أخطاء سياسية قاتلة يكررها بعض قادة مجلس
التعاون
بقلم :د. محمد صالح المسفر
وسط أجواء سياسية
مخيفة تحيط بدول مجلس التعاون الخليجي اجتمع قادة هذه الدول في مدينة أبوظبي يومي 18 و19 ديسمبر الجاري في دورتهم السنوية السادسة
والعشرين وكان أمامهم جدول أعمال كثير البنود. إقليميا
تحف بهذه المجموعة الخليجية دول يمتلك بعضها أسلحة دمار شامل والبعض الآخر يتطلع
لامتلاك هذا السلاح الرهيب في الوقت ذاته لم نسمع أو نر اتخاذ تدابير وقائية من
دول المجلس لمواجهة التطورات المستقبلية في هذا السياق.
عربيا، ابتعدت دول
المجلس كثيراً عن ربط أمنها بمجالها الحيوي وهو الوطن العربي وآثرت في هذا الشأن
ارتباطها الوثيق بدول هي في الأساس المهدد الحقيقي لأمن منطقة الخليج عسكرياً
واقتصادياً وثقافياً وأمنياً.
قد يقول قائل إن الدول العربية لا تملك القدرة
ولا القوة للدفاع عن أقطارها فكيف يضمن أمن منطقتنا من أي طامع؟ وهذا القول مردود
عليه، فنحن امة لها ثقل سكاني تعداده يزيد على 300 مليون نسمة وتتحكم في أهم
الممرات العالمية: هرمز، السويس، باب المندب، جبل طارق إلى جانب ثروات اقتصادية
وموارد طبيعية بعضها تم اكتشافه والبعض الآخر ما برح في صعيد هذه الأقطار، ومقارنة
بالآخرين، نحن أقوى من جمهورية فنزويلا التي تتحدى السياسات الأمريكية، وأقوى من
جمهورية إيران الإسلامية لمواجهة الدول الشيطانية المتربصة بنا، الفرق بيننا نحن
العرب عامة وتلك الدول التي أتيت على ذكرها أنهم يملكون إرادة سياسية فاعلة ونحن وهنت
إرادتنا السياسية.
قادتنا يعلمون حق
العلم بطغيان النفوذ الإيراني في العراق وعلى وجه التحديد في الجنوب خاصة بعد
الاحتلال الأمريكي لهذا القطر الشقيق، تقارير منشورة وتصريحات أمريكية معلنة عن
ذلك النفوذ وتدخل سافر في عملية الانتخابات التي جرت الأسبوع الماضي وقد تم
الإعلان عن إلقاء القبض على سيارة في الحدود العراقية - الإيرانية حمولتها عبارة
عن صناديق تحتوي على قوائم اقتراع عراقية مزورة تهرب إلى داخل العراق بهدف ترجيح
كفة المحسوبين على إيران في العملية الانتخابية .كما ان
القيادات السياسية العراقية التي نصبها الاحتلال أعطت كل من ادعى أن له اصلاً بالعراق الحقَّ بالتصويت في الانتخابات أينما كان،
وهكذا تشير التقارير إلى أن مجموعات كبيرة من الإسرائيليين والايرانيين
الذين يدعون أنهم من أصول عراقية قد أدلوا بأصواتهم في هذا الاقتراع.
سؤالي هو لماذا لا
تجند دول الخليج كل من له اصل في العراق يعيش على تراب
الدول الخليجية وتدفع به للمشاركة في العملية الانتخابية مثل قبيلة الكعوب ــ بني
كعب ـــ وقبائل شمر العريقة وعنزة والزبيريين وغيرهم كما تفعل إسرائيل وكما تفعل
إيران وذلك لتسوية المعادلة السكانية في العراق.
إنني أنبه مرة أخرى
إلى أن هناك فتنة رهيبة تطل برأسها في المنطقة لها القدرة على التثقيف وبث الحماس
في عقول الناشئين ولها القدرة المالية وسرعة المناورة والحركة ولها دعائم من وراء
الحدود قادة هذه الفتنة استغلّوا وما زالوا يستغلون انشغال قادتنا وفقهائهم
بملاحقة من اصطلح على تسميتهم بالتكفيريين والظلاميين
والضالين. أما آن لقادتنا أن يلتفتوا إلى هذه الظاهرة
قبل أن يشتد عودها وتصعب مواجهتها أو التعامل معها؟
قادتنا أخطأوا عندما لم يتعاملوا مع المعارضة العراقية الوطنية
الشريفة في العراق إبان النظام السابق الأمر الذي دفع بإيران إلى احتضان من هو
قريب منها أو شريك في فقهها ومولتهم ودربتهم وسلحتهم وثقفتهم بفقه أهدافها وانقضوا
على العراق بمساعدة قوى الشيطان الأكبر. وخسر خليجنا أقوى نصير
وأكثر نفير ذلك هو العراق.
وحتى لا تضيع الفرصة
من أيدينا مرة أخرى، فإنّي أدعوا حكومات وشعب هذه المنطقة -الخليج العربي- من
عالمنا العربي إلى احتضان المعارضة العراقية الآن المعادية للاحتلال وعملائه،
ومناصرتها بالكلمة والمال والسلاح أسوة بما فعلته إيران في الماضي وتعويضا ولا
أقول تكفيرا عمَّا تساهلنا في أمره سابقا بشأن أهلنا في العراق. كما أنبه إلى خطورة
الموقف في سوريا ولبنان والتدخلات الأمريكية - الفرنسية في الشأن اللبناني ــ
السوري .أنبه إلى انه إذا حدث - لا سمح الله - تغيير في سوريا عن طريق تدخلات
أجنبية فإننا في هذه المنطقة من العالم أكثر تضررا من غيرنا وان أوضاعنا لن تكون
كما نحن عليه اليوم.
في الشأن الفسطيني هناك متغير جديد وهو فوز " مرشحي حماس " في
الانتخابات التي جرت في جو ديموقراطي شهد به الأعداء
وعلينا الدفع بهذه النتائج النظيفة إلى الواجهة ومطالبة العالم بأن يقبل بإرادة
الشعب الفلسطيني وان يتم التعاون والتعامل مع هذه الرغبة الوطنية وألا نقع في خطأ
ما وقعنا فيه في الجزائر عندما وقفنا إلى جانب إرادة الدول الأجنبية برفض وصول
التيار الإسلامي إلى مراكز صناعة القرار السياسي هناك.
السودان يمر بمرحلة
خطيرة، تقسيم للدولة، ونهب ثروات ومذابح دامية ولا يحول بين السودان ومصادر القوة
في المملكة السعودية سوى عرض البحر الأحمر، وإذا تفاقم الوضع في السودان فإنه
سيمتُّد إلى مصر شمالا والى المملكة السعودية شرقاً عبر البحر الأحمر وما سيصيب
المملكة من شرور - لا سمح الله - سيصيب دول الخليج العربية.
هذا الخطاب موجه إلى قادة دول مجلس التعاون
عامة، فهل من عبرة واتعاظ؟!!