بين نجاح "حماس" والتهديدات الأمريكية

 

 

بقلم : علي عبدالعال

aly_abdelal@yahoo.com

 

أثارت الانتصارات التي حققتها حركة المقاومة الإسلامية "حماس" في الانتخابات المحلية الفلسطينية التي جرت الخميس 15ـ 12ـ 2005، حفيظة واشنطن القلقة على مستقبل الوجود الإسرائيلي، والمتخوفة على وجودها نفسه في ظل الزحف الإسلامي نحو السلطة والذي يجتاح دول المنطقة العربية وغير العربية.

وحققت "حماس" فوزاً كاسحاً بالعديد من المجالس البلدية في المدن الكبرى بالضفة الغربية؛ وحصدت غالبية المقاعد في مدن نابلس وجنين والبيرة، وحصلت على 73% من الأصواتِ في مدينة نابلس.

وينظر إلى هذه النتائج على أنها مؤشر للانتخابات التشريعية المزمع اجرائها في الخامس والعشرين من يناير القادم. وهو ما دفع الناطق باسم الحركة، سامي أبو زهري إلى اعتبارها مؤشراً على النتائج التي ستحققها "حماس" في الانتخابات التشريعية الفلسطينية.

وقد اكتسبت الانتخابات الفلسطينية أهمية خاصة؛ حيث إنها أتاحت لــ "حماس" التبارز مع "فتح" في مدن الضفة الكبرى .. تمهيدا للانتخابات التشريعية، والتي ستشارك فيها الحركة للمرة الأولى.

وعكست النتائج الانتخابية تزايد نفوذ "حماس" بين أبناء الشعب الفلسطيني كقوة المقاومة الإسلامية الرئيسة في مواجهة احتلال الكيان الصهيوني، كما تزايد قبولها في الشارع الفلسطيني وبين أبنائه بعد الكشف عن حالات الفساد في الصفوف القيادية لحركة "فتح" العلمانية الحاكمة.

جاء فوز حماس بعد النتائج التي حققتها جماعة "الإخوان المسلمون" بالانتخابات البرلمانية في مصر، وهو ما أظهر إلى حد بعيد مدى قبول الإسلاميين لدى المواطن العربي لو اتيحت لهم السبيل نحو الحكم.

وينظر المراقبون إلى "حماس" على كونها الجناح الإخواني في فلسطين،

وفي الوقت الذي أخذ "الإخوان المسلمون" يستعيدون حالتهم الشعبية، ووجودهم القوي في الأوساط السياسية المصرية. تعد حركة المقاومة الإسلامية "حماس" امتداد لجماعة "الإخوان المسلمون" التي انتشرت في فلسطين منذ أكثر من ستين عاماً، وكان لها دورها البارز في حرب 1948. وتعود أسباب نجاح حركة "حماس" إلى قدرتها على تقديم خطاب إسلامي معتدل يلامس عقيدة الناس وهويتهم ويجد صداه الواسع لدى الجماهير، كما يمكّنها من تجنيد المخلصين المستعدين للتضحية في سبيل الله دفاعاً عن وطنهم وطلباً للجنّة.

وهو ما لم يأت على الهوى الأمريكي خاصة بعد أن توقع النائب الديمقراطي "توم لانتوس" من لجنة العلاقات الدولية في مجلس النواب الأمريكي أن تسيطر "حماس" على ربع مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني المكون من 132 مقعداً على الأقل في الانتخابات القادمة. وقال "لانتوس" : "إن حماس يجب أن تحرم من المشاركة في الحكومة"؛ لأنها - على حد زعمه - "منظمة إرهابية ترفض الاعتراف بوجود إسرائيل، وتحتقر الديمقراطية".

وفيما بدى رسوب أمريكي أمام واحد من أهم الاختبارات لدعاوى التبشير بالديمقراطية الأمريكية في الشرق الأوسط، والتي ظلت واشنطن طيلة الشهور الماضية تروج لمفاهيمها في المنطقة العربية، هدد الكونجرس الأمريكي السلطة الفلسطينية من أنها تخاطر بفقدان الدعم والمساعدة المالية الأمريكية إذا سمحت لـ "حماس" بالمشاركة في الانتخابات التشريعية. وحث في قرار تبناه بأغلبية، الرئيس الفلسطيني محمود عباس، أن يعلن قبل الانتخابات المقبلة أنه ينوي حل ما وصفه بالمنظمات الإرهابية.

وقال المجلس الأمريكي : إن مشاركة حماس في الحكومة الفلسطينية سيقوض وجود علاقات بناءة مع وواشنطن.

وقال النائب "إيلينا روز ليتنين" : "إن مشاركة حماس في الانتخابات سوف تدمر أي أمل في السلام والأمن لإسرائيل".

وكانت صحيفة "هاآرتس" الإسرائيلية نقلت عن جورج بوش قوله : "إن حماس حركة إرهابية، تحضر لمستقبل مليء بالاضطهاد والبؤس".

وأعربت إسرائيل عن قلقها من تقدم الحركة، وقال المتحدث باسم الخارجية الإسرائيلية، مارك ريغيفي : إن ظهور حماس كقوة مهيمنة على الساحة السياسية الفلسطينية سينهي عملية السلام، لأنها لن تكون شريك.

وقال وزير الخارجية، سيلفان شالوم : إن إسرائيل تعتبر مشاركة حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقبلة "تتعارض مع مصالحها" ومن ثم ستفعل اللازم للتصدي لذلك لا سيما بفرض قيود على تنقل الفلسطينيين يوم الاقتراع.

ورداً على هذا التدخل السافر في الشأن لفلسطيني، رفضت السلطة الوطنية قرار مجلس النواب الأمريكي، وأكدت أنه لا يمكن تنفيذه.

وقال نبيل أبو ردينة مستشار الرئيس الفلسطيني : إن "السلطة لن تنفذ المطالب الأمريكية بهذا الصدد". وأوضح أن المشاركة في الانتخابات للجميع، وأن السلطة لا يمكنها إجراء أي انتخابات ديمقراطية إذا تم منع أي طرف من المشاركة.

ومن جهتها، أدانت حركة المقاومة الإسلامية التصريحات والمواقف الأمريكية، واعتبرتها تدخلاً سافراً في الشئون الداخلية الفلسطينية.

وجاء في بيان صادر عن مكتبها الإعلامي : "ندين ونستنكر هذه التصريحات والمواقف الأمريكية الوقحة التي تعد تدخلا سافرا في الشئون الداخلية الفلسطينية".

وقال البيان : "تكشف هذه المواقف والتحذيرات ازدواجية المعايير الأمريكية وزيف مطالبتها بتطبيق الديمقراطية؛ فالديمقراطية المسموح بها هي فقط التي تأتي منسجمة مع الرغبة الأمريكية ومصالحها".

ودعت حماس السلطة الفلسطينية بالرد على المواقف الأمريكية؛ لما تتضمنه من مساس بالسيادة الفلسطينية.

وقال البيان: إن "السكوت على هذه التدخلات يشجع على التمادي بها"، كما طالبت حماس "برفض الإملاءات والشروط الأمريكية على أية مساعدات أو دعم للفلسطينيين".

وأكد المتحدث باسم الحركة "مشير المصري" على تمسك حماس بحق المقاومة... وأشار إلى أن حماس تحتكم إلى القانون والإرادة الفلسطينية مؤكداً على ضرورة احترام نتائج الانتخابات.

وطالبت حماس الإدارة الأمريكية بالإلتفات إلى ستر عوراتها وفضائحها بدءًا من معتقل "جوانتنامو" ومرورًا باحتلالِ العراق الشقيق وحتى مخطط قصف قناة الجزيرة وغيره".

وكانت وزارة الخزانة الأمريكية قد أدرجت حركة "حماس" على لائحة ما يسمى بــ "المنظمات الإرهابية" منذ عام 1995، بينما أعلنتها وزارة الخارجية الأمريكية "منظمة إرهابية أجنبية" في عام 1997.

وفيما يبدو على أنه محاولة أمريكية للتأكيد على أن واشنطن لازالت ملتزمة بدمقرطة الشرق الأوسط، وأنه لا تعارض بين هذا الإلتزام الأمريكي ورفض مشاركة حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية.

قالت الإدارة الأمريكية السبت 17ـ 12ـ2005م : إنها ستمضى قدما فى سياسة تشجيع دول المنطقة العربية على الانتقال إلى الديمقراطية، رغم أن الانتخابات الأخيرة التى جرت فى أكثر من دولة ولاسيما مصر وفلسطين أظهرت تقدم الحركات الإسلامية والتي تدعو إلى قطع العلاقات مع إسرائيل.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية، شون ماكورماك : إن على دول المنطقة وليس على الولايات المتحدة أن تحسم قراراتها، وإن الولايات المتحدة تثق فى حسن اختيار الشعوب، رغم وجود جماعات رجعية تريد التخلى عن المكتسبات والعودة إلى سنوات العداء.

وفي أول رد فعل شعبي فلسطيني على التدخلات الخارجية في أخص شئونه الوطنية، أظهر أحدث استطلاع فلسطيني أجراه "مركز القدس

للإعلام والاتصال" في مدينة رام الله بالضفة الغربية، أن ثلاثة وسبعين

بالمائة يؤيدون قرار مشاركة حركة "حماس" بالانتخابات التشريعية، وأكد واحد وستون أن حماس ستلتزم بجميع قرارات المجلس التشريعي.

وأكد ثمانية وستون بالمائة من المواطنين رغبتهم في المشاركة بانتخابات

المجلس التشريعى، وتوقع اثنان وخمسون من أفراد العينة أن تكون الانتخابات

نزيهة.

وفيما يتعلق بالمزايا التي يفضلها الناخبون في المرشح، لخص الإستطلاع ثلاثة عوامل تؤثر فى قناعات الناخبين، وهى المستوى التعليمي أول الشروط بنسبة واحد وتسعون ونصف بالمائة، والسمعة بنسبة تسعين، والعامل الديني بنسبة ثلاثة وثمانين بالمائة.