الفيدرالية للعراق

تقسيم تحت شعار التوحد

 

 

 

بقلم المحامي حسن بيان

 

          شكل غزو العراق وإحتلاله الحدث السياسي الأبرز بعد الإحتلال الصهيوني لفلسطين. فهو بما أفرزه حتى الآن من نتائج وما خلفه ويخلفه من تداعيات كان زلزالاً تجاوزت آثاره التدميرية وهزاته الإرتدادية وإرتجاجاته السياسية ساحة العراق إلى الساحة العربية والمحيط الإقليمي لا بل إلى الوضع الدولي برمته.

 

          هذا الأمر ليس سراً، لأن الدولة المحتلة أعلنت جهارة أنها تريد رسم معالم نظام شرق أوسطي جديد تحت عنوان الشرق الأوسط الكبير والذي يمتد بحسب المقاييس الأميركية من المغرب العربي على شواطئ الأطلسي إلى العمق الآسيوي المتاخم لبحر قزوين.

 

          إن هذا التحديد للمدى الجغرافي لهذه المنظومة شبه القارية لم يكن أمراً إعتباطياً ولا إختياراً عبثياً بل لتوفر ثلاث سمات أساسية.

 

الأولى: أنها تحتوي في باطن أرضها إحتياطي النفط الأساسي في العالم.

الثانية: أنها تطوق أوروبا من جنوبها وشرقها وتمتد إلى حدود الشرق الأقصى.

الثالثة: أنها تضم الكيان الصهيوني الذي يعود بأحد مبررات إنشائه إلى توفير أرضية لحماية مصالح الموقع المقرر في النظام الإستعماري.

 

          وأنه بالنظر إلى أهمية العراق الجيوساسية، فإن إحتلاله جاء في سياق التنفيذ الميداني للإستراتيجية الأميركية التي تحررت من كابحها الدولي الذي كان يجسده النظام الدولي القائم على ثنائية إستقطابية، كان الإتحاد السوفياتي القطب المقابل وعنصر التوازن في نظام توازن الردع المتقابل. وإن ما أثارته أميركا من مبررات لشن الحرب ومن ثم الإحتلال فإنها لم تكن إلا من قبيل ذر الرماد في العيون خاصة وأن الأحداث أثبتت أن الحيثيات السياسية التي إستندت إليها أميركا بنيت على تقارير كاذبة وملفقة بهدف تضليل الرأي العام أولاً وبغية الحصول على التغطية الدولية لقرارها ثانياً.

 

          وقد بدا واضحاً أنه من اللحظة التي بدأت فيها أميركا التحضيرات السياسية والميدانية لغزو العراق كانت في الوقت نفسه تعد وثائق سياسية لإدارة شؤون العراق لمرحلة ما بعد الغزو. وكانت هذه الوثائق السياسية والصيغ الدستورية تسرب إما عبر وسائل الإعلام وإما عبر طرحها في اللقاءات والمؤتمرات التي كانت تعقدها قوى معارضة عراقية تحت إشراف أميركي مباشر. ولعل أبرز مؤتمر توضحت فيه صورة المعْلم السياسي للعراق ما بعد الغزو هو مؤتمر لندن نهاية عام 2002.

 

فالوثيقة السياسية التي نتجت عن مؤتمر لندن أشارت إلى ثلاثة مسائل سياسية:

الأولى: تجنب الإشارة إلى هوية العراق القومية.

الثانية: هي الفيدرالية كنظام دستوري.

الثالثة: عدم الإشارة إلى العراقيين كشعب واحد، بل إلى أكراد وسنة وشيعة وبمعنى آخر أشير إلى الأكراد وسنداً إلى هوية قومية، وبالنسبة للعرب أشير إليه كسنة وشيعة سنداً للإنتماء المذهبي.

 

          هذه المسائل الثلاث تستحضر اليوم في النقاش الدائر حول مستقبل العراق السياسي. ففي قانون إدارة الدولة الذي وضعه الحاكم الأميركي بريمر أدخلت النقاط الثلاث في المشروع وفي مسودة الدستور الذي يدور السجال السياسي والدستوري حوله تحضر هذه النقاط بشدة. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الخط الثابت الذي حكم الرؤية الأميركية حيال صياغة أسس النظام السياسي لحكم العراق ما يزال محافظاً على ثوابته وإن أدخلت بعض التعديلات الطفيفة الشكلية على مفرداته.

 

          لقد بات واضحاً، أن أميركا لا تريد فيما لو قيض لإحتلالها أن يحقق أهدافه، أن ترى عراقاً قوياً تحكمه دولة مركزية متوفرة كل الإمكانات الإقتصادية والبشرية للنهوض والإستنهاض. بل هي تريد عراقاً، موحداً في الشكل، مقسماً في الواقع، وهذا فضلاً عن كونه يأتي تلبية لحاجة الخطة الأميركية فإنه يلبي الرؤية الإستراتيجية الصهيونية التي ترى بأن أمن إسرائيل الإستراتيجي لا يتحقق إلا بإعادة تقسيم الوطن العربي نزولاً تحت سقف سايس بيكو وإعادة رسم حدود الكيانات السياسية بحدود الطوائف والمذاهب كما أن هذه الرؤية تتقاطع مع مصلحة إيران والتي لا تريد وجود عراق قوي على حدودها الجنوبية والغربية خاصة وأن لها مشروعها الخاص حيال العراق لأسباب مذهبية من ناحية وما تعتبره إستحضاراً لدورها السابق من ناحية ثانية.

 

          إذن، فإن ما تتضمنه مسودة الدستور التي ستطرح على الإستفتاء الشعبي في 15 تشرين الأول ليست من إبتكارات جهابذة القانون الدستوري للقوى السياسية التي تدير العراق في ظل الإحتلال الأميركي، وبعضها يعمل وفق الإملاءات الإيرانية بل هي الصيغ التي وضعت في مراكز القرار الأميركي، خاصة وأن السفير الأميركي خليل سلمان زاده الذي أشرف على ولادة وثيقة مؤتمر لندن يشرف اليوم على الولادات القيصرية للوثائق السياسية والدستورية التي يراد الإستناد بها لوضع أسس النظام السياسي والدستوري لحكم العراق.

 

          إن المبادرة التي طرحتها "النهار" حول تأثير الفيدرالية في العراق على العالم العربي ثقافة ونظاماً هي خطوة إيجابية نظراً لكون المسألة تتجاوز حدود ما يخطط للعراق ليطال المنطقة العربية برمتها والعمق الآسيوي، وهذه حقيقة لم تخفها أميركا ولهذا كان العراق أولاً.

 

          إن ما يجري في العراق يؤثر حكماً على العراق بكليته، فإذا ما تمكنت أميركا من تحقيق أهدافها المرسومة في العراق سارت الأمور في إتجاه محدد، وإذا حيل دون أميركا من تحقيق أهدافها بفعل المقاومة وتنامي حدة المأزق الأميركي سارت الأمور في إتجاه آخر، وفي كلتا الحالتين لا بد من التعامل مع طرح موضوع الفيدرالية بجدية وموضوعية.

 

          أولاً: ما هي الفيدرالية؟ أن الفيدرالية هي عبارة عن نظام إتحادي بين مكونين إجتماعيين يتمايزان عن بعضهما البعض عرقاً وثقافة وموروثاً تاريخياً وتقاليداً والمصلحة تقضي أن ينضوي المكونين تحت نظام سياسي يراعي الخصوصية لكل منهما.

 

          كما أن الفيدرالية تقوم بين كيانيين سياسيين أو أكثر تجمعها أو تجمعهم وحدة الإنتماء العرقي والثقافة والموروث التاريخي والتقاليد ولكن التمايز يكون قائماً في طبيعة النظم السياسية.

 

          وفي واقع كالواقع العربي هل المكونين المشار إليهما موجودان أم لا؟

 

          في نظرة تشخيصية سريعة لا يحتاج المرء إلى كثير عناء ليكتشف الحقيقة الساطعة وهي أن العرب يشكلون الخط الأكثري الساحق في تحديد هوية الإنتماء القومي وأن مع هذا الخط الأكثري تتواجد أقليات قومية أبرزها الأقلية الكردية في شمال العراق وأنه بإستثناء هذه الأقلية ذات الخصوصية القومية لا تتواجد مكونات أخرى تتمتع بمواصفات الخصوصية القومية كما هي الحال في جنوب السودان والمغرب العربي ومناطق أخرى فالأقلية القومية التي يجب النظر إليها بموضوعية هي الأقلية الكردية وأن أي نظام سياسي للعراق لا بد أن يراعي هذه الخصوصية في صياغة أسس النظام الدستوري ضمن نطاق الوحدة الوطنية الشاملة وفي هذه الحال تصبح الفيدرالية كنظام هي الحل الديمقراطي القادر على إحتواء الأقلية القومية مع مراعاة خصوصيتها في إطار نظام التوحد الوطني.

 

          هذا من جانب التعامل مع موضوع الأقلية القومية ضمن نطاق تواجد الخط الأكثري. أما من جانب الفيدرالية كنظام سياسي ودستوري للمكونات السياسية القطرية القائمة فإنه في ظل واقع كالواقع العربي أيضاً، تشكل الفيدرالية النظام الأفضل لحالة التوحد العربي لسببين أساسيين.

 

السبب الأول: أن الكيانية القطرية، أفرزت خلال المرحلة الماضية أوضاعاً خاصة متمايزة وأفرزت أيضاً نخباً سياسياً ومصالح إقتصادية ليس من  السهولة تجاوز آثارها وبالتالي لا بد من التعامل معها بمرونة يوازن بين حق الخاص الكياني وحق العام القومي.

السبب الثاني: أن وطناً عربياً مترامي الأطراف لا يمكن أن يحكم بنظام شديد المركزية، بل لا بد من مرونة في إدارة شؤون الأقاليم أو الولايات أو الكيانات المشكلة له. إن نظاماً فيدرالياً لحالة التوحد العربي بإمكانه أن يستوعب ويحتوي كل الخصوصيات القطرية وبإمكانه أيضاً أن يكون قادراً على إمتصاص الصدمات دون أن تحدث إهتزازاً في البنيان الكياني الكلي.

 

          وعلى هذا الأساس فإنه بدون هذه الحالتين فإن الفيدرالية لا تكون حالة توحد بل تكون شعاراً لتقسيم سياسي وكياني ينزل تحت سقف ما هو قائم ليعيد رسم الخوارط السياسية ليس على أساس الإنتماء القومي أو الوطني بمفهوم الدولة الحقوقية بل على أساس جديد يبدو من خلال إطلالته العراقية أنه يرسم بحدود توزع الإنتماء المذهبي والطائفي.

 

          إن طرح النظام الفيدرالي كنظام دستوري للعراق، مضيفاً لخصوصية المشروعية المعطاة للأقلية الكردية إقامة كيانات أو أقاليم تخص الجنوب والوسط فيها بشكل خاص هو طرح مشبوه لأن العراقيين في الجنوب والوسط لا يتمتعون بهوية قومية خاصة بها بل هم ينتمون واقعاً وتاريخاً وتراثاً إلى الخط الأكثري وهو خط الإنتماء القومي العربي، وإذا كان البعض من الأدوات السياسية التي تفرض هيمنتها على الكتلة الشعبية في جنوبي العراق ووسطه تطرح إقامة كيانة سياسي في هذه المنطقة في إطار وحدة عراقية مفككة وهشة، فهذا فضلاً عن كونه يشكل إسقاطاً لهوية هذه الكتلة الشعبية القومية فإنه في الجانب المصلحي والسياسي لا يخدم أهداف هذه الكتلة بل يخدم أهداف القوى الخارجية والأجنبية التي تريد إسقاط هوية العراق العربية وتفكيك وحدته وإقامة النظام الذي يمكنها من إستمرار هيمنتها وفرض سيطرتها وإملاءاتها كما هي حال الإحتلال الأميركي الموجه من صهاينة البيت الأبيض وكما هي مصلحة إيران بوجود عراق ضعيف ومفكك.

 

          إن مسودة الدستور الذي يراد تسويقه للعراق، الذي يعتبر الشعب العراقي فيه جزءاً من الأمة العربية فإنه بطرحه الفيدرالية بصيغتها الواردة في الدستور، يرسم حدوداً كيانية تحدد بحدود الإنتشار المذهبي، وبهذا يكون قد أسقط الطائفية السياسية التي يدار من خلالها العراق اليوم في ظل الإحتلال على الواقعين الجغرافي والمجتمعي.

 

          هذا التقسيم السياسي للعراق على أساس الإنتماء المذهبي لكتله الشعبية هو الأمر الأكثر خطورة في مشروع الدستور، لأنه يشكل سابقة يراد لها أن تختبر في العراق لتعمم بعدها إلى سائر أرجاء الوطن العربي.

 

          إن هذا الذي يخطط للعراق عبر صياغة نظامه الدستوري الجديد هو من نتائج الإحتلال وإفرازاته وإذا كانت المقاومة في العراق أدت وتؤدي دورها في التصدي للإحتلال بتشخيصاته المباشرة وأدواته الواجهية، الأمنية والسياسية فإن مقاومة هذا المخطط لتقسيم العراق إلى كيانات تحت مسميات الفيدرالية يجب أن تكون أيضاً مهمة كل الحريصين على مقاومة هذا المخطط التقسيمي للحياة السياسية العربية.

 

          من هنا فإن الفيدرالية المطروحة للعراق اليوم كما جاءت في مشروع مسودة الدستور وقبله في الوثائق السياسية التي روجت للإحتلال هي مشروع تقسيم على خلفية مصالح قوى أجنبية وخارجية، دغدغ مواقف قوى قدمت نفسها على أنها معارضة للنظام السياسي قبل الإحتلال وأثبتت من خلال سياقات الأحداث أنها كانت وما تزال جزءاً من هذا الإحتلال وإفرازاته.

 

          من هنا، فإن النقاش حول الفيدرالية في العراق وتأثيرها على العالم العربي يجب أن يفتح حول ثلاثة قضايا:

القضية الأولى:          هل هناك أقليات قومية في الوطن العربي وكيف يجب التعامل معها؟

القضية الثانية: أي نظام إتحادي هو الأمثل للتوحد العربي؟

القضية الثالثة: الخطورة المترتبة على رسم حدود الكيانات السياسية بحدود الإنتشار المذهبي والطائفي.

 

          في إجابة سريعة إن حزب البعث وإنسجاماً مع قناعاته الفكرية، يرى ضرورة إعطاء الأقليات ذات الصفات القومية الخاصة وضعاً مميزاً يراعي خصوصيتها القومية في إطار حالة التوحد الوطني المرحلية وإستطراداً القومي فيما بعد وعلى هذا الأساس كان تعامله مع موضوع الأقلية الكردية في العراق عندما منحها حكماً ذاتياً في إطار الدولة العراقية إستناداً إلى بيان 11 آذار 1970 الذي وإن لم يقيض له أن يأخذ كامل مفاعيله فلأسباب لا ترتبط بالموقف المبدئي للحزب وإن بفعله مؤثرات سياسية محركها الأساسي كان خارجياً وضاغطاً على المسألة الكردية.

 

          هذا من جانب أما من جانب آخر فإن الحزب يرى أن النظام السياسي الأمثل للدولة العربية الواحدة هو النظام الإتحادي الذي يراعي الخصوصية المجتمعية التي أفرزها نظام الكيانية القطرية.

 

أما من جانب ثالث فإن الدين لا يمكن أن يشكل ركناً في التشكل القومي وإذا كان هذا العنصر لا يشكل ركناً في التشكل القومي فهل تكون المذاهب أركاناً لتشكلات قومية؟

 

إن في هذا لمنزلق نحو الدخول في أتون دويلات المذاهب والطوائف وهذا يعني الدخول في عصر إنحطاط عربي جديد، وبعبارة أخرى الدخول عصر الصهينة لمعالم الحياة العربية تحت جلابيب النصوص الدستورية التي وضعها منظرو صهاينة البيت الأبيض، والتي يسوقها أدوات الإحتلال عبر إختبارها الأولي في العراق.