة العديد من المقاعد التي تؤهلها المشاركة في الحكم وإصدار تشريعات أقلها تشددا تلك الداعية لإلقاء الصوماليين من الطائرات وبدون مظلات ... وبعضها الاخر وبحجة محاربة التطرف، وهي الغارقة بالتطرف، تطالب بمنع تداول القرآن الكريم في دولها ( كالدانمارك) ... أضف إلى أن إهانة الرسول الكريم عبر صور كاريكاتورية يتغاضى عنها البرلماني والسياسي  المطلوب منه على أقل تقدير إدانة عدم التسامح وتقديم إعتذار للمسلمين المستهدفين بحملات تشويهية غير مسبوقة إلا في عهد الظلام التفتيشي والنازي القريب...

تلك الاحزاب والجماعات التي تعيش في ظل ديمقراطيات "عريقة" لا تجد حرجا في ذهاب المواطن لصندوق الاقتراع ليعطيها صوته كيما تصيبها السمنة وتزداد تطرفا وشوفينية تصل حد تصفية الاجانب جسديا ومعنويا، ولا نشك بأن أمريكا التي تضم في جنباتها ميليشيات مسلحة (مثل ميتشغان) لا تمارس إلا قبحا حين تطالب الاخرين بحل الميليشيات... وكلامنا هذا لا يعني تأييدنا لانفلات أمني يمكن أن يصيب الفلسطينيين أو اللبنانيين، لكن من السخرية بمكان أن تعي الادارة الامريكية كل تلك الملاحظلت وبالرغم من ذلك تخترع للعرب ديمقراطية خاصة بهم وعلى هواها...

 

من المفيد التذكير بأن التبشير بالديمقراطية التي أخذته على عاتقها الولايات المتحدة، تجاه العرب تحديدا، أراد للعراق أن يكون أنموذجا تهتدي به الدول العربية، ولاحاجة لنا الان التذكير بكل تلك الفوضى المنتجة في العراق، فالاهم أن النموذج العراقي بات اليوم شوكة في خاصرة الحملات التبشيرية تلك... فإنتاج "ديمقراطية" قائمة على الطائفية والمذهبية أظهرت للامريكي بأن التحكم بصندوق الانتخاب ، إن أبعدنا التزوير، لن يكون لامريكا إمكانية التحكم به إلا عبر فوهة المسدس وفرض مشاريع حرب داخلية طاحنة تزيد من مأزق المشروع في إختلاط الحابل بالنابل...

 

على كل الأحوال طالما أن تعليقنا تعلق بما أطلقته أمريكا من تهديد علني إذا جلبت الديمقراطية من لا ترغب أمريكا الاعتراف به فلا شك بأننا سنشهد شراهة أمريكية مفتوحة على كل الاتجاهات لتعميق التأزم الداخلي العربي، ومنه الفلسطيني، إلا إذا كان الوعي سيد الموقف لدى القوى والشعوب المدركة بأن خياراتها الذاتية لاحداث الحراك السياسي والاجتماعي الداخلي هي الرد على قبح الديمقراطية التي تبشر بها أمريكا دولنا وشعوبنا... وما نقصده من الحراك الذاتي هو أن ندرك بأن الحرية ليست هبة يمنحها الامريكي لسواد عيوننا، فالحرية الحقيقية هي من النوع الذي تنتجه عملية واسعة وشاملة من الوعي والادراك بدل الانتظار بأن يكون "المحرر" أمريكي أو غيره...في عملية تبادل الادوار التي تنتجها دورة التاريخ...

وحين سألنا في مادة سابقة عن المصدر الذي يجعل بلدا مثل فنزويلا قادرا على مجابهة المشروع الامريكي العولمي ، فإن شخصا مثل هوغو تشافيز ليس بالضرورة أن يكون رئيسا أبديا لبلده، فطالما جرى تأسيس فكرا رافضا لهيمنة الاخر عليه وطالما أن الشعب عرف بأن حين تقول الاغلبية رأيا يختلف عن رأي الأقلية فالمشكلة تكمن في عدم قدرة الاقلية على تسويق مشروعها، في ظل ديمقراطية وحرية إختيار حقيقية وليس على طريقة إستلاب العقول من خلال إمبراطوريات خادعة بوعود أكثر خداعا...

 

وستظل الادارة الامريكية تشعر بإحباط شديد موجهة فوهة مسدسها لإختيار الناخب من تريده باسم "الديمقراطية والحرية"!