ماذا وراء تعيين "ريتشاردونى" سفيرا ؟؟

توقع سقوط أم تمهيد لإسقاط ؟؟

 

 

 

بقلم : هشام الناصر

Alnasser_Hesham@yahoo.com

المتابع لوسائل الإعلام بوسائطها المختلفة (مقروء ومسموع ومرئي) يلاحظ عبارات وتعبيرات أصبحت متكررة وشبه روتينية مثل (الحراك السياسي المتصاعد، والمخاض الإصلاحي، والتهاب منطقتنا العربية والإسلامية، والقلاقل والمخاوف والهموم  .. الخ) وهي جميعها تشير إلي معالجات آنية حالية (In Process) مجهولة النتائج غير محددة العواقب، الأمر الذي يثير في النفس الهموم (الخوف من المستقبل المجهول).

والمنطقة بأكملها ملتهبة... نعم (!)، لكن الأغلبية تجمع علي أن زائدتها الدودية الأشد التهابا تقع في "مصر" منتظرة العلاج الدوائي بعدما فشل العمل الوقائي، أو (وهو الأكثر احتمالا) العلاج بالبتر الجراحي.

في وسط هذا الجو الغائم وحالة القلق تكون الحساسية أشد لأي تحركات أو متغيرات في المنطقة أو حتي في الجوار (!)، تماما كحالة جنود الحراسة وقت الحروب في ليال غاب فيها القمر ومفروض عليهم قيود الإضاءة، ينتابهم الخوف والرهبة مهما كانت الشجاعة والإقدام، فالخوف من المجهول وعدم معرفة إن كان القادم قطا ضالا أو كلبا أجربا أو عدوا مسلحا مدججا قادما بالموت والدمار هو شعور مخيف لا يمكن وصفه ولكنه يسترجع ويستحضر لمن خاض التجربة وعاش المعاناة.

ولقد لفت "هيكل" النظر إلي وجود العلاقة الترابطية بين "سمات الأشخاص وطبيعة المهام" في منظومة الإدارة الأمريكية، حينما تحدث عما يسمي بالاندفاع الأمريكي إلي المنطقة العربية في أعقاب الحرب العالمية الثانية وعلاقة ذلك بتعيين رئيس جديد لوكالة المخابرات الأمريكية (آلان دالاس)، وفيها قال (والكلام من نص حديثه العامي علي فضائية الجزيرة يوم الخميس 15 ديسمبر 2005):

<< برضه حاجة حصلت قد لا تلفت نظر حد، وهي شخصية رئيس المخابرات المركزية اللي جه وهو 'آلان دالاس' وهو كان محامي شركات في شارع المال والأعمال في نيويورك، وبعدين راح رئيس قسم البترول في وزارة الخارجية الأمريكية، وفي هذه الفترة علي طول، إذا به سنة 1951 هذا الخبير في صناعة البترول ينتقل بقدرة قادر رئيس قسم الشرق الأوسط في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، ثم رئيسا للوكالة كلها. بمعني أن ما يلفت النظر أن ساعة ما ده حصل كان ممكن لأي مراقب، لأي متابع أن يستنتج أن قوة الاندفاع الرئيسية القادمة في المنطقة هي إلي حيث اختصاص مدير وكالة المخابرات المركزية، ولما يبقي مدير الوكالة أصله عسكري أو متخصص في أوربا يبقي باستمرار شخصية من يعين في مكان، واختصاصه بشأن من الشئون يحدد نوعية الاهتمام، ساعة ما بقي آلان دالاس رئيسا لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية أصبحت الحكومة البريطانية وكل أجهزتها علي دراية وعلي ثقة بأن هناك اندفاع إلي الشرق الأوسط>>.

والمقصود أن هناك علاقة إرتباطية بين (المقدمات) المستقاة من سمات الأشخاص المكلفين بمهام ذات علاقة وبين (النتائج) المتوقعة لتلك المهام، أي نوعا من محاولة عقلانية (لاستقراء المستقبل) اعتمادا علي ما يتوافر حاليا (حاضرا) وما يتم أستخلاصة من قواعد من تجارب سابقة. وهو الشكل البنائي (الخالد والمجزوم به) الذي يحديد العلاقة بين الأزمنة الثلاث (الماضي والحاضر والمستقبل) في شئون الحياة وعلي رأسها إدارة الصراعات.

ورغم أن هيكل لم يأت بجديد لتكرار ذلك في تجارب تاريخية سابقة (شخصية الضابط البريطاني "لورانس" في الثورة العربية كمثال)، إلا أنه يشكر ويثاب لإنعاشه الذاكرة ولفت الانتباه وإلقاء دائرة الضوء علي النموذج الأمريكي في الحالة العربية الراهنة.

وعلي المستوي الشخصي، أصاب "هيكل" جزء من الذاكرة في الشبكة العصبية المتهالكة فأوقدها وأيقظها وأعادني إلي تجربة مر عليها نيف وربع القرن. وتتلخص في قراءة لأحد الكتب العلمية الخاصة بتطبيقات الرياضيات في اعمال تقييم "البدائل" في مجال "عملية صناعة القرار" واستحداث أسلوب جديد يسمي "بالمقارنة الثنائية بين البدائل" - (وعموما هذا خارج موضوع المقال) – وبقراءة المقدمة الاستهلالية للكتاب (Preface) وجدت أن مؤلفة وهو أستاذ الرياضيات المشهور "توماس ساتي – الأب" (T. Satty) قد أستنبط هذا الأسلوب (التكنيك) أثناء تواجده في مصر لدراسة "حالة اللاسلم واللاحرب" (قبل حرب أكتوبر) وتأثيرها علي كافة الأنشطة (السياسية والاجتماعية والاقتصادية .. الخ).

وإذا ما ربطنا بين السمات المميزة للفرد (البروفسير توماس ساتي) وبين مهامه (كأعمال تحضيرية لقياس عوامل معينة) وبين "آلية صنع القرار وإدارة الصراعات" العلمية المستخدمة في الغرب بالعموم وأمريكا بالخصوص وبين ما حدث في حرب أكتوبر وكيفية إداراتها من قبل الإدارة الأمريكية وبين النتائج السياسية النهائية وما انتهت إليه خريطة المنطقة - لوصلنا إلي حقيقة أن الأمريكان "لا يعبثون" - بفتح الباء أو سكونها، فالعَبَثُ (بفتح الباء) معناه اللهو واللعب أي الهزر واللامبالاة وعدم الجد، أما العَبْثٌ (بسكون الباء) فهو الخلط والخبط.

ولم يقتصر ملاحظة هيكل علي إنعاش الذاكرة بل وجدتني أبحث عن ماهية الشخص الذي يمكن أن يكون مناظرا للسيد (آلان دالاس) في مصر - مع الوضع في الاعتبار مستوي المسئولية الوظيفية – فالسيد "دالاس" كان مسئولا عن العالم أجمع بالعموم والمنطقة العربية (محط الإهتمام) بالخصوص، فلم أجد أمامي إلا السيد "فرنسيس ريتشاردونى" سفير الولايات المتحدة الأمريكية في مصر الذي تم اعتماد تعينه مؤخرا (نوفمبر 2005) قبيل الانتخابات البرلمانية بأيام قليلة (!!!).

**********************************

السيرة الذاتية للسيد "فرنسيس ريتشاردونى"

أولا: الولادة والدراسة حتي عام 1973:   ولد السيد ريتشاردونى فى "بوستون" وأكمل دراسته الثانوية فى مدرسة مولدن "الكاثوليكية"، وقد تخرج من جامعة "دارتموث" بدرجة امتياز فى عام 1973 ثم حصل على منحة دراسة فى ايطاليا من هيئة فولبرايت مقابل قيامه بالتدريس (وهو أسلوب متبع في بعض أنواع المنح الدراسية Scholarship).

ثانيا: العمل في إيران ومنطقة جنوب غرب آسيا (1976 – 1978): فى عام 1976 عمل السيد ريتشاردونى بالتدريس فى "إيران" وقام فى تلك الفترة بالسفر على نطاق واسع فى جنوب غرب آسيا وفى أوروبا وفى "الشرق الأوسط" إلى أن التحق بالسلك الدبلوماسي (وزارة الخارجية الأمريكية) فى عام 1978.

و فى واشنطون عمل السيد "ريتشاردونى" فى مكتب الاستخبارات والبحوث وفى مكتب شئون الشرق الأدنى، كما تولى عدة مناصب إدارية عليا تحت إدارة المدير العام لوزارة الخارجية والموارد البشرية. نال ريتشاردونى العديد من الجوائز عن عمله فى إدارة السياسات والبرامج وعن التقارير السياسية.

ثالثا: العمل والنشاط في مصر (1986 – 1991): تم تعيين السيد "ريتشاردونى"مسئولا سياسيا (Political Officer) بالسفارة الامريكية بالقاهرة فى الفترة من 986 1 إلى 1989.

كما تم تعيينه رئيسا للوحدة المدنية للقوات متعددة الجنسيات والمراقبة الدولية فى صحراء سيناء فى الفترة من 1989 الى 1991.

ويلاحظ أن زوجته، السيدة "مارى تشاردونى" تعمل كباحثة بيولوجية وقد قامت بإجراء أبحاث فى البلهارسيا فى وحدة البحوث الطبية التابعة للبحرية الامريكية فى القاهرة فى الفترة من 1986 الى 1993، كما قامت ابنتاه بالدراسة فى الجامعة الامريكية بالقاهرة.

رابعا: العمل في تركيا والأردن (1995 – 1999): ومن بين المهام الدبلوماسية الأخرى التي قام بها السيد ريتشاردونى كانت جولتين فى تركيا، عمل في الأخيرة كنائب رئيس البعثة الدبلوماسية والقائم بالاعمال فى الفترة من 1995 الى 1999 وأيضا عمل فى كل من عمان (الأردن) و لندن.

خامسا: العمل في الخارجية الأمريكية ورجل مهام خاصة تحضيرية للعراق (1999 – 2001): عمل السيد "ريتشاردونى" من عام 1999 الى عام 2001 كمنسق خاص لوزير الخارجية الامريكية من اجل انتقال العراق لمساعدة العراقيين على اعادة بناء مؤسسات المجتمع المدني وبناء الديمقراطية فى البلاد انتظاراً للسقوط النهائى للدكتاتورية.

ويلاحظ أن كافة الأعمال التي كانت تجري في تلك الفترة كانت أعمال مخابرتية في المقام الأول ومنها ما كان يجري بين مجموعات عراقية في أوربا وأمريكا (منهم جماعتي علاوي والجلبي) وبين أجهزة الإستخبارات الأمريكية، ومنها أيضا أعمال تحضيرية في الشمال العراقي (المنطقة الكردية) ومنه أيضا تحضيرات علي المنفذ الشمالي للعراق (تركيا).

سادسا: العمل كسفير في الفلبين واستمرارية العمل في الملف العراقي (فبراير 2002 – مايو 2005):  عمل السيد "ريتشاردونى" كسفير للولايات المتحدة فى الفلبين وجمهورية "باللو" (ويلاحظ أن الفلبين بلد هادئة بالقياس إلي الفوضى العالمية الحالية وإن كانت تتسم بوجود أقلية مسلمة ووجود سلطة متهمة بالفساد وهو الأمر الذي يشير إلي وجود "بعض" الشبه مع البيئة المصرية) فى الفترة من فبراير 2002 الى مايو 2005.

وقد أستمر السيد "ريتشاردونى" في أنشطته ومهامه الخاصة بالعراق مابين العام 2003 والعام 2003 (أي قبل سقوط بغداد) – فقد تولي السيد "ريتشاردونى" مهمة العمل مستشار سياسي للقادة العسكرييين الأمريكيين والأتراك فى العملية التي أطلق عليها "توفير الراحة" التي تمركزت فى تركيا وعملت فى العراق. وفى عام 2004 قاد السيد "ريتشاردونى" عملية تنظيم إنشاء السفارة الامريكية الجديدة فى بغداد استعدادا لعودة العلاقات الامريكية مع الحكومة العراقية الانتقالية التي استلمت مهام عملها فى يونيو من نفس العام.

سابعا:  السيد " ريتشاردونى" سفيرا في مصر (2005 - ....): في 29 يونيو 2005  تم تصديق مجلس الشيوخ الأمريكي علي ترشيح السيد "ريتشاردونى" ا سفيرا للولايات المتحدة بجمهورية مصر العربية، وقد تم قبول اعتماده في مصر في نوفمبر 2005، قبيل الانتخابات البرلمانية بمصر.

وقد شارك السيد "ريتشاردونى" بشخصه في أعمال الرقابة والمتابعة للانتخابات المصرية، وتذكر صحيفة العربي الناصري عن قيامة بالتخفى فى ملابس أولاد البلد (!!!)  فى صباح يوم الانتخابات التى جرت يوم الثلاثاء 15 نوفمبر والتجول فى حي الزمالك وزيارة بعض اللجان الانتخابية. كما ذكرت صحيفة "المصريون" المستقلة مؤخرا أن جهات أمنية قد رصدت تحركات للسيد "ريتشاردونى" في ثلاث أو أربع محافظات مصرية، حيث يقوم بمقابلات ولقاءات ومناقشات مع مسئولين محليين وشخصيات متعددة، وقد نقلت شكواها إلي الخارجية المصرية.

هذه هي المعلومات والشواهد التي استطعنا جمعها ورصدها، ومن المؤكد أن هناك أضعاف أضعافها التي تخرج عن نطلق إمكانياتنا المحدودة، والتي إن جُمعت لأعطت صورة تقريبية عن "النوايا الأمريكية" المستقبلية في مصر.

ويكون السؤال ماهي مهمة السيد "ريتشاردونى" في مصر ؟؟؟؟، هل هي أعمال تحضيرية لتنفيذ أجندة أمريكية بتغيير السلطة (بناء علي قرار سبق اتخاذه) – وخبرته في تجربة "العراق" تؤهله لذلك، أم هو تحسبا لسقوط تلوح بوادره وبشائره في الأفق ؟؟؟، أم أن الأمر مازال في مرحلة الدراسة من حيث الاستقصاء وتحديد البدائل وأعمال التقييم ؟؟؟؟، أم أن الأمر مجرد مناوشات وإزعاجات للسلطة المصرية لمزيد من الابتزاز ؟؟؟؟ - (وهو أمر نستبعده لعوامل كثيرة منها أن السلطة المصرية قد اضحت عارية تماما إلا من وريقة توت ضئيلة تحاول ستر عوراتها بعد أن تنازلت عن أعز ممتلكاتها).

من المؤكد أن الأمر أكثر تعقيدا مما يبدو، فالمشهد المصري ليس إلا جزءا في الصورة الكلية لمشروع الشرق الأوسط الكبير(وإن كان جزءا مؤثرا وهاما)، وما يحدث في إيران وأفغانستان وسوريا وفلسطين ولبنان والخليج ودارفور السودان ينعكس بالتبعية علي المشهد المصري، بل أن ما يحدث من قلاقل للإدارة الأمريكية الجمهورية ذاتها في بلادها له مردودة علي الوطن المصري.

ومن المؤكد أيضا أن السياسة الأمريكية هي سياسة "مباشرة" (!!!) ومقولبة (Template based) ولها مرجعية في مفاهيم أطروحات سابقة وأساليب وتقنيات ذات أساس علمي وتقني، قادر علي فضحها من يحدد ويميز أطراف خيطها (!!؟؟).

ومن المؤكد أيضا أن الموضوع ليس وساوس عبثية، فالأمريكان كما قلنا "لا يعبثون" – وحتى لو كانت "وساوس" فهي مشروعة بل وواجبة، لأن الشيء المهدد هو الوطن  .. هو مصر.

وللحديث بقية إن كان لنا في العمر بقية