المحتاج المتعفف مسؤولية الجميع
بقلم :د. نورة خالد السعد
الفقر.. هذه الآفة الخطيرة التي توجب التعوذ منها ومحاربتها والقضاء
عليها.. وهو الظاهرة العالمية التي تعم قطاعات كبيرة من
معظم دول العالم وتتسبب في تدني المعدلات الاقتصادية والتنموية للعديد منها.. وهو
المعضلة الاقتصادية والاجتماعية التي استعصى على العديد
من الدول الفقيرة إيجاد حلول لها.. ذلك لأنها ليست قابلة للحلول المؤقتة أو
المساعدات المقننة .. ومن قرأ تقرير التنمية الإنسانية
العالمي سيجد أن قمة هذه المشكلات في ثنايا التقرير هي مساحات الفقر التي تؤدي إلى
تآكل البنى الاقتصادية والاجتماعية في الدول الفقيرة في
العالم.
.. نحن هنا،، لدينا
هذه المشكلة والاعتراف بها كان مهماً.. وزيارة خادم
الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز
قبل أعوام للأحياء الفقيرة في الرياض كانت مؤشراً اجتماعياً لضرورة مواجهة الفقر
ومن حينها وضعت الاستراتيجية لمواجهته وتم انشاء صندوق معالجة الفقر..
وجدلية مواجهته
مستمرة بين معظم مؤسسات المجتمع الرسمية والأهلية.. وتم تنفيذ العديد من الدراسات الاجتماعية لتقصي جذوره وفئاته
ولا تزال هناك دراسات أخرى تنفذ وهناك اهتمام وحرص من ولاة الأمر لتحقيق رفاهية
المواطن التي لن نصل إليها إلا مع القضاء على آخر ورقة فقر لا تزال في شجرة
المجتمع.
ومن ضمن الشرائح
الاجتماعية هناك من تعاني من الفقر ولكن لا تزال في معاناتها لأن هناك حاجزاً
نفسياً ومعنوياً يمنعها من الجهر بمرحلة الفقر الذي تعيشه.. ولهذا كان الحرص
بإلقاء الضوء على أهمية حمايتها وأهمية عونها وأهمية توضيح دور المجتمع بمؤسساته
وقطاعاته وأثريائه في هذا العون والدعم.. وتمثل هذا الحرص فيما سوف يقوم برعايته
صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبدالعزيز أمير
منطقة الرياض صباح يوم الاربعاء 17/8/1426ه وهو ملتقى (المحتاج
المتعفف مسؤولية الجميع) الذي تنظمه وتشرف عليه وزارة الشؤون الاجتماعية ممثلة في
وكالة الضمان الاجتماعي والاسكان الشعبي..
ووفق ما ذكر وكيل
الوزارة للضمان الاجتماعي والإسكان الشعبي المكلف الأستاذ محمد بن عبدالله العقلا في جريدة «الرياض» يوم
السبت 13/ شعبان الحالي فإن الهدف من هذا الملتقى هو التعريف بالرؤية المستقبلية
للضمان الاجتماعي والإسكان الشعبي وتفعيل الدور التعاوني للجهات الرسمية والأهلية
مع الوزارة ووضع آلية لتبادل المعلومات بين الجهات الرسمية والأهلية والضمان
الاجتماعي بهدف الوصول إلى (المستحق المتعفف)..
وأوضح أن الاهتمام
بهذا (المستحق المتعفف) وضرورة خدمته ورعايته وتفقد أحواله ودعمه اجتماعياً
ومالياً ومعنوياً ينطلق من عدة أسباب من أهمها أن معظم المستفيدين والمستفيدات من
خدمات الضمان الاجتماعي هم من المطلقات والمعلقات والمهجورات والأيتام والأرامل
والمعوقين ومن لا عائل لهم وبالتالي لابد أن نصل إليهم بدلاً من أن يصلوا إلينا..
.. نعم هو واجبنا
جميعا أن نصل إلى هؤلاء المحتاجين ولا ننتظر أن يبادروا بالوصول إلينا إلى هذه
المؤسسات الرسمية أو الأهلية.. ومن خلال دراسة ميدانية نقوم بها
حالياً أنا وزميلاتي في القسم مدعومة من قبل جامعة الملك عبدالعزيز..
ورغم عدم انتهائنا بعدُ منها ولكن ما شاهدناه هو الوجه
الحقيقي لمعنى الحرمان لدى شرائح من المجتمع قد يستغرب البعض من درجة الوصول إليها
وكيف حدثت؟ ولن أنسى منظر إحدى الباحثات المساعدات معنا
وهي تبكي ألماً من واقع إحدى الأسر التي يبلغ ما تنفقه على طعامها وشرابها ثلاثين
ريالاً فقط!.. وقالت لي ما معناه إنها ورفيقاتها يصرفن هذا المبلغ في شراء كوب آيس كريم للمتعة فقط!! وفي لحظة وليس شهراً!!
هذا هو الوجه المظلم
في حياة الفرد عندما يصل إلى مستوى الفقر الشديد.. ولهذا كان الإسلام ديناً
للتكافل الاجتماعي بين الأغنياء والفقراء ووضع استراتيجية
متميزة للقضاء عليه إذا ما نفذت بحذافيرها وبتكامل آلياتها وتضافر الجهود بين
الجميع على مستوى الدولة ومستوى الأقرباء والأرحام ومستوى الأغنياء ومستوى بقية
مؤسسات المجتمع..
************
هناك إجماع عالمي على أن النجاح في مواجهة
الفقر هو الهدف الأساس لأي جهود تنموية مما يتطلب تعبئة كل الأجهزة والمؤسسات
الوطنية خلف أهداف متفق عليها لسياسة محددة يتم تضمينها في استراتيجية
وطنية لمعالجة الفقر..
وكما يذكر في أدبيات ما يكتب عن (الفقر) أن هناك
شعاراً هو «التنمية الموالية للفقراء» لأهمية مكافحته..
والجهود التي تبذل
لمكافحة الفقر لا تتوقف فقط عند حلول وقتية بل تتطلب معالجة (جذوره في بنية
المجتمع) وجهوداً جبارة لإحداث التعديلات البنائية والهيكلية التي قد تتطلب بدورها
إحداث تغييرات في المفهومات والاتجاهات لدى فئات اجتماعية عريضة، مما يتطلب توفر
إرادة سياسية واجتماعية كافية للتوفيق بين المجهودات
لمكافحة الفقر.
وما ملتقى (المحتاج
المتعفف مسؤولية الجميع) الذي عقد يوم أمس برعاية صاحب السمو الملكي الأمير سلمان
بن عبدالعزيز يحفظه الله ونظمته ورعته وزارة الشؤون
الاجتماعية ممثلة في وكالة الضمان الاجتماعي والإسكان الشعبي إلا صورة من صور
إبقاء دورنا جميعاً في هذا المجتمع في المشهد الاجتماعي (دائماً) وأن يشعر كل منا
بما ينبغي عليه القيام به كي نصل إلى هذا المحتاج
المتعفف معنوياً ومالياً واجتماعياً وواجباً مجتمعياً وليس منة..
إن مفهوم (التكافل
الاجتماعي) يعتبرمن أساسيات الاقتصاد الإسلامي إذا ما
تم تطبيقه بشكل متكامل ووفق آلية منهجية مستمرة تجيء متضامنة مع ضرورة ما ينبغي
القيام به لمواجهة مشكلات البطالة لأنها تؤدي إلى زيادة
مساحات الفقراء وتعتبر في الوقت نفسه إفرازاً من إفرازات الفقر.
ورغم الجهود التي
تبذل حالياً لمساعدة المحتاجين والفقراء من المواطنين إلا أن الحاجة الماسة للمزيد
لا تزال قائمة وإذا ما استعدنا ما ذكره الأستاذ محمد العقلا
وكيل الوزارة للضمان الاجتماعي والإسكان الشعبي المكلف عن أعداد من يصرف لهم
الضمان الاجتماعي مساعدات مالية البالغ (350600) أسرة تم صرف مبلغ (3022362209) ريالات
لها خلال العام الماضي، هذه الأعداد في الواقع لا تمثل جميع المحتاجين الذين هم من
شريحة المتعففين الذين (قد) لا يعرف عنهم أحد أو لم يعلنوا عن أنفسهم واحتياجاتهم
تعففاً.
ولهذا تبرز أهمية
ودور الأفراد والمؤسسات المالية الكبيرة من خلال توفير الرعاية الأسرية واتساع
رقعة الخدمات التعاونية والخيرية وتحقيق جسر التكافل من الأغنياء إلى الفقراء
والمحتاجين، فالفقر ليس عيبا في حد ذاته ولكن العيب الركون إلى الفقر على حساب
السعي وراء الرزق ولهذا لابد من توفير فرص العيش وتوفير كسب الرزق وخصوصاً للشباب
القادرين على العمل من الجنسين وإن كنا نرغب بالدرجة الأولى أن نحمل الشباب من
الرجال مسؤولية هذا السعي والجد والعمل وتقليص دوائر الاحتياج في الأسرة والمجتمع
وإعلاء قيمة تحمل مسؤولية الأثرياء لأقربائهم المحتاجين ليس وفق صدقات سنوية فحسب
بل وفق تأهيل مجتمعي ورعاية مستمرة فهذا واجب شرعي.. وخصوصاً
في الحالات التي تكون النساء من المعيلات وهن الشريحة الأكبر المتضررة من انحسار
المال وغياب التأهيل وبالطبع ندرة الفرص الوظيفية.. وهناك شريحة منهن من اللاتي
هجرهن أزواجهن وتركوا مسؤولية تربية الأبناء والصرف عليهم لهن وحدهن!
إن ما رتبته الشريعة الإسلامية من حقوق
والتزامات بين أفراد الأسرة الواحدة وبين الأقارب وذوي الأرحام بل والجيران مما
يضمن كفالتهم وإعالتهم يمثل شبكة اجتماعية ومالية للدعم والتساند بين من يجد ويملك
ومن لا يجد وهو محروم.
إن مسؤولية الدولة
وأجهزتها تأتي في المقام الأول لتقليص مساحات الفقر والوصول إلى ذلك المحتاج
المتعفف عبر سياسات تنموية جذرية الحلول وليست وقتية أو جزئية ثم تأتي مسؤولية
الأثرياء في المجتمع والمؤسسات المالية فاحشة الثراء التي لم يتبلور دورها في
الإسهام بدعم استراتيجية التدريب والتأهيل للمواطن
والتوظيف وتوفير المتطلبات الإسكانية.
(الصدقات) قناة أخرى
لتحقيق التكافل الاجتماعي في الإسلام وإذا ما وظفت توظيفاً عملياً تم تقليص مساحات
الفقراء والمحتاجين..
?? وتبقى أهمية توجيه
المال وجهة سليمة وفي قنواته الأهم وفق أولويات المجتمع والمواطن، وتحقيق رفاهيته..
ولا رفاهية لمواطن لا يزال بين شرائح مجتمعه من هم من (المحتاج
المتعفف).