الاقتتال الفلسطيني- الفلسطيني

 

 

 

بقلم :د. أسامة عبدالرحمن

 

يبدو أن السلطة الفلسطينية تخضع لضغوط أمريكية بالغة القوة للجم فصائل المقاومة باسم مشروع التهدئة. ومشروع التهدئة يطلب من المقاومة الفلسطينية عدم القيام بأي أعمال ضد الكيان الصهيوني على أساس أن ذلك يقابله عدم قيام هذا الكيان بأي عدوان على الشعب الفلسطيني، ولعل فصائل المقاومة قد قبلت بهذا المشروع لإعطاء فرصة للسلطة الفلسطينية التي حرصت على التأكيد أن مثل هذه التهدئة ضرورية لبدء المفاوضات مع الكيان الصهيوني، سعياً إلى حل للقضية الفلسطينية وأنه ما لم تكن هناك تهدئة فإنه من المستحيل البدء في أية مفاوضات مع الكيان الصهيوني.

 

ولعل المقاومة تدرك أن الكيان الصهيوني لن يلتزم بعدم العدوان على الشعب الفلسطيني وإن حاول أن يخفف من وتيرة عدوانه في ظل مناخ التهدئة، وكان معروفاً أن قيام الكيان الصهيوني بأي عدوان على الشعب الفلسطيني يعطي حقاً مشروعاً لفصائل المقاومة من الرد عليه، ولكن يبدو أن وطأة الضغوط الأمريكية على السلطة الفلسطينية أكبر بكثير من المتصور.

 

ويبد أن هذه السلطة تذعن لهذه الضغوط الأمريكية مقابل الوعود التي تقدمها الولايات المتحدة. ولذلك فإن السلطة الفلسطينية تحاول أن تلجم فصائل المقاومة حتى لو قام الكيان الصهيوني بأي خرق لمشروع التهدئة ومارس أي عمل عدواني على الشعب الفلسطيني وهذا يخالف منطق التهدئة بل وأي منطق. إذ من حق المقاومة أن تقوم بأعمال ضد الكيان الصهيوني طالما أعطى لنفسه الحق في القيام بالاعتداء على الشعب الفلسطيني.

 

إن السلطة الفلسطينية بهذا الموقف الذي تتخذه رضوخاً للضغوط الأمريكية ستؤدي إلى كارثة إذ من المستحيل أن تفرض هذا الموقف على فصائل المقاومة وهي بموقفها هذا إنما تخسر ورقة أساسية حتى على طاولة المفاوضات إن بدأت فعلاً لأن المقاومة ورقة أساسية في أي معارضة للوصول إلى حل للقضية الفلسطينية وفق الرؤية الصهيونية الأمريكية. وأي ورقة لدى السلطة الفلسطينية في المفاوضات مع الكيان الصهيوني غير الرهان على الوعود الأمريكية وهي وعود أمريكية صهيونية لن يجني الشعب الفلسطيني منها إلا الفتات على أرض محدودة المساحة مقطعة الأجزاء مسلوبة الإرادة والقوة.

 

ولعله من المعروف أن الاختلاف بين فصائل مسلحة سيؤدي إلى اقتتال بينها وفي مثل هذا الوضع يصبح الاقتتال فلسطينياً  فلسطينياً، وهذه طامة كبرى يتمناها الكيان الصهيوني وتتمناها الولايات المتحدة على اعتبار أن فصائل المقاومة سيصفي بعضها بعضاً، وتندثر المقاومة الفلسطينية الباسلة التي سطرت سجلاً حافلاً بالنضال والصمود وأرهقت الكيان الصهيوني رغم قوته وعتاده وكل الأسلحة المتطورة التي تمده بها الولايات المتحدة.

 

وهذا الاقتتال الفلسطيني- الفلسطيني سيكون وبالاً على الشعب الفلسطيني وعلى القضية برمتها. ولذلك فإن السلطة الفلسطينية قد ارتكبت خطأ فادحاً في الرضوخ الكامل للضغوط الأمريكية والانصياع التام للإملاءات الأمريكية للجم المقاومة تماماً ومنعها من الرد على أي اعتداء للكيان الصهيوني، وهذا ما يحقق هدف هذا الكيان وهدف الولايات المتحدة لكي تستسلم المقاومة ويحظى الكيان الصهيوني بالأمن الذي ينشده، وسيكون الخطأ أكثر فداحة إن حدث اقتتال فلسطيني- فلسطيني سيكون جريمة تاريخية كبرى تتحمل السلطة الفلسطينية قبل غيرها وزرها كاملاً.

 

إن على السلطة الفلسطينية أن تعتمد الحكمة من التهدئة كما يفهمها المنطق وليس التهدئة كما يفهمها الكيان الصهيوني والولايات المتحدة لأن الهدف الوحيد منها هو لجم المقاومة الفلسطينية وعلى السلطة الفلسطينية أن تتذكر أن مشروع التهدئة الذي أعلنته وقبلت به فصائل المقاومة يلزم المقاومة بعدم القيام بأي عمل ضد الكيان الصهيوني مقابل أن يلتزم هذا الكيان بعدم القيام بأي اعتداء. أما أن تلجم المقاومة ويمارس الكيان الصهيوني ما يشاء فهو خطأ تاريخي كبير في حق المقاومة وفي حق الشعب الفلسطيني، وفي حق القضية لا تبرره الضغوط ولا الوعود الأمريكية.