تلاشي الأزمات المصطنعة مع إعلان دولة الخلافة

 

 

 

بقلم : حسن الحسن

 

يأتي وجود الدولة – كمنظم وضابط للحياة العامة والعلاقات الناشئة بين الناس- كضرورة لازمة لا بدّ منها. كما أنَّ أية دولة في العالم، لا بدّ وأن تعتمد وجهة نظرٍ ما في الحياة، تصوغ من خلالها سياساتها العامّة، وتسنُّ على أساسها الأنظمة والقوانين المناسبة، التي تلقى الرضى والقبول لدى عامة من تُطَبق عليهم. وعندما تولدُ أجهزة الدولة ومؤسساتها من رحم الأمة – بشكلٍ طبيعي، يحدث التجانس التلقائي بين المواطن والدولة، لما يجده من حرصها على حسن رعايته، فضلاً عن كونها تجسد له قناعاته، مما يشعره بالارتياح والطمأنينة.

 

 وعليه تسلك الدولة – الكيان التنفيذي صاحب السلطة والصلاحية- كل السبل المتاحة والممكنة لتحقيق رفاهية الناس ورقيهم واستقرارهم وأمنهم. وهذا ما يغلب عليه الحال في الدول الاسكندنافية وكثيرٍ من الدول الغربية، حيث التناغم والحرص المتبادل واضحٌ بين الحاكم والمحكوم.

 

أما إنْ تخلَّقت تلك الدولة –النظام السياسي- بأيدٍ أجنبية بغية خدمتها، أو تحكمت بالدولة أهواء الحاكم ورغبات حاشيته، نعم، إن وقع أحدهما أو كلاهما، تتلخص وظيفة الدولة آنذاك: باستنفاذ الطاقات والإمكانيات المتوفرة بعيداً عن مصالح الأمة، وهذا ما هو حاصلٌ الآن تماماً في العالم الإسلامي. وبهذا تتحول مهمة الدولة من صيانة المجتمع والارتقاء به، إلى حفظ الحاكم والحرص على رفاهيته وأمنه واستمراريته وتوريث الدولة ومؤسساتها وثرواتها لأبنائه وأقاربه من بعده. وبالتالي يتمُّ إهمال شؤون الناس وإسقاطها من حسابات المسؤول المخول متابعتها، ما يؤدي إلى حالة من العنت والشقاء والقسوة في أوضاع العيش، إضافة إلى الاضطراب والفوضى والفساد، لانصراف الحاكم لتأمين نفسه.

 

وعندما تمتزج محاولات الحاكم لاستغلال الناس مع اللامبالاة والإهمال لمصالحهم من قبله، تَطَّرِدُ عدوى تلك الصفة إلى عامة المسؤولين، فيصبح إشقَاءُ الناس سجية لدى الموظف والعامل في قطاع الدولة، إذ يتحول مفهوم المنصب والوظيفة من الرعاية إلى الغنيمة الصرفة، التي تمنح صاحبها فرصة استخدام الناس لا خدمتهم، وإلى تسخيرهم بدلاً من إحسان تصريف شؤونهم.

 

 وفي حال العالم الإسلامي، فإنَّ نمط العيش القائم اليوم، يزيد سوءا ً عمّا سبق، لتضاد نظمه مع كل القيم التي تعتنقها الأمة وتؤمن بها، حيث تمت صناعة الحاكم وأجهزته وقوانينه، بما يصرف الأمة عن نمط عيشها الطبيعي بحسب إسلامها، ويلبي مصالح الدول المتنفذة التي نصبت الحاكم أو احتوته، ليعاضدَ كلٌ منهما الآخر لتكريس الواقع الفاسد، بل ولترسيخ الشذوذ السياسي والاقتصادي، ولتغذية الانحراف الاجتماعي والفكري السائد، لضمان الهيمنة ولتجنب ولادة أي تهديدٍ حقيقي لهما.

 

وثمة أمثلة كثيرة تجلي واقع مأساة أمتنا، أقتصر منها على مثالٍ، لا يمكن لِلحِسِّ أن يخطئه، ألا وهو، موضوع التنقل بين أقطار العالم الإسلامي. فانطلاقاً من واقعنا المعاش، نجد أنَّ السياسات المطبقة بهذا الشأن تحرص بشكلٍ عنيف على تكريس الحدود التي رسمها الاستعمار بين بلاد المسلمين، مشتتاً القبيلة الواحدة على وطنين أو ثلاثة أو أربعة، وموزعاً المدينة الواحدة على أكثر من دولة، كما هو حال رفح الحزينة، بشقيها المصري والفلسطيني، التي انكبت السلطتان فيهما على وضع حدٍّ "للفلتان" عبر الحدود لحفظ السيادة والأمن المزعومين!!

 

وبهذا تتقطع أوصال الأرحام، فضلاً عن تمزق روابط العقيدة والملة التي تشكل للأمة معنى وقيمة. وعندما نتجاوز آلام التشرذم السياسي، نجد أن الإجراءات العملية لا تقل قسوةً وعسفاً عنها. فلا انتقال بلا جواز سفر، وللحصول عليه متطلبات ومتعلقات مهولة، ففوق التكاليف الكبيرة المقتطعة من دخل المواطن الشحيح أصلاً، فإنّ عليه تحصيل إخراج قيد وورقة مختار وسند إقامة ووثيقة زواج وأخرى للولادة وعاشرة للشهود وموافقة أمنية وشهادة حسن سير وسلوك وصور وطوابع وأختام، مع إهانة متكررة وقلة احترام في كل ذهاب وإياب. وقد يأخذ استصدار وثيقة السفر شهراً أو شهرين وربما سنةً أو سنتين، هذا إن كان ملف صاحب الطلب أبيض! أما إنْ شابته شائبة بحقٍّ أو باطل، فإنّ عليه أن يُقحِمَ رئيس الأركان آنذاك لإقناع وزير الداخلية لإزالة تلك النقطة السوداء، وقد تكون المسألة عالقةً عند الرئيس شخصياً، فلا أمل آنذاك ولا رجاء. وبعد هذا وذاك، عليه أن يقف في الطابور طويلاً في حرِّ الظهيرة، والغبار يكتسح عيناه ويلفح وجهه بغية نيل تأشيرة دخول إلى الوطن الشقيق ... والذي يحتاج فيه إلى كفيل وإلى مراجعة الداخلية والخارجية والأمن.

 

 باختصارٍ شديد، فإنّ هذا يعني، أنَّ مهمة أجهزة الدولة الحالية، هي تحويل حياة المواطن إلى جحيم، في مسألةٍ جوهريةٍ لا يمكن الاستغناء عنها، لعبور حاجزٍ أو جسرٍ لا يتجاوز أمتاراً يفصل بين حدودٍ غير مبررة.

 

واستطراداً لمثال رفح، فما أن تُقامَ دولةُ الخلافة في مصر -بإذن الله تعالى عمّا قريب- فإنّ انعكاسات ذلك عملياً سيتجلى بإلغاء الحدود مباشرةً مع ليبيا والسودان وتشاد وفلسطين، ولو من جانبٍ واحد، هذا في حال تأخر انضمام تلك البلدان لسببٍ قاهر، لتكون تلك مقدمة لضم ما يليها من البلدان الإسلامية، حتى تشمل البوابتين الشرقية والغربية للعالم الإسلامي، من جاكرتا إلى الدار البيضاء. ما يعني حرية التنقل من غير قيد، وبدون أي شرطٍ ساقطٍ شرعاً، كدعوى الحاجة لتصريح إقامة أو تأشيرة دخول للمسلم في بلاده – حتى وإن كان حاجاً لبيت الله الحرام!!  هذا فضلاً عن الاستغناء عن جواز السفر أصلاً، وهو الأمر الذي إن احتيج إليه للانتقال إلى خارج دولة الخلافة، ينبغي أن يتمّ على أيسر الوجوه وأسرعها، ويكفي في الحالة الطبيعية شاهدان والسلام. أما بالنسبة للتابعية " الجنسية"، فإنّ تحصيلها يتحقق بمجرد إعلام الوافد من المسلمين الدوائر الرسمية نيته الإقامة الدائمة في دار الإسلام، التي تمثلها دولة الخلافة.

 

وبهذا يتبين أن أزمة الحدود والهوية والتنقل التي تحياها الأمة هي مصطنعة كأغلب أزماتها الأخرى، وإيجاد الخلافة يعني مباشرة تقليص تلك الأزمات إلى الحقيقي منها فقط. كما يتم رفع القيود والأعباء عن كاهل الناس، فلا ضرائب ولا ابتزاز وظيفي، فضلاً عن حرمة التجسس والتعذيب والاعتقال المتعسف، مع إلغاء رسوم العمارة أو التجارة أوحركة تنقل البضائع. وهكذا تبدأ أولى خطوات التنمية والارتقاء بالانطلاق حقّاً، بعد كسر قيود الاستعمار المشؤوم.

 

ومع إعلان الخلافة، يتلاشى الفساد المنهجي والمنظم، لسيادة قيم وقوانين ونظم ومفاهيم جديدة في المجتمع، ولاختفاء مسببات مظاهر الفساد المضطردة على كافة الأصعدة، ليحل محلها عملية تنمية وبناء ونهضة حقيقية، تؤمن بها الأمة وترنو لتحقيقها، بخاصة إثر مشاهدتها استقلالها عن الغرب ماثلاً للعيان أمامها، بل وستكون مستعدة للتضحية في سبيلها بالغالي والنفيس، بعد كل ما شهدته من ضنك وشقاء في ظل الأنظمة الحالية. وبدلاً من الإهمال المقصود في كافة شؤون حياتها الأساسية اللازمة، كالطبابة والتعليم والمواصلات والاتصالات وما إلى ذلك، والتي يشعر المرء أنه يعاقب من خلالها، لمجرد كونه منتمياً إلى أوطانٍ بنظم متخلفة عميلة وصلفة، ما يدفع أكثر الناس للتفكير بالهجرة وطلب اللجوء، حتى ولو في بلاد الإسكيمو وآيسلاند. بينما نرى أن النظام الشرعي والسياسي في الإسلام يكفل إشباع كافة الحاجات الأساسية بنظامٍ فريد، سواء من جهة المعيل وذوي الأرحام، أو من جهة الدولة، على وجه الوجوب من قبلها والاستحقاق من قبل الأمة والمعوزين، من غير أية منة.

 

 ويأتي سرد هذه الأمور من باب تبيان المفارقة، وللدلالة على عظم معنى تطبيق الإسلام وعدل نظامه، وهي ليست من قبيل الإغراء السياسي البتة، حيث أن جملة ما ذكرناه، إنما هو عبارةٌ عن أحكامٍ شرعية منصوص عليها في كتاب الله وسنة رسوله، ينبغي تطبيقها وإحياؤها، لأنها وحدها سبب حياة الأمة وعزتها ونهضتها في هذه الحياة. يقول الله تعالى " يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم".