إلى أين يقود الرئيس مصر
بقلم : أسامة رشدي
مرة أخرى تطفو على السطح قضية قد تكون لها انعكاسات طائفية كبيرة يبدو أن
النظام مصر على اشعالها في كل مرة. فالمعلومات
المتوافرة حتى الآن تشير إلى أن النظام في
مصر على وشك الإقدام على ارتكاب خطأ كبير وحماقة أخرى بتسليم الفتيات الثلاث
اللواتي أسلمن في كوم حمادة منذ أكثر من عامين وأنجبن من أزواجهن، إلى الكنيسة.
فبعد مناشدة أم قبطية اشتكت أن ابنتيها قد خطفن
في أحد برامج التليفزيون أصدر مبارك أوامره لوزير الداخلية بضبط الفتاتين، وقد
توصلت الشرطة الثلاثاء 20 ديسمبر لمكان الفتاتين بالإضافة لفتاة ثالثة كانت لها
نفس الوضعية وقاموا باحتجاز الجميع في مكان مجهول.
لقد تركت الفتيات الثلاث منازلهن منذ أكثر من
عامين وتزوجوا من ثلاثة شبان مسلمين، بل تبين أنه قد سبق للشرطة إعادة الفتاتين
محل الشكوى ثم عاودن مرة أخرى الرجوع لأزواجهن. وقد
أسلمن وأنجبن من أزواجهن ويعشن سعداء ولم يشتكين لا
الخطف ولا السرقة ولا الإكراه.
قصة قد تتكرر مئات المرات، وربما تحتاج لبعض
الجهود الاجتماعية لمصالحة الأم على بناتها والطلب منها أن تقبل بالأمر الواقع
الذي لا يحول بين استمرار العلاقة الإنسانية بين الأم وبناتها.
أما وظيفة الدولة هنا فتنتهي عند التأكد من أن
أحدا لم يختطف أو يحتجز أو يجبر على تغيير دينه رغما عن إرادته.
فإذا استبانت الأمور
واتضحت الحقائق فإن واجب الدولة هو حماية الحريات الفردية للمواطنين وحماية
اختياراتهم الدينية، والحفاظ على الحياة العائلية لهؤلاء الفتيات وأزواجهن
وأطفالهن.
ليست وظيفة الدولة هي تدمير الأسر وتنصير الفتيات
اللواتي أسلمن بالقوة، بل والمساعدة على احتجازهن في الأديرة التي لا تقع تحت
سيطرة الدولة. إن مثل هذه التصرفات غير متصورة الحدوث في
أي دولة قانون في العالم.
الرئيس مبارك بهذه
الطريقة يواصل انتهاج سياسة خاطئة ومدمرة لأبسط أسس التعايش في المجتمع المصري،
احتجاز الفتيات الآن وأطفالهن في مكان مجهول والتدخل الأمني بهذه الكيفية يذكرنا
بما حدث لأخريات تم تسليمهن للكنيسة بشكل غير قانوني ومثير لاشمئزاز الجميع كما
حدث في حالتي السيدتين وفاء قسطنطين والسيدة ماري عبد
الله وغيرهن، ممن تم إجبارهن على العودة للكنيسة والارتداد عن دينهن واحتجازهن في
الأديرة بعيدا عن سلطة للقانون.
إن ما يفعله الرئيس
مبارك ليس فقط مخالف لأبسط مبادئ القانون الذي يكفل حرية الاعتقاد، بل إنه يزلزل
كيان أسر ويشرد أطفال كما في حالة الفتيات الثلاثة موضوع الأزمة الجديدة، بالإضافة
إلى أنه يشكل قمة الاستفزاز للمشاعر الإسلامية للشعب المصري ويؤدي إلى موجات غضب
لا يعلم نتائجها إلا الله. خاصة أن الفتيات الثلاثة موضوع الأزمة الحالية سجلن
شريط فيديو وزع على نطاق واسع يبكين فيه ويناشدن
المسلمين مساعدتهن، ويقلن بكل وضوح أنهن أسلمن بمحض إرادتهن وأنهن سعداء في حياتهن.
ثم بعد ذلك نتساءل عن أسباب الفتن الطائفية.
من الواضح أن الرئيس
بات يتعمد إثارة مثل هذه الفتن التي بات نظامه لا يستطيع الاستمرار بدونها،
للتغطية على فضائح النظام الداخلية، وتسويق هذه المشاكل خارجيا، حتى لو أدى الأمر
لقتل الناس كما حدث في أحداث الإسكندرية الأخيرة.
وهو ما نتمنى أن يتفهمه أيضا الأخوة الأقباط
الذين ربما لا ينتبهون في غمرة الأحداث لمثل هذا المسلك الغير مسئول من هذا النظام.
ينبغي على الرئيس أن
يقوم بواجبه في حماية المواطنين بدلا من بيعهم في سوق النخاسة في مقابل مصالح
موهومة، إن واجب الدولة هو تطبيق القانون بالتحقق من كون أي فرد لا يكره على تغيير
عقيدته بالقوة، أما أن تسخر الدولة أجهزتها الأمنية لمطاردة الفتيات اللواتي يقلن
في الشريط الموزع أنهن كن ينتقلن من بلد إلى بلد وكأنهن مجرمات مطاردات.
أما تصدر الأوامر
والتعليمات بمنع إشهار إسلام أي مسيحي يريد أن يسلم، وتتم إعادة من يسلم منهم إلى
الكنيسة مرة أخرى فهذا تصرف أخرق، يذكر المسلمين بشروط الحديبية !!.
مبارك يدرك تماما أن تعميق الوحدة الوطنية وحل
المشاكل الطائفية لن يكون إلا من خلال الحلول الديمقراطية ومنح حقوق المواطنة
الكاملة لجميع المصريين مسلمين ومسيحيين، وليس بهذه الطرق الأمنية التي تزكي الفتن
وتدوس على القانون وتظهر الاحتقار لمشاعر المواطنين.