كيف فقد الأمريكيون شعورهم بالهدف وما المطلوب فعله لاسترجاعه

 

 

 

بقلم: علاء بيومي

 

          مؤلف كتاب "عودوا إلى العظمة" الصادر في يناير 2005 هو آلان ولف أستاذ العلوم السياسية بجامعة بوستن الأمريكية والمعروف بمقالاته العديدة التي تمزج بين السياسي والفلسفي وتحاول أن تعكس الخلفيات الفكرية والسياسية للسياسات الأمريكية المعاصرة، وكتاب "عودوا إلى العظمة" يمثل محاولة على نفس السبيل، فهو يحاول أن يبحث عن الجذور الفكرية والفلسفية الموجودة في التراث الأمريكي والتي يبنى صناع القرار الأمريكي سياساتهم على أساسها.

 

          فالمؤلف يؤمن بأن السياسات التي يطرحها الساسة الأمريكيون في الوقت الراهن لها جذور فكرية وفلسفية متشعبة في التاريخ الأمريكي وفي وجدان الشعب الأمريكي نفسه والذي يسعى السياسيون لإرضائه أو للتغرير به من خلال سياساتهم وخطاباتهم، لذا يعد الكتاب واحد من الكتب الأمريكية التي سعت منذ 11/9 للبحث في قضية الهوية الأمريكية وهدف أمريكا كشعب ودولة وأمة.

 

          بقى أن نوضح في هذه المقدمة – وقبل أن نتعرض لمحتويات الكتاب – أن المؤلف ينطلق من وجهة مساندة بوضوح للتوجه الليبرالي وللحزب الديمقراطي مما ينتقص إلى حد ما من حياد أفكاره ومواقفه حيث يصعب على قارئ الكتاب عدم ملاحظة تحامل آلان ولف المستمر على اليمين الأمريكي بشكل عام.

 

البحث عن العظمة الأمريكية

 

          في مقدمة الكتاب يشير آلان ولف إلى سعيه المستمر في الماضي للعثور على بديل أو طريق وسط بين اقتصاديات السوق والدولة، إذ يرفض ولف فكرة أن اقتصاديات السوق وحدها أو الدولة بمفردها قادرين على إصلاح مشاكل المجتمع، ويقول أنه كان يعتقد أن الحل يكمن في زيادة دور "المجتمع المدني" كمصدر لحلول مشاكل أمريكا الداخلية والخارجية، ولكنه وجد بعد 11/9 أن المجتمع المدني الأمريكي ساذج وغير موحد وغير قادر على تقديم حلول جادة لأمريكا في مجالات رئيسية كالآمن القومي وإعادة توزيع الثروات، ومن هذا المنطلق كتب ولف الكتاب الراهن معترفا منذ البداية بصعوبة العثور على الطريق الثالث الوسطي الحل.

 

          ويبدأ ولف الفصل الأول بمطالبة الشعب الأمريكي بأن يأخذ بلده بالجدية التي ينظر بها بقية العالم لأمريكا، إذ يرى ولف أن عظمة أي أمة لا تتأتي من خلال شهرتها، أو عن طريق بعض المراسم الوطنية الاحتفالية، أو بامتلاك القوة الباطشة، أو بإدخال بعض الإصلاحات البسيطة المطلوبة.

 

          في المقابل يقدم ولف تعريفه الخاص بالعظمة والذي يتمحور حوله الكتاب، إذ يرى ولف أن عظمة الأمم – وحديثه عن أمريكا بالأساس - تقوم على أعمدة ثلاثة، أولها أن تمتلك أمريكا أهداف كبرى داخلية وخارجية تسعى لتحقيقها، وهنا يرى ولف آن هناك علاقة بين عظمة الداخل وعظمة الخارج، فالسعي لتحقيق العظمة في الداخل يجب أن يرتبط بالسعي لتحقيق العظمة على مستوى السياسية الخارجية وأن يقود إليها والعكس، فهو لا يؤمن بازدواجية أو تجزئة القيم.

 

          الأساس الثاني للعظمة هو وجود قيادة قومية قوية قادرة على تعبئة موارد أمريكا القومية لتحقيق أهدافها من خلال وضع البرامج وبناء المؤسسات اللازمة لذلك، ويترتب على ذلك الأساس الثالث للعظمة الأمريكية وهو تحمل تكلفة العظمة من خلال حشد الموارد لحمايتها من أعدائها ولنشرها في الداخل والخارج على حد سواء.

 

          ويرى ولف أن العظمة تكمن في السعي لتحقيقها حتى لو فشل القائمون عليها والساعون لها في الوصول إلى غاياتهم النهائية فيكفيهم شرف المحاولة.

 

          ويرى ولف أن العظمة الأمريكية ترتبط في التاريخ والحاضر الأمريكي بعدد قليل من القادة الأفذاذ على أمثال إبراهام لينكولن وجون آدامز وتيودور روزوفلت وفرانكلين روزفلت، كما يمثلها في الحاضر قادة أمريكيون مثل جون ماكين، وجوزيف بايدن، ووسلي كلارك، إذ يشترك هؤلاء القادة وغيرهم من مناصري العظمة الأمريكية في إيمانهم بالأفكار السابقة.

 

          أما عن أسباب اعتقاد ولف بأن القادة العظماء هم أقلية وليسوا أغلبية في أمريكا فهو اعتقاده بأن القيم والأهداف الكبرى والبرامج العظيمة هي أشياء يطالب بها الشعب والمجتمع وليس الدولة، فإذا لم يسعى المجتمع نفسه للعظمة فلا يمكن لأي قائد أن يحققها.

 

          وهنا يرى ولف أن الشعب الأمريكي عبر تاريخه لا يميل للعظمة ويستبدلها ببديل أخر يطلق عله ولف "الجودة الأمريكية"، ولا يقدم ولف عبر كتابه تعريفا محددا لمفهوم الجودة الأمريكية، فهو يربطه بنوع من الرضا الأمريكي على الذات القائم على أساس القيام بحد مناسب من السياسات الإيجابية والخيرة، والتي يفضل أن يقوم بها المواطن الأمريكي بدل من أن يتحمل تكاليف العظمة الباهظة، وهنا يكشف ولف عن أحد الأفكار المحركة له ككاتب والتي عبر عنها في فقرات متفرقة من كتابه، إذ يرفض ولف المبالغة في نقد الأمريكيين، ويرى أن التشاؤم والتركيز على السلبيات والمبالغة في نقد الشعب الأمريكي هم خطأ سياسي فادح لأن الشعب الأمريكي لا يحب هذه السلبية، كما أن السلبية لا تفيد.

 

          أما عن أسباب رفض الأمريكيين للعظمة فيرى ولف أنها ترتبط بعدة أسباب مثل تكلفة العظمة الباهظة والتي يرفضها الشعب الأمريكي ومثل عدد كبير من الأفكار المدفونة في عقلية المواطن الأمريكي التي تجعله يرضى بالحد الأدنى من السياسات الجيدة مثل الشك في سلطة الحكومة التنفيذية، والخوف من الجيوش النظامية، والالتزام بالحرية الفردية، والتردد في المشاركة في القضايا الدولية، والتردد في تطبيق برامج الرفاهية الاجتماعية.

 

          ويرى ولف أن الأفكار السابقة جيدة ولكنها لن تساعد الأمريكيين على أن يصلوا للعظمة التي ينبغي عليهم الوصول إليها، أكثر من ذلك يرى ولف أن أعداد كبيرة من الأمريكيين لا تضع "الجودة" نفسها على قمة أولوياتهم، ومن ثم لا يبالون بتحقيق "العظمة الأمريكية" من أساسه.

 

          وهنا يرى ولف أن الشعب الأمريكي يعاني من الانفصام في رؤيته لذاته مقارنة بواقعه، فالشعب الأمريكي ينظر لنفسه على أنه شعب عظيم، ولكنه في الواقع يرفض تحمل تكاليف العظمة، وهنا يرى ولف أن المجتمع الذي يفضل فكرته المثالية عن ذاته على حساب واقعه هو شعب لا يستطيع بقية العالم الثقة فيه.

 

الجودة في مقابل العظمة

 

          في الفصل الثاني يجرى آلان ولف مقارنة فلسفية بين الجودة والعظمة كمبدين فكريين في التاريخ الأمريكي يمثل كل منهما نظرة معينة - للطبيعة البشرية والمبادئ والتاريخ - ذات جذور متشعبة في الفكر الأمريكي.

 

          إذ يرى ولف أن أنصار الجودة الأمريكية يغلب عليهم التشاؤم بخصوص الطبيعة البشرية والآخرين فهم يخشون من أوربا والعالم ومن الحداثة وتبعاتها، ومن الدولة وسلطتها، ويؤمنون بأن الإنسان بطبيعته سيئ ميال للسلطة والبطش يحتاج لنظم قانونية ودستورية قوية لقمعه، ومن ثم يفضلون الإبقاء على التقاليد والنظم القائمة ويرفضون تغييرها، كما يرفضون قراءة الواقع الجديد والتعلم من التاريخ.

 

          أما مناصرو العظمة – كما يتصورهم المؤلف – فهم متفائلون يؤمنون بأن البشر يتعلمون من أخطائهم ويسعون لإصلاح أنفسهم ولبناء مجتمعات قوية تساعدهم على بناء بشرية أفضل، لذا فهم منفتحون على التجربة والخطأ ويرون أن الخطأ أفضل من الإبقاء على نظم فاشلة، كما أنهم يرون أن لهم دور تاريخي لذا يسعون للتعلم من التاريخ ويحاولون دوما قراءة الواقع في ضوء قراءتهم للعظمة كما وجدت في أفضل فترات التاريخ الأمريكي.

 

          وهنا يعبر ولف عن اعتقاده بأن الرئيس جورج دبليو بوش في إدارته الأولى لم يبنى سياساته ومواقفه على مبادئ معينه، بل سعى لاستغلال - واللعب على - مخاوف الأمريكيين لمصلحة برنامجه الانتخابي وبقائه في السلطة، كما يرى ولف أن أحداث سبتمبر أعطت بوش تحديا عظيما مثل فترات التحدي الكبرى بالتاريخ الأمريكي، وكان يمكن لبوش استغلال الفرصة لتوحيد أمريكا والعالم لبناء العظمة الأمريكية، ولكن بوش فشل في المهمة، ووضع سياسات قسمت أمريكا والعالم مما قد يصعب من مهمة الحكام الأمريكيين المستقبليين في إدراك العظمة الأمريكية.

 

المحافظون في مواجهة الليبراليين

 

          في الفصلين الثالث والرابع يجري ولف مقارنة بين مواقف المحافظين ومواقف الليبراليين من العظمة الأمريكية، حيث يرى ولف أن صعود قوة المحافظين الأمريكيين هي إضعاف للعظمة الأمريكية، لأن المحافظين يقفون ضد مبادئ العظمة، فهم بفرقهم المختلفة يرغبون في العودة للماضي ويرفضون الحاضر والعولمة والحداثة، فهم ينظرون للماضي الأمريكي على أنه مثالي، وينظرون للمجتمع الأمريكي حاليا على أنه مجتمع منهار أخلاقيا، كما يرفضون التعددية، ويريدون الحد من دور الدولة القومية وتقوية الولايات على حساب الأمة، كما أنهم لا يعارضون استخدام القوة العسكرية مادامت منخفضة التكلفة البشرية والمادية، فهم يتميزون - كما يرى ولف - بطبيعة انتهازية تعلى أفكارهم وأيدلوجياتهم على مصلحة الأمة الأمريكية.

 

          أما بالنسبة لليبراليين – والذين يتحيز لهم المؤلف – فيرى ولف أنهم من وضعوا البرامج الأمريكية العظيمة في القرن العشرين وتحديدا في فترة ما بين الحربين والتي حاربوا خلالها الكساد الكبير وزادوا من دور الدولة في مواجهة البطالة والفقر، كما أيدوا الحرب على النازية وقادوا ثورة الحقوق المدنية، ولكن ولف يرى أن شيء ما أفقد الليبراليين طاقتهم منذ حرب فيتنام، إذ يرى أن حرب فيتنام أصابت الليبراليين بعقدة لم يشفوا منها حتى الآن، عقدة أفقدت الليبراليين ثقتهم في أنفسهم وقسمتهم لقسمين، إذ ترك صقور الليبراليين الليبرالية وأصبحوا محافظين جدد، أما الحمائم فقد بقوا في الحزب وتحولوا نحو العزلة والانغلاق ورفض التدخل العسكري.

 

          لذا يرى ولف أن الليبرالية لم تنهزم كأفكار لأن الليبرالية وضعت أهم البرامج الأمريكية في القرن العشرين والتي لا يمكن للمحافظين إلغائها أو الإتيان بمثلها، فأجندة المحافظين كما يرى ولف تقوم حاليا على تعديل برامج وأفكار الليبراليين أنفسهم، لذا يرى ولف أن أفكار الليبرالية انتصرت انتصار كاسح وأصبحت مسيطرة على السياسات الأمريكية المعاصرة، ولكن الليبراليين انهزموا لأنهم فقدوا طاقتهم، حيث يعترف بأن المحافظين أصبحوا أكثر تواجدا في أوساط الناخبين الأمريكيين وأكثر قدرة على الفوز بأي انتخابات تجرى في الفترة الراهنة، كما أن الليبراليين لا يمتلكون في الوقت الحاضر رؤية بديلة واضحة لسبل استخدام القوة العسكرية الأمريكية.

 

المستقبل

 

          يبني آلان ولف نظرته للمستقبل على اعتقاده بأن سياسات جورج دبليو بوش الداخلية والخارجية وعلى رأسها الحرب على العراق لابد وأن تشعر الأمريكيين بشكل عام والليبراليين بوجه خاص بحجم التحدي الذي يواجهونه مؤكدا على أن الأمريكيين فقدوا منذ فترة ثقتهم بمختلف مؤسسات السياسة المدنية بالولايات المتحدة بعد أصبحت مؤسسات نخبوية منعزلة عن الجماهير، لذا يدعو ولف الليبراليين بالاهتمام بإعادة بناء الأحزاب والمؤسسات المدنية المرتبطة بالجماهير وبقضاياهم معربا عن اعتقاده بأن يؤدي تدهور الأوضاع في العراق لعودة التوجهات الانعزالية داخل أوساط المحافظين ولإعطاء الليبراليين الطاقة التي فقدوها، لكي يسعوا بدورهم لإعادة بناء العظمة الأمريكية وهي مهمة لن تكون سهلة فالعظمة احتلت دائما في التاريخ الأمريكي موقف الدفاع عن نفسها وتبرير أهدافها أمام تيار الجودة الطاغي على الشعب الأمريكي وأفكاره.