لماذا الصدام في غزة؟
بقلم :ماجد عزام
محزنة ومثيرة للغضب
بلا شك الاشتباكات والصدامات المسلحة التي جرت في مدينة غزة بين عناصر من كتائب عز
الدين القسام وقوات الأمن الفلسطينية، وإذا ما عبرت عن
شيء فإنما تعبر للأسف الشديد عن فقدان الاستراتيجية أو
البوصلة الدقيقة على الساحة الفلسطينية والعجز عن التوصل إلى الحد الأدنى من
التفاهم الوطني الذي من المفترض أن يترجم عبر برنامج سياسي موحد، وبالتالي إطار
وطني عام يعمل على تكريس هذا البرنامج على أرض الواقع.
مضيعة للوقت وزائدة
وخارج أي سياق سياسي أو وطني، هكذا بالضبط يمكن توصيف الصدامات السالفة الذكر حيث
إن المعركة الكبرى أم المعارك من غزة قد انتهت أو يفترض أنها كذلك ببدء جيش
الاحتلال بتنفيذ خطة فك الارتباط أو الانسحاب الأحادي الجانب من قطاع غزة وشمال
الضفة الغربية، وبدلاً من العصف الفكري والتخطيط الاستراتيجي لمواجهة تداعيات
الانسحاب الأحادي، إذا بالأطراف الفلسطينية تقتتل في خطوة لا تخدم إلا السياسة
الإسرائيلية وخطة فك الارتباط التي ابتدعها شارون لتحويل الخسارة من غزة إلى
انتصارات في الضفة الغربية أو حتى في غزة نفسها.
الصدام المؤسف في غزة
يستوجب تذكر واستحضار النقاط التالية:
أولاً: إنه نتيجة
طبيعية للتوتر المتصاعد على الساحة الفلسطينية في الفترة الأخيرة وتحديداً منذ
الانتخابات البلدية الأخيرة التي فازت بها حركة حماس
وحاولت أطراف قصيرة النظر في السلطة وفتح سرقة وتمييع هذا الانتصار وتجاهل
التداعيات السلبية الهائلة لهذا الأمر على الساحة الفلسطينية.
ثانياً: إن الصدام
نتيجة طبيعية للتلكؤ في إجراء الانتخابات التشريعية التي كان من المفترض إجراؤها
منتصف تموز الحالي وتم تأجيلها لرغبات سلطوية وإسرائيلية وإقليمية ودولية، تلك
الانتخابات كان من المفترض أيضاً أن تعزز واقعاً جديداً وتضخ حيوية كبيرة إلى
الساحة السياسية الراكدة بحيث تتمكن من ابتداع الحلول المناسبة للمعضلات التي
تواجهها القضية الفلسطينية.
ثالثاً: الصدام نتيجة
طبيعية لغياب الحوار الوطني الجدي والفعال من أجل التوصل إلى توافق وطني ولو بالحد
الأدنى لمواجهة المرحلة الحالية واستحقاقاتها، وبدلا من أن يتم تنفيذ إعلان
القاهرة الذي نص على إعادة إحياء منظمة التحرير وتشكيل لجنة وطنية لهذه المهمة،
لجأت السلطة إلى التذاكي والفهلوة عبر اقتراح تشكيل حكومة الوحدة الوطنية التي
هدفت إلى إغراق الآخرين في وحل السلطة وفسادها ومشاكلها السياسية والأمنية وليس
الخروج بالشعب الفلسطيني من أحواله المأساوية الاقتصادية والاجتماعية والأمنية.
رابعاً: إن الصدام
نتيجة طبيعية لعدم التوافق على الحد الأدنى من الفهم والاستيعاب لخطة أرييل شارون الأحادية القاضية بالانسحاب من قطاع غزة وشمال الضفة
الغربية، الخطة التي تعتبر في جوهرها هروباً من ضربات المقاومة ومحاولة لتحويل
الهزيمة في غزة إلى انتصار في الضفة الغربية واستغلال الغبار الكثيف لفك الارتباط
لفرض حقائق جديدة في القدس وغور الأردن وتلال الضفة الغربية والمضي قدماً في جدار
الفصل العنصري، الخطة لحظت كذلك أن الاحتلال الإسرائيلي في غزة زائل لا محالة وأن "إسرائيل"
تحاول فقط الابتزاز والضغط على مصر والسلطة للحصول على أكبر قدر ممكن من الضمانات
والتعهدات الأمنية، وللأسف بدلاً من فهم هذه الحقائق والأهم استيعابها وقراءتها
واستخلاص العبر وبالتالي التوافق على كيفية مواجهتها من الضفة الغربية، إذ بالصدام
يحصل في غزة التي من المفترض أن المعركة قد حسمت فيها لصالح المقاومة التي يجب أن
لا تخدش صورتها بأي حال من الأحوال بصفتها القوة والدافع الأساسي وراء قرار شارون
بالانسحاب من غزة.
عطفاً على ما سبق فإن
المعركة القادمة ستكون في الضفة الغربية لمواجهة التهويد والمصادرة وسياسة الأمر
الواقع الإسرائيلية، وبالتالي يجب على المقاومة عدم إضاعة الوقت والجهد والاستعداد
منذ الآن للمعركة الفاصلة أو الانتفاضة الثالثة بدلاً من الدخول في معارك جانبية
لا تؤدي إلا إلى استنزاف القوى والجهود وهدر الطاقات هباء منثوراً.
سادساً: الصدام جاء
في الوقت الخاطئ وتماماً حيث بدأ العد التنازلي لتنفيذ خطة فك الارتباط عبر
الإغلاق التام ومنع الإسرائيليين من غير سكان المستوطنات من الوصول إليه. وهو
بالطبع مغلق على الفلسطينيين المحاصرين في سجن غزة الكبير. وبدلاً من ترك
التفاعلات الإسرائيلية الداخلية تأخذ مداها وترك المستوطنين يصطدمون مع جيش
الاحتلال ومراقبة ذلك واعتباره نتاجاً طبيعياً لتضحيات المقاومة وصمودها، إذا
بالفلسطينيين في هذا الوقت بالذات يقدمون لشارون الصورة التي يريدها، الاصطدام مع
المستوطنين لا يقارن قياساً إلى الاصطدام الدامي في شوارع غزة.
سابعاً: يجب أن لا
تأخذنا الظنون وحالة الغضب والحزن للتصور أن ما يجري في غزة هو قتال أو نزاع على
من يستطيع فرض إرادته وقبضته على قطاع غزة بعد الانسحاب الإسرائيلي من هناك، ومع
إعطاء الانسحاب القدر الذي يستحقه من الأهمية والاهتمام فإن أكثر من 90% في فلسطين
التاريخية ما زالت محتلة وإذا كان الانسحاب الإسرائيلي المرتقب من 12% في فلسطين
تقريباً يؤدي إلى هذا الصدام فكيف يمكن تصور الانسحاب من الضفة الغربية أيضاً وحتى
من كامل فلسطين إن شاء الله.
ثامناً: الصدام يؤثر
سلبياً وبدرجة كبيرة على صورة الفلسطينيين أمام العالم ويصعّب من مواجهة الدعاية
الإسرائيلية الكاذبة عن عجز الشعب الفلسطيني عن حكم نفسه بنفسه والاحتكام إلى
آليات ديموقراطية وجماهيرية لحل المشاكل والخلافات
الداخلية..
إن ما يجري في غزة
للآسف يدعم وجهة النظر الإسرائيلية أمام العالم أن الانسحاب الإسرائيلي الكامل
والجدي من قطاع غزة والضفة الغربية لن يؤدي إلى قيام دولة فلسطينية حرة مستقلة بل
إلى حرب أهلية فلسطينية تؤثر سلباً على "إسرائيل" والدول المجاورة.
رغم كل المعطيات
السالفة الذكر فإننا على ثقة تامة بأن الوعي الوطني الفلسطيني معطوفاً
على السياسة الإسرائيلية القمعية في نابلس وغزة وجنين سيعيد الكل إلى رشده، الدم
الفلسطيني خط أحمر.