هذه التصريحات السلطوية المقلقة والخطرة الدلالات !!

 

 

 

بقلم: عوني فرسخ

 

      احتدم الجدل خلال الأسبوعين الأخيرين في أوساط النخبة السياسية والفكرية العربية عموما ، والفلسطينية منها خصوصا ، حول تصريحات الرئيس محمود عباس وأركان سلطته ، التي تناولت في الصميم وعلى نحو مقلق للغاية عمودي الثوابت الوطنية الفلسطينية والقومية العربية الخاصة بالصراع العربي الصهيوني . وهما حق العودة المنصوص عليه بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 لسنة 1948 ، والذي والت تأكيده في عدة دورات تالية . وحق الشعب العربي في مقاومة الاحتلال الصهيوني المشروع دوليا ، وبكل الوسائل المتوفرة والمتاحة ، بما في ذلك السلاح ، ضد القوى المحتلة ومجتمعاتها التي تدعم عدوانها وتتحمل أعباءه المادية وتبعاته الأدبية .

 

       فالرئيس محمود عباس ، وفي حديث تلفزيوني ، أعيد أكثر من مرة ، صرح بان السلطة لا تمانع بان تجنس الدول العربية الفلسطينيين المقيمين فيها . ومن بعده ادعى سفير السلطة لدى جامعة الدول العربية محمد صبيح بان توصية مجلس الجامعة بعدم تجنيس الفلسطينيين من قبل الدول العربية ، حفاظا على هويتهم ، سقطت بالتقادم . وذلك في تناقض مع تصريح الناطق الرسمي باسم الجامعة الذي أكد بأن التوصية العربية ، التي صدرت سنــة 1958 ، زمن الجمهورية العربية المتحدة ، ما زالت قائمة ولا تسقط بالتقادم .

 

       وبعد أن كان الرئيس محمود عباس قد أدان العملية الاستشهادية في نثانيا ، معتبرا إياها من أعمال العنف ، وتضر بما يسمى "عملية السلام" ، والى تصريحاته الرافضة إطلاق صواريخ المقاومة على المستعمرات الصهيونية كما واصل التنديد  بها ، ونعتها بأنها أعمال "عبثية" وليست في صالح القضية الفلسطينية . بل وتضر بمصالح شعب فلسطين ، وتبارى أزلام السلطة في التعقيب على تصريحات الرئيس ، مكيلين الاتهامات جزافا لفصائل المقاومة . متجاهلين أنها لم تخرق اتفاق التهدئة إلا بعد أن تمادى العدو الصهيوني في عمليات الاغتيال والاعتقال وتجريف التربة وهدم البيوت في الضفة والقطاع . ناهيك عن مواصلة الاستيطان ، وبناء الجدار العازل ، وتعزيز حصار القدس ، وتهديد المسجد الأقصى ، وتدنيس المصحف الشريف .

 

       وتصريحات السيد الرئيس وازلام  سلطته لا تكمن خطورتها فقط عند حدود المساس الخطر والمقلق بحق العودة وحق المقاومة المشروعين دوليا . وإنما الأكثر مدعاة للقلق دلالة تلك التصريحات ، من حيث إنها توحي بقراءة غير دقيقة لحقائق ومعطيات الواقع فلسطينيا وعربيا ودوليا . فضلا عن كونها مؤشرا على أن نهج أوسلو لما يزل هو الخيار الاستراتيجي المعتمد عند الفئة السلطوية المتفردة بصناعة القرار الفلسطيني . على الرغم من النتائج الكارثية التي ترتبت على اتفاق أوسلو سيء السمعة وعدم تردد احمد قريع ، أبرز مهندسيه ، في  الحديث عن فشله الذريع .

 

      والسؤال : متى كانت الأنظمة العربية تلتزم بقرارات الجامعة ، وتعمل على   تنفيذها ، وفي إدراج الامين العام ولجان الجامعة آلاف القرارات التي صدرت بالإجماع ولم تنفذ ؟ ثم إنها لم تكن توصية الجامعة هي العامل الحاسم في  تجنيس أو عدم تجنيس الفلسطينيين في البلاد العربية ، وتحديد المواقف من إقامتهم وعملهم فيها ، وإنما هي ظروفها السياسية والاقتصادية والسكانية ، وقوانينها المنظمة الحصول على الجنسية والإقامة والعمل . بدليل تمايز المواقف من الفلسطينيين في الدول العربية بين من توسعت في تجنيسهم وشجعتهم على ذلك ، ومن حدت من ذلك ، ومن منحتهم كل حقوق المواطن عدا حقوقه السياسية من غير تجنيس . ومن اتاحت لهم فرص العمل بلا حدود ، ومن منعتهم من العمل على أراضيها وإن يسرت للمقيمين لديها السفر للعمل خارجها .

 

       وأن يكون الواقع كذلك على هذا الصعيد ، والرئيس محمود عباس لا يجهل ذلك يقينا ، يغدو مبررا الظن بأنه في التحليل الأخير لا يستهدف التجنيس والدول العربية بتصريحاته ، وإنما إرسال إشارات لمن يعنيه أمرهم بالدرجة الأولى في واشنطن والعواصم الأوروبية وتل أبيب من جهة ، وإطلاق بالون اختبار في الشارع السياسي الفلسطيني حول إمكانية مقايضة حق العودة مقابل أوهام "الدولة " المأمولة من جهة ثانية ، وهذا هو مبعث قلق من استفزتهم تصريحاته وادعاء السفير محمد صبيح .

 

       أما القول بان العمليات الاستشهادية  ، وإطلاق صواريخ بدائية الصنع على المستعمرات الصهيونية أضر بمصالح الشعب العربي الفلسطيني ، وإنها هي التي تعطل "عملية السلام" ، فقول لا تاريخي أولا ، ويجافي الموضوعية ثانيا ، وينم عن تجاهل لحقائق الصراع الدائر ثالثا . والدليل أن قرار مجلس الأمن رقم 242 القاضي بانسحاب اسرائيل من الضفة والقطاع صدر في خريف 1967 .  ثم جرى تأكيده بالقرار 338 بعد حرب 1973 . وبرغم توالي الوسطاء والمبادرات حتى العام 1987 ، وغياب المقاومة المسلحة التام طوال عشرين عاما ، لم يحدث أي تقدم على طريق تنفيذ القرارات الدولية .

 

      وإنه لولا انتفاضة الحجارة خلال سنوات 1987 – 1993 ، وعجز آلة الحرب الصهيونية عن قمعها ، والآثار السلبية التي ألحقتها بصورة إسرائيل لدى الرأي العام العالمي ، وتداعياتها في أوساط التجمع الاستيطاني الصهيوني . لولا ذلك كله متفاعلا لما تراجع رابين وأركان دولته والمؤسسة العسكرية في إسرائيل عن قرارهم بعدم التعاطي مع منظمة التحرير الفلسطينية  . التي كانت تصنف باعتبارها "إرهابية " ، وسعيهم إلى لقاء أوسلو ، الذي تم بفعل المقاومة وليس المساومة ، واتاح فرصة عودة ازلام السلطة للضفة والقطاع ، إذ  صاروا مقبولين لدى ما يسمى "المجتمع الدولي" . ولكن رابين بعد أن قضى غرضه بإجهاض الانتفاضة ، عن طريق الذين كانوا رموز الكفاح الفلسطيني ، صار يقول "ليست هناك مواعيد مقدسة " ، وبدأ يتنصل من التزامات أوسلو حتى تفجرت انتفاضة الأقصى .

 

      وليس من حالة استعمار أو احتلال في التاريخ الانساني إلا وكان ميزان الامكانيات المادية والقدرات العسكرية مختلا لصالح المستعمرين والمحتلين . ودائما كانت إرادة المقاومة وأداؤها المتميز هو المعادل الموضوعي للشعوب المحتلة أرضها والمعتدى على حقوقها . ولأن الاستعمار في فلسطين استيطاني إجلائي   فانه لا تصلح معه سياسة "خذ وطالب" . والدليل أن جميع المبادرات التي توالى طرحها منذ عشرينات القرن الماضي لم يجر تنفيذ أي منها ، وإنما وظفت دائما لأحداث انقسام في الصف العربي ، وتوفير الوقت اللازم لتمكين الصهاينة من تعزيز استيطانهم .

 

      وحين تبدي حكومة شارون ، ورعاة المشروع الصهيوني على جانبي الأطلسي ، كل هذا القلق من العمليات الاستشهادية محدودة التأثير المادي ، أو من إطلاق صواريخ بدائية الصنع لا مجال لمقارنة تأثيرها بصواريخ إسرائيل ، ففي ذلك البرهان الساطع على أن ما يقلق التحالف المضاد إنما هي الدلالة المعنوية للعمليات الاستشهادية ولإطلاق الصواريخ وأثارها النفسية لدى عدو مسكون حتى النخاع بقضية "الأمن" ، التي هي بالتأكيد نقطة ضعفه الأولى والأساسية . وأنه باستغلالها يمكن تحقيق انجازات عربية ، كما حقق ذلك الفعـــل المقاوم المبدع الذي قاده حزب الله وفرض به تطبيق القرار 425 ، من جانب واحد .

 

      وأن يكون الواقع كذلك ، وهو كذلك يقينا ، يغدو منطقيا الاستنتاج بأن ليس في صالح الشعب العربي الفلسطيني ، وقضيته العادلة ، ولا حتى الوصول لتنفيذ قرارات الشرعية الدولية ، الوقوف في وجه عمليات المقاومة أيا كان أسلوبها ومستواها . وإنما بدعمها وتأييدها وجعلها الأساس الصلب للوحدة الوطنية وأداة الضغط في المفاوضات . وخلاف ذلك ليس فيه مصلحة وطنية ، وإن كان في صالح الفئة التي باتت تستثمر ما كان لها من تاريخ في تعظيم مكاسبها المادية . خاصة وقد غدت مجالات الربح أوسع وأكثر إدرارا للدولارات بعد أن غدت الدول الثمانية الكبار هي الراعية والممولة لإسرائيل ، وللذين يساومون على الحقوق الوطنية والقومية المشروعة . وليس حرصهم المتزايد على "التهدئة " إلا بدافع خوفهم المتعاظم على دورهم السياسي المهتز ، وقلقهم المتنامي على مكاسبهم المهددة . مقابل تعاظم الالتفاف الشعبي حول المقاومة والمقاومين .