هل فرض الانتداب على العرب؟
بقلم : فهمي
هويدي
أخبار العرب في
عناوين وتقارير الأسبوع الماضي ترسم لها صورة الأمة المستسلمة والمستباحة، التي
تتلقى التعليمات تارة والتوبيخات ـ وأحياناً اللكمات والصفعات ـ من «قبضايات» العالم،
الذين وقفوا بهراواتهم في قلب الساحة الدولية، حتى إذا وضعت تلك العناوين
والتقارير جنباً إلى جنب خيل إلي أن «الأمة» تحولت إلى مجموعة من التلاميذ اصطفوا
أمام مدير لمدرسة راح يلقي عليهم تعليماته وأوامره، وقد أمسك في يده بعصا غليظة
منذراً ومتوعداً، في حين التف حوله نفر من المعلمين على شاكلته استحلوا لأنفسهم
ممارسة ما يعن لهم من أساليب التأديب والقمع.
خذ مثلاً ما نشرته «الشرق
الأوسط» (في 16/4)، عن الدور الذي قام به «قبضايات» العالم في الأزمة اللبنانية،
بعدما جرى تدويلها منذ صدور قرار مجلس الأمن رقم 1559 الشهير. ذلك أن اعتذار
الرئيس عمر كرامي عن تشكيل الوزارة أزعج تيري لارسن مبعوث الأمم المتحدة، فسارع
إلى الاتصال بالرئيس اميل لحود، ورئيس المجلس اللبناني نبيه بري، وعدد من رموز
المعارضة اللبنانية لمحاولة احتواء الأزمة. وحسب التقرير المنشور فإن لارسن خاطب
مسؤولاً كبيراً في المعارضة قائلاً إنه من غير الجائز ألا تسهم «جماعته» في حل
الأزمة، وإنه ركز في اتصالاته على النائب نجيب الميقاتي، الذي لا يمانع في لعب
الدور في هذا الفصل التاريخي (لاحقاً كلف ميقاتي بالتشكيل كما هو معلوم). في العدد
ذاته أيضاً أن بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة، ومعها الاتحاد الأوروبي، أرادت
أن تتأكد من أن الدول العربية تعي أهمية إجراء الانتخابات اللبنانية في موعدها،
وأن تشارك تلك الدول في الضغط من أجل ذلك.
وإذا تذكرت أن وزير
الخارجية البريطاني جاك سترو، كان قد أبدى استياءه من ترشيح عمر كرامي لتشكيل
الحكومة، ولأن رئيس المجلس النيابي نبيه بري بعث إليه ببرقية معاتبة وساخرة سأله
فيها عن الشخص الذي يسميه هو لرئاسة الحكومة اللبنانية، فلا مفر من أن تدهش
وتستريب في مرامي ذلك الاحتشاد الدولي غير المسبوق، كأن العالم بصدد مواجهة أحد
مفاصل التاريخ!
قبل ذلك بيوم واحد (في
15/4)، ذكرت «الشرق الأوسط» على الصفحة الأولى، أن الرئيس بوش «شطب» الرئيس السوري
بشار الأسد من قائمة الرؤساء الذين يتعامل معهم، شأنه في ذلك شأن الرئيس ياسر
عرفات، الذي نبذه الرئيس الأميركي وأدرجه في قائمته السوداء، حتى وافاه الأجل، وفي
نفس التقرير أن نائبة وزيرة الخارجية الأميركية ليز تشيني، قالت لمجموعة من
الصحافيين في لندن، أن على سوريا تنفيذ استحقاقات عدة، لن يعنيها منها سحب قواتها
من لبنان. (معروف أن الكونغرس الأميركي أصدر قانوناً لمحاسبة سوريا وآخر للسودان).
وبينما «القبضايات» يستعرضون
عضلاتهم على ذلك النحو في لبنان وسوريا، كان وزير الدفاع الأميركي من دونالد
رامسفيلد، قد ظهر فجأة في بغداد، التي كانت مشغولة بتوزيع الحصص والمناصب في
الحكومة الجديدة. ووسط كلام كثير عن التعليمات التي أصدرها الرجل لترتيب الوضع
الجديد، فإنه عقد مؤتمراً صحافياً أعلن فيه ثلاثة لاءات: لا للتطهير في وزارتي
الدفاع والداخلية والمخابرات، لا للمحاصصة في الوزارات، لا تغيير في صياغة الدستور
الجديد، (المقرر إصداره في شهر أغسطس/آب المقبل).
في نفس عدد «الشرق
الأوسط» (في 15/4)، خبران آخران عن التدخلات الدولية في الشأن الداخلي العربي، ذكر
الأول أن جيمس وولفنسون، رئيس البنك الدولي المنتهية ولايته، كلف بتنسيق الإصلاحات
الاقتصادية الفلسطينية، والإشراف على جهود الإعمار في غزة. أما الخبر الثاني فقد
تضمن تحذيراً أميركياً للسودان من أنه إذا لم يبادر إلى محاكمة المسؤولين عن «الجرائم»
التي وقعت في دارفور، فسوف يطبق عليه قرار مجلس الأمن الأخير (رقم 1593)، الذي
يقضي بمحاكمتهم أمام المحكمة الجنائية الدولية.
وقد أعلن ذلك التحذير
في الخرطوم على لسان نائب وزيرة الخارجية الأميركية، روبرت زوليك، الذي قال إن «التطبيع»
بين واشنطن والخرطوم مشروط بحل مشكلة دارفور.
أخيراً في 17/4، نشرت
«الشرق الأوسط» خبراً عن وثيقة قدمت إلى وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي تحدثت عن
الدخول في حوار مع المعارضة الإسلامية «المعتدلة». لكي يصبح الاتحاد الأوروبي أكثر
اتصالاً بالمجتمع المدني الإسلامي، ولتشجيع التحول الديمقراطي في العالم العربي. وحسب
التقرير فإن بريطانيا والدنمارك أيدتا إجراء محادثات مع النشطاء الإسلاميين
المعتدلين، ولم يعارض أحد ذلك الاقتراح.
بطبيعة الحال، ليست
هذه هي المرة الأولى التي يمارس فيها «القبضايات» تدخلاتهم في الشأن العربي
الإسلامي، كما أن هذا الذي أشرت إليه هو فقط القدر الذي أعلن من التدخلات،
وتداولته وسائل الإعلام المختلفة، إذ لم يعد سراً أن الأمر ليس جديداً، وأن كثافة
التدخل تضاعفت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، مع إعلان ما سمي بالحرب ضد
الإرهاب، التي اتسع نطاقها حتى تعددت جبهاتها، وطالت مناهج التعليم ووسائل الإعلام،
ومختلف أنشطة المجتمع المدني، غير أن ما كان مثيراً للانتباه في المشهد الذي نحن
بصدده، هو كثافة تلك التدخلات التي تمت خلال أيام لا تتجاوز عدد أصابع اليد
الواحدة، الأمر الذي يصيب المرء بدهشة تتضاعف لا ريب إذا تبين أن ذلك هو المعدل
العادي لتدخل «القبضايات» في الشأن العربي، وأن الصدفة وحدها هي التي أوصلت تلك
الأخبار والتقارير إلى وسائل الإعلام. وتتحول الدهشة إلى فزع حين يخطر للمرء أن
ذلك فقط هو الجزء الظاهر من جبل الجليد، لأنه في هذه الحالة سيصبح فريسة لكم هائل
من التساؤلات عن حجم وطبيعة الجزء الغاطس. وهي مصادفة غير سعيدة لا ريب، أن تتزامن
تلك التدخلات الغربية في شأن الدول العربية، مع نشر «الشرق الأوسط» تقارير عدة عن
بعض مظاهر الافتراء والإذلال التي يتعرض لها العرب والمسلمون في تلك الأقطار. فقد
نشرت في 15/4 تقريرا عن «حملات مداهمة متزامنة ضد عشرات المؤسسات الإسلامية
والمنازل في ألمانيا وبلجيكا وفرنسا وايطاليا»، وهي الحملات التي تعد جزءاً من «اللوثة»
التي أصابت أجهزة الأمن في ما تقوم به باسم ملاحقة الأصوليين والمتطرفين. ولفت
الانتباه في ذلك التقرير أن صورة كبيرة ـ على أربعة أعمدة ـ نشرت إلى جانبه لقائد
شرطة ميونيخ وقد أطلع رجال الإعلام على المطبوعات «الخطيرة»، التي تم التحفظ
عليها، لدى بعض الأصوليين، واذ أمسك بيده واحداً من تلك الكتب، وعند التدقيق في
غلاف الكتاب تبين أن عليه صورة الشيخ محمد متولي الشعراوي، وان «الكتاب الخطير» ليس
سوى تفسيره لسورة آل عمران. في نفس الصفحة تقرير عناوينه على خمسة أعمدة، تحدث عن
دعوة قضائية ضد الحكومة الأميركية، رفعها في مدينة بوسطن مكتب للمحاماة باسم ستة
بوسنويين من أصل جزائري، عذبوا بشكل فاحش في غوانتانامو، حتى أصيب أحدهم بالشلل في
وجهه. وفي قلبه خبر آخر عن أمام مسجد تركي تقرر طرده من ألمانيا، لأنه تحدث في بعض
خطبه عن تأييد المقاومة في فلسطين والعراق، ووصف الألمان بأنهم «كفار».
وقد خسر الرجل قضيته
في الاستئناف الذي رفعه لوقف قرار الطرد. وبنفس الطريقة طرد أمام تركي آخر في
هولندا. وفي 17/4 نشرت «الشرق الأوسط» أيضاً رسالة من الأكاديمي الفلسطيني الدكتور
سامي العريان، الذي اعتقل منذ أكثر من سنتين بتهمة تزعم مجموعة تابعة للجهاد
الإسلامي الفلسطيني في الولايات المتحدة، وفشلت أجهزة الأمن في تقديم أي دليل يثبت
التهمة بحقه. ومع ذلك يتم احتجازه حتى ينتهي البحث عن دليل ضده في 21 ألف ساعة
تسجيل و400 ألف وثيقة، وهي عملية قد تستغرق عدة سنوات، وهي أقرب إلى البحث عن «إبرة»
في جبل من القش!
في حين يتواصل
الاستقواء بحق العرب والمسلمين دولاً وشعوباً، مقترناً بالمهانة والازدراء على
النحو الذي رأيت، فإن صحف يوم 14/4 خرجت علينا بعناوين تحدثت عن رفض شارون طلب بوش
وقف توسيع المستعمرات في الأراضي المحتلة، وتحت العناوين تصريحات لسفير إسرائيل في
واشنطن ذكر فيها أن الخلاف حول موضوع المستوطنات ليس جديداً، وكلام منسوب إلى مصدر
مقرب من شارون قال فيه إن الخلاف العلني ليس مهما كثيراً، لأن الأهم هو ما قيل على
انفراد في اجتماع الرجلين!
ما هي الرسالة التي
نتلقاها من الوقوف أمام الصورة، ومقارنة ما يفعل بالعرب بما يرى مع إسرائيل؟
لن أجيب، لثقتي في أن
الإجابة تقف كشوكة في حلق كل قارئ، لكني أتساءل: هل فرض «الانتداب» على العرب مرة
أخرى، بصورة مغايرة؟