النصر الكبير

 

 

بقلم :ربيحة علان علان

             مخيم الجلزون- رام الله

 

أصبح من المألوف لدينا كمعلمين ومعلمات وصول كتب رسمية تكلفنا فيها وزارة التربية والتعليم بالعمل في مراكز الاقتراع. فهذه المراكز تفتح في المدارس وتتكون الغالبية العظمى من لجانها من المعلمين والمعلمات العاملين في المدارس الحكومية. والانتخابات في فلسطين المحتلة كما الأرض مقسمة زمنيا ومكانيا، وتعتبر ساعات العمل في يوم الانتخابات طويلة ومرهقة ويرى المعلمون والمعلمات أن ما يصرف لهم من مكافئة مادية نتيجة للعمل في ذلك اليوم لا يعد كافيّا أو مغريّا. ويظهر أن الإحباط الذي أصاب العديد من العاملين في لجان الاقتراع خلال الانتخابات السابقة بسبب حالات التزوير والتجاوزات القانونيّة قد لعب دورا رئيسا في تفضيلهم عدم المشاركة إضافة إلى قناعات المعلمين المختلفة تجاه دور هذه الانتخابات وأبعادها. لكن الأوامر الرسميّة الوزارية القاضيّة بمنع أي معلم ومعلمة مكلف بالعمل في الانتخابات من الاعتذار قد لعبت دورا في تجميع العدد المطلوب من أعضاء لجان الاقتراع. وفي الدورات التي تعقدها لجنة الانتخابات قبيل يوم الاقتراع ركز أعضاء اللجان على ضرورة الالتزام بالقانون الانتخابي ومنع أي تجاوز، ومن جانبها أكدت لجنة الانتخابات عبر مندوبيها على منع أي تجاوز ورغبة واضحة بانتخابات نزيهة ودقيقة. وعندما حضرت احدى تلك الدورات باعتباري عضو لجنة اقتراع وجدت أن جميع أعضاء المركز باختلاف انتماءاتهم الحزبية اجتهدوا في تقديم كل الملاحظات وحتى الصغيرة مما وجدوا في الانتخابات السابقة مطالبين بإجابة صريحة ودقيقة منعا لتكرارها.  وبنفس هذه الجدية ومن الجميع بدأنا العمل صباح يوم الخميس 15-12-2005 في مراكز الاقتراع للمرحلة الرابعة من الانتخابات البلديّة. كل الترتيبات بدأت بدقة ونظام. وهنا يكون اختيار قطاع المعلمين والمعلمات ناجحا باعتبارهم القطاع الأكثر دقة والتزام مهنيا وأخلاقيا كما أثبتت السنوات الصعبة الطويلة التي عاشتها فلسطين. إضافة لكون المعلمين والمعلمات يمثلون بحق مختلف شرائح المجتمع الفلسطيني الأمر الذي يطفي توازنا ورقابة ذاتية في كل مركز بل ومحطة اقتراع.

الساعات الطويلة التي قضيناها هذا اليوم كعاملين في محطات الاقتراع أظهرت وبوضوح أن قطاعا أوسع من مجتمعنا كان يرجوا انتخابات نزيهة وحرة بكل المقاييس. فقد كان مندوبوا الكتل المرشحة والمراقبين المحلين ورجال الشرطة ومناصري الكتل -في خارج المركز- والمواطنين الذي دخلوا المركز للانتخاب؛ كانوا جميعا ودون استثناء على مستوى مشرف وراق من المسؤولية والانضباط الذي يجعلني أؤكد أن هذه المرحلة من الانتخابات كانت الأكثر نجاحا والأكثر دقة ومصداقية ليس على مستوى مناطقنا الفلسطينية بل وعلى مستوى العالم. وزميلي كان محقا في زهوه وفخره بسير العمل في محطتنا عندما علق بعد زيارة وفد من المراقبين الدوليين الفرنسيين بالقول:" قد لا يكون في فرنسا انتخابات أكثر دقة ونزاهة مما نجري الآن".

صحيح أن حركة حماس حققت فوزا كبيرا في هذه الانتخابات لدرجة خشيت فيها على نفسي من أثر الذهول الذي أصابني وزملائي حتى المؤيدين منا للحركة ونحن ندون عدد الأصوات خلال عمليّة الفرز، لكن "النصر الكبير" كان للشعب كافة وحتى نكون دقيقين للمجتمع المحلي الذي صنع واختار هذه الطريق السليمة. ففي مركز الاقتراع الذي عملت في إحدى محطاته- في مدرسة ذكور البيرة- لم أسجل ملاحظة واحدة ولو صغيرة أساء فيها طرف لآخر لا خلال ساعات الاقتراع ولا عقب فوز حماس. وعلى البوابة الرئيسية للمركز كان المناصرين من كل جهة يتفهم بعضهم البعض بل وأفسحت الشرطة والجهات الأخرى لحماس فرصة الاحتفال في شوارع رام الله والبيرة. ويمكنني القول وبكل ثقة أن هذا القبول لم يكن مصطنعا بل تلقائيا ومبني على فهم ووعي ورغبة في "الإصلاح والتغير" ليس فقط كشعار رفعته حركة حماس في هذه الانتخابات بل كرغبة حقيقية لدى المجتمع. يمكننا أن نرى هذه الرغبة ليس فقط في التصرف خارج مراكز الاقتراع بل وفي داخل الصناديق نفسها، فبعد عملية الفرز في محطتنا تبين أن كافة الأوراق سليمة ولم نجد ورقة واحدة باطلة بالرغم من أننا لاحظنا اختلاف مستويات التعليم بين الناخبين. وهو ما يدل على أن من جاء للانتخاب في هذا اليوم الذي تميز بالبرودة التي تصاعدت لتنقلب إلى ضباب ورياح مؤذن بأمطار في نهاية اليوم؛ أن من جاء كان واعيا وراغبا لا مجاملا أو مرتشيا كما كنا نعلم عن الكثيرين في الانتخابات السابقة. وأن من لم يأت قرر ذلك كرسالة واضحة للكتل المرشحة، ومما يؤكد جدية المواطنين ووعيهم أن لا أحد دخل محطتنا من الناخبين في الساعة التي تم فيها تمديد موعد إغلاق الصناديق. كما كان للمرأة مشاركة مميزة تعكس نجاح الكتلة الفائزة في دعم المرأة.

وبينما عدنا في تلك الليلة إلى بيوتنا ونحن نعيش روعة "النصر الكبير" الذي تحقق مع تحقق "حلم كبير" طالما نشدناه ألا وهو انتخابات نزيهة وقدرتنا على استيعاب الآخر باقتناع لا زيف ومجاملة؛ أخذت تصدمنا وصدمتني شخصيا تلك التصريحات التي جاءت من أفراد عاقبها الشعب عبر صناديق الاقتراع؛ تصريحات تُقزم "انتصار الحقيقة" وتحشرها في حيز خلل حادث في رؤوس مختلة وكأن شيئا من الفساد لم يصل إلى عيون الفلسطينيين ولا أجسادهم. وإذا كانت نزاهة الانتخابات ودقتها قد "نصرت حماس" فذلك مدعاة للجميع لمراجعة حساباته. وهو مسؤوليّة كبيرة تلقيها الجماهير إلى حماس منتظرة أداء يستحق ثقة بهذا الوزن مستقبلا. وإذا كانت ديموقراطية ونزاهة الانتخابات الفلسطينيّة لا ترضي "الدول الكبرى" "وغير الصديقة"فإن أمام تلك الدول حلين لا ثالث لهما: فإما أن تأخذ الصناديق التي اشترتها لنا "بمنحها" وتشتري ورقا يملؤها وتقوم بفرزها على يد "معلميها"، وإما أن تكف عن اللعب "بالديموقراطية" لأن النصل الذي توجهه إلينا ينقلب إليها الآن بالإرادة الشعبية.

والحق يقال أن نجاح هذه المرحلة من الانتخابات زادت "حماس" الكثير منا للعمل والمشاركة في الانتخابات القادمة وكلنا أمل وإصرار لتكرار "الانتخاب الحقيقي" بغض النظر عن النتائج؛ لكننا "بصدمة الآخرين" من الداخلين والخارجين محتارين خائفين من مساعيهم لتدمير "حلمنا الكبير".