الفتوى الإفرنجية في الحادثة اللندنية

2\3

 

 

بقلم:د . يحيى هاشم حسن فرغل

yehia_hashem@ hotmail .com

http://www.yehia-hashem.netfirms.com

 

ذكرنا في المقال السابق مقال الصحفي الشهير باتريك سيل في حوادث لندن الأخيرة في 7\7\2005 الذي كدنا أن نسميه الفتوى الإفرنجية لسطوع كلمة الحق فيه

ثم ذكرنا أن النظر الشرعي في وضع المدنيين أثناء القتال يتطلب النظر أولا في مقدمتين ثم النظر في الأحكام الفقهية الواردة في الموضوع وطرح النتيجة في الختام

وذكرنا المقدمة الأولى التي تتعلق ببيان الحرب الشاملة التي يشنها الغرب حاليا كما كان يشنها سابقا على الإسلام بجمع أطيافه وأتباعه

 

وأما المقدمة الثانية اللازمة  فأعني بها  التطور الجذري الشامل الذي طرأ على وسائل القتال وأدواته ، وبخاصة إذا لاحظنا أننا نتكلم عبر تطور قيمي وحضاري وتكنولوجي امتد لعشرات القرون ، انتقلت فيه الإنسانية من حضارة إلى حضارة أخرى ، واصطحبت معها تغيرا في الثقافة المساندة  ، ومن المسلم به أن الحضارة إذ تتطور بسرعة أكبر من ثقافتها – بفعل القفزات التكنولوجية المفاجئة - يصبح من الخطأ إصدار بعض الأحكام القيمية لها أو عليها من خلال الثقافة التي تم انفصال الحضارة عنها

ومن ثم فإن الفقه الاجتهادي في الإسلام يواجه اليوم بتحد بارز في هذه القضية ، نظرا لاستحالة تحقيق الشروط الأخلاقية الإسلامية  في الحرب " القذرة " الحديثة في سياق الحضارة المعاصرة ، وهي حرب لم تعد أسلحتها تعتمد على الطابع الأخلاقي أصلا ، كالشجاعة والشرف والمواجهة والمروءة والرجولة والمهارات الجسدية  والإنفاق الشخصي ، تلك الأسلحة التي كانت تتطابق مع تقنية ميدان المعركة نفسها ومنها تقسيم الجيش إلى صفوف تتواجه خارج التجمعات السكانية

وإنما هي مجرد عمليات تدمير من بعيد في الغالب وبالدرجة الأساسية وفقا لوصف الأستاذ محمد حسنين هيكل في جريدة السفير في 1/7/2003 حين قال عن الحروب الأمريكية الحديثة: إن الحروب أصبحت ومضات واشارات علي الشاشات ، تضيء وتبرق دون أن تظهر للعيان مأساة الحياة والموت وراحت قيادات الجيوش  تمارس القتل من بعد مئات الاميال وآلافها .. وبذلك فان الطابع البشري للحرب شحب وغاب

 

وهي حرب تعتمد اليوم على المستوى الأعلى  من التقدم العلمي التكنولوجي ، في الاقتصاد والاتصالات والتنظيم والإدارة والخبرة والتجسس ،  والهندسة ، والجندي المدرب على الآلة ، المعبأ نفسيا ضد عدو لا يعرفه ، والذي يضرب مالا يراه ولا يحس به ، كما تعتمد على الصواريخ  التي يساوي واحد منها دخل مدينة ، و الطائرات التي تساوي واحدة  منها دخل إمارة ، والقنابل التي تساوي واحدة منها دخل دولة ، وميزانيات الدولة للحروب التي تبلغ – في الولايات المتحدة – هذا العام 2004 أكثر من أربعمائة مليار دولار ، تم دعمها بمثلها

كما تعتمد أساسا على أسلحة الدمار الشامل ، ونسف كل المحظورات والحرمات  بتدمير المساجد والمنازل والمستشفيات والمدارس بدعوى اختباء المطاردين بها ، وتدمير المدن ومراكز الطاقة والمصانع والجسور وخطوط الاتصال والمواصلات والإنتاج والتوزيع والبورصة والنقد ، وتجميد الأموال لعشرات السنين ،  – أو سرقتها على الأصح – ومصادرة أموال الجمعيات الخيرية ، وعقد الاتفاقيات من أجل خرقها عند أول منعطف ،  وبث الذعر في صفوف الجماهير إلى حد يمكن فيه تحويلهم  إلى أداة تعمل في صالح العدو نفسه ، ، وهي أوضاع تختلف جذريا عما كانت عليه قبل التقدم العلمي الحديث ، بحيث أصبح التقيد المطلق بأخلاقيات الحرب القديمة يعنى التحالف مع الهزيمة ابتداء

 

لقد تطورت الحرب الحديثة تحت لواء التقدم العلمي التكنولوجي الهائل الذي أحرزته الدول الكبرى ومن يليها إلى حرب ليست لا تبالي فقط بضرب الأبرياء من المدنيين بل هي تجعلهم هدفها الأول والرئيس ، تحت ستار ما أصبح يسمى - من باب التزييف أو النفاق والمصطلحات المزورة التي أصبحت بحد ذاتها سلاحا من أسلحة المعركة -  : تدمير البنية التحتية للعدو في المواصلات والمياه والكهرباء والإعلام ووسائل المعيشة ،  والروح المعنوية للشعب

 

فهو يضرب المساجد فإذا قيل باندهاش ساذج واستنكار أبله : كيف ؟ قالوا : لأنها تختبئ فيها عناصر المقاومة ، ويضرب المدارس فإذا قيل : كيف ؟ قالوا  تختبئ فيها عناصر المقاومة ، ويضرب المستشفيات فإذا قيل : كيف ؟ قالوا  تختبئ فيها عناصر المقاومة ، ويضرب سيارات الإسعاف فإذا قيل : كيف ؟ قالوا  تختبئ فيها عناصر المقاومة ،، ويضرب المساكن فإذا قيل : كيف ؟ قالوا  تختبئ فيها عناصر المقاومة ، ويضرب مراكز الإعلام  فإذا قيل : كيف ؟ قالوا  تختبئ فيها عناصر المقاومة ،الأمر الذي جعل من وزراء دفاعهم ، وقادة جيوشهم  طبعة عصرية من كبار السوفسطائيين ، و لم يترك – عمليا – أي معنى لمصطلح الحرمات والمحرمات والمحظورات والممنوعات في أي قانون أو اتفاق ، ولتذهب  اتفاقية جنيف وحقوق الإنسان لتشرب من نهر المسيسبي أوالأمازون الذي شرب منه الهنود الحمر حتى الموت من قبل .

وقد بدأ هذا التطور منذ الحرب العالمية الأولى واستشرى بعد ذلك وما يزال يستشري ، وهي نتيجة حتمية لتطور وسائل القتال الحديثة ، ولقد ذهب  – ربما إلى غير رجعة - أسلوب القتال في العصور الحجرية القديمة والعصور الوسطى " المتخلفة " {!! } الذي كان يعتمد على المواجهة بين صفوف القتال في أرض المعركة ، فإذا انهزم الجيش انتهت الحرب ، أما في التطور الحديث فقد انقلب الترتيب وأصبحت المعركة تبدأ أو تتطور إلى ضرب المدنيين أصلا فإذا تحطمت المدينة انتهت الحرب .

وهذه شهادة " شاهد من أهلها " في  مقال عنوانه ( ثلاثة وتسعون عاماً من قصف العرب بقنابل غربية ) بقلم الكاتب الأسترالي:غافن غاتينبي يقول فيه :

( في العراق لا تمر أيام قليلة من دون ان تقصف قوات الجو الأميركي مواقع مدنية. ومن أفظع الحوادث تلك التي وقعت في أيار (مايو2004 ) الماضي، حين أطلقت … النيران على عرس، مما أدى إلى مقتل 45 شخصاً بينهم أطفال ومطرب محبوب جداً. إلا أن هذه الحوادث تقع في شكل يومي في مدن أخرى كالنجف وسامراء والفلوجة، ومناطق أبعد من أن يطالها الإعلام. والتفسير ( إذا أعطي، لأنه نادر ) هو دائماً إنها ضربات محددة ضد إرهابيين، وهي الكلمة الجديدة التي تطلق على المقاومين . لكن الجرحى الذين نقلوا إلى المستشفيات والجثث التي رقدت في مشارح المدينة تعود بغالبيتها إلى نساء وأطفال.

ولم تجد التفسيرات الأميركية صدى مقبولاً في الشارع العربي الذي اعتبرها إضافة جديدة إلى معاداة الغرب للعرب، وهي نظرة صحيحة في العمق.

قد يرفض الغربيون هذه المقولة، إلا أنهم قبل أن يقدموا على ذلك يجدر بهم مراجعة معلوماتهم العامة:

فلنطلب منهم تسمية المدينة الأولى في العالم التي تعرض المدنيون فيها لقصف جوّي عشوائي. لا شك في أنهم سيسمون غيرنيكا، المدينة الباسكية التي أحالها الفيلق الألماني رماداً إبّان الحرب الأهلية الأسبانية. وإذا أسعفتهم ذاكرتهم التاريخية قد يضيفون أن الحادثة وقعت في العام 1937، مستشهدين بلوحة بيكاسو الشهيرة التي تصور المأساة.

إلا أن هذه الإجابة خاطئة، وهي تعكس النظرة الأوروبية للتاريخ المتمحورة حول الذات ، والتي كانت وراء إنتاج طبقة سياسية تستخف بالمشاعر القومية لدى الآخرين وغياب الثقة المتبادلة مع الغرب، وهو ما أدى إلى انزلاق التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة إلى المستنقع العراقي.

في الواقع الإجابة خاطئة منذ أكثر من ربع قرن. فالقصة بدأت مع الإيطاليين الذين رفضوا التخلي عن الإمبراطورية الأفريقية.

وفي العام 1911، عارضت القبائل الليبية العربية الاجتياح الإيطالي، وكان مدنيوها أول من قصف جوّاً عندما أمطر سلاح الجو الإيطالي طاغورة وعين زارا بالقنابل.

تلاهم الفرنسيون العام 1912، بإرسالهم 6 طائرات في "مهمة بوليسية" الى المغرب

وسرعان ما اكتشف الطيارون أن هذا النوع من التقنيات ليس محدداً وإنما هو مجرد قصف عشوائي ضد أهداف مدنية ومدن وأسواق وأهراءات.

وفي العام 1913، بدأ الأسبان يقصفون المتمردين المغربيين بقنابل – شظايا. وفي السنوات اللاحقة تدرجوا الى الغاز السام.

أما البريطانيون الساعون إلى قمع الحركات القومية في امبراطوريتهم الشاسعة، فلم يتأخروا في اللحاق بأقرانهم. ومنذ العام 1915 بدأت القوات الجوية الملكية تقصف قرى إقليم باثان على الحدود الشمالية الغربية للهند. وفي أيار 1919 هاجموا مدناً في أفغانستان، وأسقطوا ستة أطنان من القنابل على جلال أباد ونفذوا عملية في دكا استمرت من الفجر الى الغسق ، وأوقعت 600 قتيل. وقدمت الحكومة البريطانية قنابل الغاز السام إلى حاكمها في الهند، إلا انه لحسن الحظ، رفض هذا العرض.

وفي مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى، حين بدت السياسات التقشفية كأنها الضربة القاضية للقوات الملكية البريطانية، اقترح "الصبية المجنحون" إجراء اختبار في أنهم إذا تمكنوا من قصف زعيم قبيلة صومالي يلقب بـ"الملا المجنون" وإخضاعه بنصف العتاد الذي كان يستخدم في توغل بري، سينجون بأنفسهم. ونجحت الخطة إلى درجة أن وينستون تشرشل طلب والسعادة تغمره من القوات الجوية شن حملة على العراق المتمرد، الذي كانت بريطانيا انتدبت عليه بتوكيل من عصبة الأمم ،  وفي عهد آرثر هاريس "المحارب" أخذت القوات الجوية الملكية تنفذ عمليات "القصف البوليسي" ضد عراقيين عربا وأكرادا بحماسة ومنهجية.

وفي العام 1922 لجأ البريطانيون إلى القنابل الفوسفورية والسريعة الانفجار، وهي أشكال بدائية من النابالم ، والالغام المضادة للافراد، والقنابل العنقودية التي تقتل وتشوه، والمحرقة لإضرام النار في الأهراءات. حتى إنهم استعملوا الألغام التي تحمل راصداً للظلمة لمنع المزارعين من الحصاد ليلاً. ولكن، عندما وقعت ضحيتها مجموعة من النساء والأطفال كانوا قد اختبأوا في بحيرة أثار ذلك اعتراض تشرشل المولع بالحرب.

وفي مناسبات أخرى استخدم القصف الجوي لمعاقبة فلاحين معدمين على تغيبهم عن جلسة تبرير عدم دفعهم الضرائب. وفي العام 1924 في مشروع قانون رفع إلى البرلمان (مع ملحق بصور لما كان يسمى قرية كوشان الاجازة) برهن هاريس أن القوات الجوية الملكية قادرة على محو قرية عراقية بكاملها وثلث سكانها في 45 دقيقة.

وكان العام 1925 عاماً مميزاً، إذ قصفت فرنسا قرى سورية وأجزاء من دمشق . ولعل أسوأ ما حصل قبل حادثة غيرنيكا هو حادثة شيشاون ، البلدة المقدسة في المغرب الأسباني ، حين قامت طائرات أميركية "مرتزقة" لسلاح الجو الفرنسي بقصف المدينة انتقاماً لهزيمة نكراء لحقت بالأسبان وأجبرتهم على الانسحاب. ووصفت صحيفة "لندن تايمز" في ذلك الوقت الحدث بأنه "الأشنع والأكثر وحشية وعشوائية في الحرب كلها"، وكتبت في خبرها أن الضحايا " نساء وأطفال عزل ذبحوا فيما تم تشويه آخرين ببتر أعضائهم وإعمائهم".

ولقد استمر الوضع حتى جاءت الحرب العالمية الثانية، ثم حرب الثمان سنوات بين فرنسا والجزائر، واحتلال إسرائيل الأراضي الفلسطينية، وقصف العراق بعد فرض عقوبات..) المصدر جريدة الشعب الألكترونية بتاريخ 3\9\2004 نقلا عن جريدة الحياة

 

ونحن ما نزال نذكر عدد القتلى في الحرب العالمية الثانية الذي بلغ أربعين مليونا – فهل كان هؤلاء من العسكريين ،؟  كما يزال كثير منا  يذكر المعارك المؤثرة في مجريات الحرب العالمية الثانية بتدمير المدن الرئيسية الكبرى مثل لندن وبرلين وغيرها ، وما نزال نذكر كيف أن الضربة الحاسمة في انتصار الغرب الديموقراطي في الحرب العالمية الثانية كانت بتدمير مدينتين كبيرتين في اليابان هما هيروشيما ونجازاكي ، واليوم يِـُضرب العدو المسلم مدنيا في كل مكان عله يركع أو ( يتبع ملتهم ) في الشيشان والبوسنة والهرسك وكوسوفو ، وأفغانستان وجينين فلسطين وفلوجة العراق إلخ

 

إننا نظلم الحقيقة والإسلام معا إذا وقفنا هنا لنتحدث عن المثل العليا ، دون أن نلتفت إلى  ما يمارسه أعداؤه  – في واقع الساحة الدولية بعامة – من نكسة حضارية بتدمير المدن ، وقتل مئات الآلاف من غير المحاربين في طلقة نووية واحدة ، تقتلهم عند الإطلاق ،  كما تقتلهم بعد الإطلاق بعشرات السنين ، وضربهم باليورانيوم : في مخادعهم التي عليها ينامون ، وقتلهم بهوائهم الذي يتنفسون ، وتسميمهم بمائهم الذي يشربون ، ونشر الإشعاع القاتل في بيئتهم حتى خارج حدود إقليم الحرب ، وكما يجب أن نلتفت إلى ما يجري من جيش إسرائيل المسلح بأحدث الأسلحة الأمريكية ضد أطفال الانتفاضة الفلسطينيين وشبانهم الذين لا يملكون من الأسلحة غير الاستشهاد ، وما يقوم به  العدو الأمريكي من حصار تجويعي ، واغتيالات للأفراد ، وتصفية دماء الجرحى  ، والحيلولة بينهم وبين العلاج حتى الموت ، ، وقتل متعمد للأطفال ، والنساء والشيوخ في مخادعهم ، والمرضى في أسرتهم ، ، وتجريف المزارع  ، وتدمير البيوت والطرق ، وتخريب مصادر الماء والطاقة والإنتاج ..

وفي الأهرام بتاريخ 14\6\2004 أنه : ( ذكرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية أمس أن الطيران الأمريكي شن خمسين غارة فاشلة علي الأقل في الشهرين الأولين لاندلاع الحرب في العراق العام الماضي‏،‏ تستهدف مسئولين سابقين في نظام الرئيس المخلوع صدام حسين‏،‏ ولكنها تسببت ـ ربما بسبب معلومات مخابراتية خاطئة ـ في سقوط عدد ضخم من المدنيين العراقيين ما بين قتيل وجريح‏.‏

وفي آخر المعلومات حول فضيحة التعذيب‏ بالسجون والمعتقلات ،‏ ذكرت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية أمس أن وسائل تعذيب الأسري العراقيين في سجن أبوغريب يطبقها الجيش الأمريكي منذ حرب فيتنام‏،‏ حيث وردت في دليل إرشادي أو كتالوج أعدته وكالة المخابرات المركزية سي‏.‏آي‏.‏إيه في عام‏1963.‏ وقالت الصحيفة‏:‏ إن الكتالوج تم تطبيقه بالفعل في أفغانستان‏،‏ وسجن جوانتانامو في كوبا‏،‏ وأخيرا في العراق‏،‏ والوسائل الواردة فيه هي نفسها التي طبقت في سجن أبوغريب‏.‏)

ولنقرأ ما كتبه الأستاذ خالد محمود في جريدة الأسبوع بتاريخ 16\2\2004 تحت عنوان "فرقة مقاتلة المدنيين!" : (  ما نشرته 'جينز دفنس ويكلي' في عددها الأخير من أن البنتاجون أفرد في خطته منذ ثلاثة أعوام في الحرب علي العراق بابا أساسيا ­ بقوات وتشكيلات واستعدادات ­ لقتال المدنيين في الأزقة والفناءات وغرف النوم.. قالت الدورية العسكرية المتخصصة : إن مؤسسة العسكرية الأمريكية رتبت بعد تجربة الصومال وتحت إشراف مركز 'أدبو' وبالتعاون مع مؤسسة 'داند' مؤتمرا بهذا الخصوص انتهي عمليا ببناء قرية 'شوفارت جوردن' للتدريب علي العمليات العسكرية في الأراضي المدنية، ثم قرية 'زوسمان' في فورت نوكس في كنتاكي وفي أماكن أخري ­ في بريطانيا وعدد من دول الناتو.

ويكشف التقرير عن ثلاث شركات متعددة الجنسيات دخلت حلبة الملعب مع البنتاجون لتطوير تقنيات غير مسبوقة لمحاربة المدنيين تعتمد علي آخر صيحة في العلوم الاتصالية والديجيتال هي شركة 'فاير ارمز تريننج سيستمز'، وشركة 'تاليس' الفرنسية، وشركة 'إيه آي اس'، كما يكشف عن تعاون شركة 'بارامونت' للإنتاج السينمائي ­ مع هذه الشركات للوصول إلي أفضل النتائج للقضاء علي " العدو المدني".)

يقول الأستاذ خالد : ( لم يدر بخلدنا أن العدو قادم من منابع فكرية وأخلاقية غير مسبوقة السفالة، وأنه أقذر مما كنا نتوقع مليون مرة ، وأنه ليس قادما لإطاحة شخص أو قلب نظام وإنما لتدمير جيش وتخريب وطن وتغيير معادلات سكان بالتأليب والفتن والحرق والإبادة الجماعية ونزف الثروات والتصحير الحضاري ، وهذا كله ما كان يمكن أن يتم إلا بفكرة لم ترد علي ذهن الشيطان :

أولها قصف وردم العراق علي من فيها دون تمييز وتسريح جيشها ودولتها وفكرتها. !! )

 

وشهد شهود من أهلها : فهاهم حاخامات يهود يبيحون سفك دم الفلسطينيين حتى لو كانوا مدنيين - وفق هآرتس 8/9/2004 – إذ (  قررت مجموعة حاخامات ورؤساء المدارس الدينية النظامية، معظمهم من المستوطنين، في بيان رأي بعثوا به أمس 7\9\2004 الى قادة جهاز الأمن الاسرائيلي أنه "ينبغي تفضيل المس بسكان فلسطينيين وإن كانوا أبرياء، على مس بجنودنا". وقد وقع البيان سلسلة من الحاخامين المعروفين، بينهم الحاخام دوف ليئور من مستوطنة (كريات أربع - الخليل)، والحاخام حاييم دروكمن (المدرسة الدينية النظامية اور عكيفا ورئيس المدرسة الدينية النظامية أورعصيون) والحاخام يوفال شارلو (المدرسة النظامية في بيتح تكفا)، والحاخام تسفنايا دروري (كريات شمونه) وغيرهم.

ويتوجه الحاخامون ضد النظرية القتالية للجيش الاسرائيلي وضد "وضع يعرض فيه الجنود حياتهم للخطر للامتناع عن مس بسكان فلسطينيين أبرياء ، في محيطهم يختبىء مخربون". {!!} وضمن أمور أخرى كتب الحاخامون يقولون: "نحن ندعو حكومة إسرائيل والجيش الإسرائيلي إلى العمل حسب قاعدة "من يأتي ليقتلك اسبقه واقتله".

وفي أوساط السياسيين من اليمين أيضا يوجد تأييد لذلك. فرئيس لوبي المستوطنين في الكنيست، يحيئيل حزان من الليكود يقول: "محظور تقييد أيدي الجنود. إذا لم نضرب المخربين في كل مكان سُيقتل أبرياء في أوساطنا". والنائب تسفي هندل من الاتحاد الوطني يقول: "أنا فخور بالحاخامين. كانت لديهم القوة لأن يقولوا الحقيقة الإنسانية الأكثر أساسية" هكذا !! .

 

ويعلق الأستاذ  فهمي هويدي في مقاله بالشعب بتاريخ 18\9\2004 على فتاوى الخامات أعلاه  فيقول وهو بصدد معاتبته لسلبية بعض الجهات الإسلامية  : ( ثمة تأصيل «شرعي» لإبادة العرب الفلسطينيين مستقر في الثقافة الاسرائيلية، يتعين الانتباه إليه ….. لأن له أصولا في الثقافة التوراتية ، وهذا ما أكده اسرائيل شاحاك، الناشط الاسرائيلي المعروف في مجال حقوق الانسان، حين قال في دراسة له عن « الترانسفير : اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم وطردهم في العقيدة الصهيونية» :  ……..هناك  عدد كبير من الآيات التي توصي بذبح الأطفال الصغار وإن كانوا من سجناء الحرب ….. .. بل إن بعض الإخصائيين الإسرائيليين من أكثر المتبحرين في التوراة والأكثر نفوذا ـ مثل يحزقيل كوفمان ـ يعتقدون أن عمليات الإبادة قد حدثت بالفعل ، ويبرهنون على وقوعها في عدة مؤلفات علمية.

وأورد إسرائيل شاحاك نصوصا وشواهد أخرى عديدة أبرزت الفكرة التي سلط الضوء عليها ، وكان من بين الخلاصات التي انتهى اليها قوله: انه بات من الصعب جدا أن نجد حاخاما إسرائيليا ذا وزن ألقى في يوم من الأيام كلمة توحي بالعدالة أو الرأفة تجاه العرب .

وهو أمر لا غرابة فيه، فإذا كانت الإبادة هي الأصل ، فإن أي إشارة الى العدالة أو الرأفة تجاه غير الاسرائيليين تعد لغوا لا محل له .) المصدر جريدة الشعب الألكترونية بتاريخ 19\2004

….

هذا وإن للمسألة بعدا آخر يضيف إلى عنصر العقيدة عنصر التقنية والمصطلحات ويظهر من ثم  أهمية مراجعة المراد بـ " المدنيين " في ظل تطور التكوين الحديث للجيوش ، والجيش الأمريكي على وجه الخصوص :

وفي هذا الصدد بين الدكتور ثائر دوري في مقاله بجريدة الشعب الألكترونية بتاريخ 10\9\2004 أن من نسميهم مدنيين في صفوف العدو الإسرائيلي فإنهم يعملون في وظائف عسكرية بجيش الاحتلال ، وهي مما يقوم به العسكريون عادة بالجيوش الأخرى ، إذ - وبناء على تعليمات صدرت قي التحضير لحرب العراق بما يسمى خصخصة الجيش - : ( يعمل في العراق اليوم ثلاثة أنواع من المرتزقة :

1- مرتزقة يقومون بأعمال ظاهرها مدني لكنها في صلب الأعمال العسكرية ، مثل الذين ينقلون المؤن و الإمداد للقوات الأمريكية . أو يقومون بتحضير الطعام و أعمال تنظيف المعسكرات و غسيل الثياب .

2-  النوع الثاني من المرتزقة : هم من يقومون بأعمال الحراسة و الاغتيال و التفجير .

3- النوع الثالث و يمكن أن نطلق عليهم اسم المرتزقة الرسميين و هم الجنود الموعودون بالحصول على الجنسية لقاء الخدمة في الجيش الأمريكي .)

ثم يتساءل الكاتب : ( فهل هذه الفئات الثلاث تصنف ضمن فئة المدنيين الذين يجب أن لا تطالهم الأعمال العسكرية ؟ . سؤال نوجهه لهؤلاء الذين لا يكفون عن التهريج و لا يذكرون الحقائق كاملة و للأسف فإن عددهم كبير و يتصدرون البرامج الحوارية و هم من تتصل بهم الفضائيات…)

وإنه ليضاف إليهم صنفان :

4- المستوطنون الذين سكنوا الأرض بقوة السلاح وما يزال وجودهم بها على هذا النحو : طردا لأصحابها الأصليين وتحويلهم إلى لاجئين .

5-  المدنيون العاملون في خدمة العدو، والذين تم إنذارهم بالخروج من أرض المعركة

وكما يقول  الدكتور القرضاوي في قتل المدنيين : نقلا عن المركز الفلسطيني للإعلام

( والمجتمع الصهيوني مجتمع عسكري، رجاله ونساؤه جنود في الجيش، يمكن استدعاؤهم في أي لحظة. وإذا قتل طفل أو شيخ في هذه العمليات، فهو لم يقصد بالقتل، بل عن طريق الخطأ، وبحكم الضرورات الحربية، والضرورات تبيح المحظورات.)

 

*****

 

 

 

 

هذه الحقيقة بكل بشاعتها وسطوتها وديمومتها يجب أن توضع على مائدة البحث - بجوار  الحقيقة الأولى التي تصور بحق أن حربا عالمية أعلنت على المسلمين في كل مكان -  قبل الكلام عن الحكم الشرعي بتحريم أو عدم تحريم ضرب المدنيين الأبرياء من جانب واحد . . ولقد تطور الأمر إلى أن صار قتل المدنيين في الحروب  من مفاخر الحضارة الغربية المعاصرة !!

 

وما ذكرناه سابقا  لا يصح أن يعني أن أحكام الشريعة الإسلامية بتحريم قتال غير المقاتلين أصبحت عاجزة عن مواجهة الموقف الحديث والتشريع له وفقا لأصولها وثوابتها ، وإنما يعني أن الحكم المطلوب يجب أن ينظر في ضوء هذه التطورات الجذرية دون اغترار بنوع من المثالية التي تعبر عن نفسها بدوافع ذاتية تخضع للزاوية الفكرية أو الثقافية أو الاجتماعية   التي ينطلق منها أصحابها : يجملون بها وجوههم أمام الرأي العام المحلي أو العالمي وهم يحسبون انهم يجملون شريعة هي بجمالها في  غنى عن كل تجميل ،  أو بدوافع من حسن النية لكنها في النتيجة الواقعية تعني شل المسلمين عن ممارسة الحرب في العصر الحديث ، عندئذ لا يكون أمامهم إلا أن ينهزموا قبل أن يبدءوا القتال .  !! .

 

وفي مقام تحليل الدوافع التي تحرك كلا من الطرفين نحو التضحية بالنفس وما يسمى الاستشهاد تارة والانتحار تارة أخرى في هذه الحرب الضروس الدائرة بين الطرفين نكتفي بأن نستشهد ببعض  مقال الأستاذ نشاري الزايدي بعنوان :(  فريدمان السنة وظواهري الأمم المتحدة )

ففي تساؤله :  عن هذه الدوافع يقول :  ( محزن جدا أن يجد المرء نفسه موزعا بين حماقة جزء من الأهل وجهالة بعض من الأجانب!

….

…. فحينما يقول فريدمان مثلا ان كل الانتحاريين – حسب دعواه - مؤخرا من المسلمين السنة، أو يقول في سياق التدليل على جوهرية العلة في الدين الإسلامي إن سبب تجذر القناعة الانتحارية لدى الشباب المسلمين هو لأنهم «تعلموا أن دينهم هو المتفوق»! فهو يساعد دعاة حرب الحضارات، أو بلغة بن لادن والظواهري حرب الفسطاطين، الإسلام والكفر.

ثم إنها ملاحظة تعليلية فقيرة، فهل المسيحي المتدين مثلا لا يحس أن المسيحية هي الخيار الأفضل للبشرية والأكثر تفوقا؟! لو لم يكن الأمر كذلك فلماذا يخرج شباب في عمر الزهور الى مجاهل افريقيا للتبشير الديني؟ ) ثم يقول :

( هناك أسباب أخرى، وأنا هنا لا أبرر فأكره شيء لي تبرير الارهاب – حسب دعواه - ، لكن ضرورة تمحيص فكرة فريدمان تقتضي الاشارة الى ان ثقافة المسلمين السنة موجودة منذ زمن طويل، لكنهم لم يدخلوا الى مدينة الانتحار الديني – حسب دعواه أيضا – إلا مؤخرا، مما يعني ضعف التسبيب الأوحد بالثقافة فهي لم تكن وليدة اليوم، لكن الظروف السياسية والتحولات الاجتماعية هي الجديدة والطارئة، وإحالة الفعل الانتحاري «الآني» - هكذا – إلى سياقها أنسب وأصدق من إحالته إلى سبب ثقافي وحيد وعجيب.) ثم يقول مع رفضنا لوصف الانتحار فيما يخص المجاهدين المسلمين : (

(  أما عن غير المسلمين فلا نريد التذكير بجماعات الانتحار والهوس الديني في الغرب والشرق. فهناك جماعة القس الأميركي «جيم جونز»، في غويانا الذي أقام لأتباعه مزرعة ضخمة وجمعهم فيها، وأباح لهم الجنس والمخدرات، وظنوا أن الحياة داخل هذه المزرعة هي السعادة، وأن هذا هو النعيم المقيم. ولكن بعد فترة أصابهم الإحباط، واستطاع هذا القس إقناعهم بالانتحار، وبالفعل وفي عام 1978 أقدم 918 شخصاً على الانتحار، وكان بينهم كثير من الأطفال وكبار السن.

وهناك طائفة «معبد الشمس» وهي طائفة أخرى من طوائف الانتحار الديني الجماعي، في كندا، وأوروبا خاصة فرنسا وسويسرا.

وهناك جماعة الدجال «ديفيد كورش» صاحب الافكار الغريبة عن الفضاء الذي دخل مع اتباعه مواجهة في مدينة «واكو» بتكساس مع قوى الأمن الأميركية فأقدم 80 عضوا منهم على المواجهة والانتحار في ابريل 1993.

وفي الشرق هناك طائفة «أوم شينري كيو» أو «الحقيقة المطلقة» في اليابان التي اشتهرت عام 1995 بهجماتها القاتلة بغاز الأعصاب على شبكة مترو أنفاق طوكيو ما أسفر عن مقتل 11 شخصا وإصابة آلاف عدة. وقال " هول مانسفيلد" الخبير الأميركي في الديانات البديلة «إن الخطورة أن اتباع هذه الطوائف على استعداد لاستخدام تكنولوجيا الدمار التي تتاح لهم» حسبما ذكر باحث عربي. اذن نحن هنا لا نتحدث فقط عن من يريد الانتحار بنفسه دون قتل الآخرين، بل إنها نفس الطريقة ( …. ) لقتل النفس والآخرين.

ثم يقول مع رفضنا مرة أخرى لوصف الانتحار وخلافه من الأوصاف السلبية الواردة في مقاله فيما يخص المجاهدين المسلمين ( هنا لا يريد الإنسان أن يكابر، فهناك أزمة حقيقية تكمن في عقول هؤلاء الصبية المسلمين السنة الذين يقدمون على العمليات الانتحارية، ولكن يجب أن نتحلى بشيء من العقلانية والانصاف، وان نرى الصورة من كل جوانبها !) نقلا عن موقع شبكة الأحرار بتاريخ 17\7\2005 نقلا عن جريدة الشرق الأوسط

يتبع بإذن الله