انتخابات فتح وتحالف البرغوثي-دحلان!!

 

 

 

بقلم :ياسر الزعاترة

 

لم تكن نتائج الانتخابات الداخلية التي أجرتها حركة فتح خلال الأسابيع الأخيرة في الضفة الغربية وقطاع غزة مفاجئة لمن يتابعون الحراك الداخلي في أوساط الحركة منذ عودة قيادتها من الخارج في العام 1994 إثر اتفاق أوسلو ونشوء ما عرف بالسلطة الوطنية الفلسطينية على قطاع غزة ثم تمدد سلطاتها الأمنية والإدارية إلى مناطق في الضفة الغربية.

 

كانت المؤشرات العامة تقول إن قدراً لا بأس به من الغضب ما زال يتوافر في أوساط حركة فتح داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة من جراء احتكار القادمين من الخارج (كانوا يوصفون بجماعة تونس) لمختلف المفاصل الداخلية في السلطة والحركة في آن معاً.

 

ظل هذا الحال قائماً طوال النصف الثاني من التسعينيات كما أشرنا، وحين اندلعت انتفاضة الأقصى واندمج الشارع الفلسطيني فيها على نحو غير مسبوق، تصدر الشبان في الحركة مسيرة التضحية والمقاومة، وكانت لهم بطولات وإنجازات مشهودة، لاسيما عناصر كتائب شهداء الأقصى التي شكلت الذراع العسكرية للحركة، ومعها أذرع أخرى أبرزها لجان المقاومة الشعبية.

 

جاءت الانتخابات الداخلية لتمنح هذا الجيل وضعاً طليعياً، لاسيما الأسير مروان البرغوثي، ومعه آخرون من المناضلين المطاردين والمعتقلين في السجون، وهو ما بدا طبيعياً إلى حد كبير، ليس بسبب الانحياز الفطري لمن قدموا وضحوا فقط، بل أيضاً تبعاً لإدراك الشباب لأهمية أن تكون وجوه الحركة من المعروفين بعطائهم النضالي في ساحة شعبية تعشق الأبطال والمجاهدين وتقدمهم على السياسيين المهادنين، وفي مواجهة خصم سياسي يملك تراثاً رائعاً من الأبطال الشهداء والأسرى تمثله حركة حماس.

 

ثمة أسئلة وملاحظات كثيرة تستحق أن تطرح في سياق نتائج الانتخابات التمهيدية، ذلك أن سقوط العديد من رموز الحرس القديم لم يكن إلا في الحالات التي تتعلق برموز لا يملكون الثقل العشائري، كما لا يملكون الكثير من السلطة والثروة، لكن الآخرين ممن يملكون ذلك كله أو بعضه قد حققوا نتائج لا يستحقونها بحال من الأحوال، وهي تشير بدورها إلى حجم التدليس والتزوير الذي انطوت عليه الانتخابات.

 

نتذكر هنا أن حركة فتح تضم جحافل من المتفرغين في الأجهزة الأمنية وفي الوزارات والقطاعات التابعة للسلطة، ما يعني أن كثيراً من هؤلاء سيصوتون لمن يملك المال والنفوذ، وهو تماماً ما يفسر الفوز الكبير لأناس لهم سجلهم في ميدان الفساد والسياسات المرفوضة على شاكلة محمد دحلان وبعض أصحابه في غزة وكذلك جبريل الرجوب في الضفة الغربية. أما الأبعاد العشائرية فقد لعبت دورها أيضاً وحملت أناساً غير مقنعين بالنسبة للشارع الشعبي.

 

في تفسير ما جرى أيضاً يمكن القول إن الجيل الشاب قد رفع صوته مطالباً بحصة من الكعكة، لاسيما بعد أن تحولت غزة عملياً إلى ما يشبه دولة. فيما ستعود الضفة الغربية خلال المرحلة القادمة إلى ما كانت عليه قبل انتفاضة الأقصى، والنتيجة أن ما جرى في دوائر فتح إنما يعبر في شقه الآخر، إضافة إلى نوايا ترشيح مناضلين ذوي سمعة طيبة، عن مطلب الجيل الثاني والثالث من كوادر الداخل الشراكة في المغنم بعد الشراكة في المغرم.

 

ما ينبغي أن يقال بعد انقسام فتح إلى كتلتين هو أن من حق الجمهور الفلسطيني أن يتساءل عن القاسم المشترك بين مروان البرغوثي ومحمد دحلان وجبريل الرجوب. ألم يكن دحلان ضد المقاومة وحاول الانقلاب على الراحل عرفات بدعم إسرائيلي - أمريكي؟ وهل ثمة صفقة جمعت الطرفين عنوانها الإفراج عن البرغوثي مقابل دعمه لمسار التهدئة والتفاوض؟

 

أما السؤال الأهم فيتعلق بالبرنامج العملي الذي تقدمه فتح بكتلتيها لمواجهة برنامج شارون، أم أن ما يجري هو فقط من أجل مواجهة حماس انتخابياً ليس إلا؟ إنه سؤال بالغ الأهمية، فما يجري على الأرض يستحق المواجهة، وأقله طرح برنامج عملي على الناس، لكن واقع الحال هو أن أحداً في الحركة، لا من الحرس القديم ولا الجديد، قد فعل شيئاً كهذا، اللهم غير المراهنة على مسيرة التفاوض، بل حتى الانتفاضة السلمية التي طالما أوجع البعض بها رؤوس الشعب الفلسطيني لا تجد لها صدى على أرض الواقع.

 

ثمة ملاحظة مهمة تطرح نفسها هنا تتعلق بمسألة الثوابت في وعي الجيل الشاب في حركة فتح، إذ ثمة محظور كبير يطرحه بعض المراقبين على هذا الصعيد، يتعلق بالمصطلح المذكور، ذلك أن جيلاً بدأت الثوابت عنده بكامل فلسطين ثم تراجعت لتصبح 22% منها سيكون من الصعب عليه التراجع أكثر من ذلك بكثير، وهو جيل لا بد سيختلف عن آخر لا يعرف إلا أن مصطلح الثوابت هو الأراضي المحتلة عام 67، ما يعني إمكانية أن يقدم بعض التنازلات الإضافية من أجل تمرير التسوية، لاسيما أن كثيراً من عناصره لا يعرفون لهم مرجعية عربية كما هو حال الحرس القديم الذي يعرف حدود التنازل بالنسبة للمحيط العربي، بصرف النظر عن تحولات ضعفه وتراجعه مقابل تقدمه في بعض الأحيان.

 

خلاصة القول هي إن ما جرى لم يكن مريحاً بحال، ومن حق الفلسطينيين أن يضعوا أيديهم على قلوبهم خشية أن تتحول الصراعات الفلسطينية إلى صراعات داخلية ضمن إطار السلطة وحركة فتح، إضافة إلى صراع آخر مع حركة حماس بهدف تحجيمها سياسياً من جهة، ومن أجل الحيلولة دون تخريبها للمسار القائم والقادم، ويحدث ذلك فيما العدو يرتب للإجهاز على القضية برمتها من خلال مشروع الدولة المؤقتة على أقل من نصف الأراضي المحتلة عام 67.