طوني بلير وايديولوجية الشر في البحث عن الانتصار على "قيمهم"
وتجفيف "منابع الارهاب"!
كنت
واحدا من الذين سمحوا للتفاؤل أن يكون له مكانا في نفوسهم حين أُنتخب طوني بلير
رئيسا للحكومة في المرة الأولى وحين هُزم حزب المحافظين على أيدي
"العمال" ظنا مني بأن صفحة جديدة ستجد طريقها في علاقة السياسة
البريطانية بقضايا الشرق الاوسط وخصوصا أن أوربا كانت تشهد عودة الاحزاب
الديمقراطية الاجتماعية الى الحكم ... لن أعدد هنا كل الاسباب التي جعلتني أنتقل
الى حالة من خيبة الامل والتشاؤم بسياسة طوني بلير وحزبه, رغم أن حزبه ضم شخصيات
كانت أكثر "عمالية "من رئيسه...
فسياسة طوني بلير في التحالف مع بوش ،الذي وصف بأشد الأوصاف من قبل مفكرين
وإعلاميين بريطانيين، أدت به إلى الحضيض في علاقته السياسية بالمنطقة العربية
وقضاياها...
ما
شهدته لندن من أحداث دامية يوم 7 يوليو يستحق التوقف والقراءة المتمهلة البعيدة عن
الانفعالات العاطفية والنفسية بالرغم من فداحة الخسائر البشرية والمعنوية التي
أصابت لندن...
تراكمت
أخطاء طوني بلير على مدى السنوات الماضية على صعيد ساسيته في المنطقة وانتهاجه
سياسة بوش وقراءاته لكيفية حل المشكلات المستعصية،جد نفسه متورطا في تحالف قوي في
العراق مع نهج صقور الادارة الامريكية وابتعاد حزبه عن سياسة أقل حدة في قراءة
أوضاع المنطقة لجهة التعميم ومحاولات فرض حلول ليست بالضرورة متوافقة مع قراءة
أصحاب الحقوق في المنطقة العربية... ففي الشأن العراقي بقي بلير يردد خطاب بوش
لشرعنة إجتياح واحتلال العراق بحجة تدمير" أسحة الدمار الشامل" دون
تقديم أجوبة أو إعتذارات حقيقية عن إنهيار السبب الذي تبين بعد كل هذا الدمار
والتفكك والفوضى في العراق بأنه لم يكن إلا كذبة تمت صياغتها بشكل محكم لاحتلال
البلد واستغلال شعار "إعادة الاعمار" لتقاسم الغنائم...
إن
إنهيار سبب احتلال العراق لم يدفع بيلر إلى الاعتراف بأن نتائج الفعل القائم على
كذبة كبرى صاغتها أطراف معينة ومعروفة هي نتائج غير شرعية بالرغم من ردها الى
"قرارات الشرعية الدولية"، بل أمعن بلير في إرتكاب الأخطاء للحفاظ على
تحالفه مع الادارة الامريكية وهو ما دفع العديد من الاطراف العربية الى إعتباره
شريكا في كل تصرف يقوم به جنود بوش في العراق وسياساته التي لا تعير أدنى إنتباه
الى حالة الاحتقان الشعبي لدى الرأي العام العربي الذي تجري قراءته قراءة مستخفة
لا تختلف كثيرا عن قراءة الانظمة العربية الديكتاتورية...
إن
هذا الاستخفاف الذي مارسته سياسة بلير مع حليفه بوش هو حجر الزاوية في خلق حالة من
العداء مع تيارات واسعة في العالم العربي وليست فقط التيارات الاسلامية ... ففي
القضية التي تتعلق بمشاعر وعقول الفلسطينيين وبالتالي العرب والمسلميين يصر طوني
بلير في تحالفه مع اليمين الامريكي المحافظ في ايجاد الكثير من الكلمات والقليل من
الافعال التي تعطي مثلا للشعب الفلسطيني أية بارقة أمل لاهاء هذا الاحتلال الذي
يقوم بما يحلو له تحت طائلة "الدفاع عن النفس" دون أن يكون للشعب الفلسطيني
الكثير مما يقدمه له المجتمع الدولي الذي يثر على أنه يحافظ على "الشرعية
الدولية"..
وبعد
أن إتضحت صورة ما جرى في لندن والتي بينت بأن من نفذ التفجيرات هم مواطنون
بريطانييون ولدوا وترعرعوا في كنف الديمقراطية الغربية التي تبيع الكثير من سلعها
كلاما إلى دول العالم الثالث بينما تقف عاجزة عن إقناع الكثيرين من مواطنييها
الاتين من ذلك العالم, وتحديدا جيل الشباب منهم الذين يواجهون ما يواجهونه في
سياسة الدمج التي تؤدي الى مزيد من العزلة والشعور بالاحباط ، ليس فقط بسبب الاسم
واللون والتضييق على تكافؤ الفرص، بل لما يتابعه هذا الجيل من تناقض وازدواجية
حقيقية بين الخطاب الذي تطلقه الساسية الاوربية والممارسات التي لم تعر الكثير من
الانتباه لما يمكن أن ينتجه الاحباط وحالة المقارنة التي يجريها يوميا أبناء الجيل
الثاني والثالث لانعدام الرابط بين الشعار والخطاب من جهة والممارسة على ارض
الواقع...
فإن
ذات القراءة تبقى ضحلة ومستفزة إذ هي استمرت في سياسة التفرج على مقتل المئات
وتدمير أراضيهم وبيوتهم وحصر شعب بأكمله خلف جدار عنصري بغيض وإن هي استمرت في
قراءة الدفاع عن النفس عند الطرف الذي يعاني من الاحتلال المسكوت عنه على أنها
مجرد حالة "إرهاب" !
سياسة
الحوار التي يتبعها العقل الذي يمثله بلير هي سياسة حوار لأجل الاخضاع لقوة يمكلها
هذا الغرب الذي يبحث لشركاته عن مزيد من العلاقات المختلة لمصلحتها في العلاقة مع
هذا الاخر...
ترى
ألا يدرك طوني بلير وكل من يفكر على طريقته بأن شباب العالم العربي والاسلامي
ليسوا بذلك الغباء والتأخر الذي يعتقده من يصوغ سياسات هذا الغرب؟ فكيف يصر على أن
عقليات من نفذ إعتداءات لندن مؤدلجة بالشر وهي التي غرفت من الحياة البريطانية من
المهد الى اللحد؟ ثم أية "ايديولوجية شر" هذه التي يصفها بلير حين لا
يكون في ذاكرة الشباب العربي ، على المستوى السياسي، إلا صور غرب إستعلائي وغرب يصوغ سياساته الخارجية
في العالم العربي بمزيد من إزدواجية المعايير وعدم القدرة على قول كلمة واحدة بحق
الاحتلال الاسرائيلي الذي يتسلح بصمت مريب وفعل داعم في الامم المتحدة… والصمت
الذي يمارسه هذا الغرب في علاقته مع
ديكتاتوريات العالم الثالث التي كانت تخدم مصالحه... ترى ألا يدرك طوني بلير بأن
العرب اليوم ليسوا مجرد كائنات تركب الجمال وتحصي ثروتها من الابل؟
إن
مفهوم الكرامة الانسانية التي يعد بلير وغيره من السياسيين الاوربيون شعوبهم بها
هي أيضا كرامة يبحث ويقاتل الانسان العربي لأجلها، وإذا كانت الأنظمة العربية التي
ظلت تُدعم الى يومنا هذا من قبل هذا الغرب لا تعرف من مفهوم الكرامة الانسانية الا
المزيد من استعباد الشعوب والتحكم بكرسي الحكم فلطوني بلير أن يتخيل الناتج الذي
سيخرج من هكذا "عقل" يستطيع بكل تأكيد المقارنة والتأمل ووضع تصوراته
للحل الذي يظل وفق عقلية الديمقراطية التي يتبجح بها بلير وبوش ديمقراطية الاقصاء
بحق هذا وتلك من الحركات التي لا تعجب سياساتها ولا ايديولوجيتها لا بوش ولا بلير…
ألا
ينتبه بلير الى أن الطلب من المسلمين التوقف عن سياسة التحريض يتطلب بأن لا يكون
هناك ما يُحرض عليه من انعدام العدالة والانصاف والكرامة الانسانية؟
ألا
يفهم بلير بأن "الارهاب" ليست جينات متوارثة عند المسلم والعربي، فلدى
العرب بوصلة كرامة تتمثل في قول رائع :
متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احرارا! فالاستعباد شعور يولد حالة مرتبطة
بأحداث لا يجهد الغربي في البحث عن اسبابها بل في نتائجها لاغير.
لماذا
يختار الانسان الذي ولد في الغرب وترعرع في كنفه القيام بفعل مناف "
للقيم" الغربية ( وحتى مسألة تحديد القيم تبقى مبهمة ومثار بحث لا ينتهي)… هل
يولد الانسان "إرهابيا" أو " انتحاريا" (كما يحلوا لهم
تسميته)؟
الاحباط
الذي ينتشر في الغرب يدفع صاحبه، نتيجة تراكمه، دون انتباه المحيط للشعور بعدم
العدالة والانصاف والتفهم إلى الانتحار وبطريقة عنيفة أحيانا… فالقول بأن هذا عمل
مناف للقيم الانسانية دون عناء فهم حالة الاحباط التي سببتها سياسات الغرب التي
تهتم بمصالحها ومصالح حليفتهم اسرائيل… ولا يمكن بأي حال من الاحوال الفصل بين
سياسات الغرب وتحديدا الامريكية في المنطقة العربية وحالة العداء المتصاعدة حتى عند
الانسان البسيط … ليست القيم والايدولوجيات وكسب القلوب والعقول بافتتاح المزيد من
مطاعم الوجبات السريعة ولا بتصدير المزيد من اللباس العصري والموسيقى الحديثة..
إن
ما يُسميه طوني بلير كسب العقول والقلوب لهو من السخف بمكان إذا ما إعتبر بأن
ذاكرة الشعوب قصيرة الى هذا الحد الذي تنسى فيه ماهية الطريقة التي حاول فيها
اليانكي الامريكي والجندي البريطاني فعله في العراق لكسب تلك القلوب والعقول بأن
تم إستباحتها تماما تحت حجة محاربة " الارهاب" الذي صنعوه كمبرر لنسيان
كذبة "اسلحة الدمار الشامل"... فليست معركة بلير ومن معه ممن ينطقون
بالعربية في بريطانيا وغيرها ، والذين يخرجون علينا بين الحين والاخر ليفرغوا ما
في داخلهم بلسان عربي عقدة النقص التي يتحلى بها هؤلاء الذين لا يسمون الاشياء
بمسمياتها... هؤلاء لا فرق يذكر بينهم وبين من لعب دور كلاب تقفي الاثر في العراق
حين ارتضوا لانفسهم ان يكونوا كلاب حراسة وشق الطرقات لاحتلال البلد من أجل
مصالحهم وأغضانهم وإن باستخدام الطائفية والمذهبية للنفاذ الى شعبهم...
فأحدهم لا يجد في الأمر كذبا
حين يقول بأن "هؤلاء لا يفعلون ما يفعلون إلا لأنهم كارهون للجنس البشري!"
فهل
هي تلك القراءة الصحيحة لعقل العرب والمسلمين الذين يجب، وفق إعتقاد بلير، الدخول
في معركة كسبه؟
إذا كانت هي القراءة التي
تقدم للسياسي والمواطن الغربي بلسان عربي على أنها الحقيقة المطلقة فلنا أن نتخيل
حجم المصائب والكوارث التي ستحل في طريق هذه المعركة التي تبدو خاسرة قبل أن تبدأ...
فإعادة صياغة عقل عربي وإسلامي ، بناءا على تلك الاستنتاجات السخيفة، تتطلب الكثير
من الفعل الاستئصالي والاقصائي الذي باتت بوادره رائية للعيان في محددات
"الديمقراطية" التي يريدها الغرب للعرب...
ما
لم يُقال لطوني بلير...
بأن
لا يأخذ شعبه وراء نظريات معتوهة عن الايديولوجيا الشريرة... وبأن يتوقف عن لعب
دور التابع لبوش وبأن يصيغ سياسة، لا كلاما، مع بقية دول الاتحاد الاوربي تقول
وبوضوح للشعب الفلسطيني وللمسلمين والعرب عموما بأن دولة إسرائيل لن تبقى فوق
القانون الدولي ولا خارج قرارات الشرعية الدولية وبأن ممارساتها في تهويد المقدسات
الاسلامية والمسيحية ستتوقف بفعل سياسة ضاغطة وليست مراوغة.. وبأن
لا يعتقدوا بأن الأجيال العربية الشابة سهلة الانقياد وراء الكذب الذي تمارسه في
المنطقة العربية... فكما في بريطانيا أو الدانمارك أو السويد هناك غربيون من الجيل
الشاب الذين يقفون بوجه غول العولمة يعج المجتمع العربي بشباب طامح للتغيير الذي
يحول حياته الى حياة كريمة فيها الكثير من الارادة لاستغلال الحرية في سبيل تقدم
شعوب المنطقة والخروج من حالة اللاتوازن في العلاقة بين منظومة الرأسمالية
الاستغلالية التي ترمي فتات جشعها في عالم يعج بالعقول والثروات التي يستغلها حكام
مدعومون منكم لمزيد من الافساد والثراء الفاحش... نعم هنالك شباب في هذا العالم
العربي يملك من القدرات والايديولوجيا ما يمكنه من إكتشاف كم الخداع والاحتيال
والاستعلاء الذي تمارسه سياستكم في العراق وفلسطين وباقي بلدانهم التي تبقى تحت
طائل التهديد بالقوة والحصار ما لم تتبع سياستكم... شباب سئم هذا الكم الكبير من
الكذب عن تكافؤ الفرص في دول الاتحاد في
ذات الوقت الذي تمارس بحقه سياسات تمييزية قائمة على اللون والاسم والدين...
وسياسات تفرض الانصهار باسم الاندماج، ليكتشف بأنه حتى مسألة الصهر والتماهي لا
فائدة منها طالما أن التضييق شرط من شروط الاحكام المسبقة التي تجيدونها ببراعة
ولو أن كلامكم يخالف أفعالكم...
ما
لم يقال هذا وغيره لطوني بلير فإن الرجل سيبقى حالما يصيغ كلامه كمن يصب الزيت على
النار... فلا يغرنك يا مستر بلير ما يقدم لك على مكتبك من تقارير عن كتابات حفنة
صغيرة من الاقلام العربية التي لولا خوفها من الاعلام في بلادك لكانت هتفت لك كما
كانت تهتف لمن كان يغدق عليها الدراهم في بلاد أسستم أنتم فيها أسس هذا البلاء
والانقسام والتشرذم... لن ننكأ جراحا الآن... لكن لا تغرنك تلك التقارير التي تقدم
إليك ممن يسمون أنفسهم "خبراء" وهم الذين على شاكلة من سحبوك من أنفك
إلى المستنقع العراقي...
المخرج...
هو أوضح كثيرا من صور
مواطنيكم الذين تقولون عنهم بأنهم هم من نفذوا عمليات التفجير في لندن... وهو أوضح بكثير من رؤيتك المشوشة لقيمة الآخرين الذين قتلتموهم
وتقتلوهم بدم بارد في العراق بحجة " إنها الحرب"... وهو أسهل من معركتك
الخاسرة في الاستمرار في الكذب... عليك أن تقول لنفسك:
لم أعد أستطع العض على أصابعي! وعليك أن تقول لزميلك بوش :
هيا بنا نخرج من هذه الورطة التي أقحمنا بها أنفسنا بغطاء الكذب والمراوغة... وهيا
بنا نغير من سياستنا تجاه الفلسطينيين وتجاهلنا التام لما تقوم به الدولة اليهودية
من خرق كلي لقرارات الامم المتحدة التي ندعي بأننا نحرص على تنفيذها في كل مكان
إلا إسرائيل..
عندها.. وعندها
فقط لن يكون هناك من سبب لمحاربة طواحين التحريض التي تدعونها...