الاحتلال والتحول الى تطبيق الاستراتيجية القذرة لمواجهة المقاومة العراقية الباسلة

 

 

 

  بقلم : محمد القيسي

 

لابد وان كبار القادة والمخططين الاميركان ادركوا انهم قد اصبحوا غارقين، دون ارداتهم، في تنفيذ استراتيجية دفاعية طيلة العامين الماضيين بعد ان فاجأتهم سرعة انطلاق المقاومة العراقية وقدرتها على الانتشار وقوتها في توجيه الضربات مما جعل المبادأة في يدها على طول الخط باستثناء حالات الهجمات الكبيرة المضادة التي شنتها قوات الاحتلال على بعض الاهداف المنتخبة الصعبة كالفلوجة وسامراء والنجف. وحيث لا تعد هذه استراتيجية متكاملة للهجوم طبقا للمفاهيم السوقية العسكرية وانما محاولات لافراغ المناطق الاكثر خطورة على قوات الاحتلال من فاعليتها، لذلك لم يجدوا نفعا بكل ما استخدموه من الاساليب الوحشية والتدميرية للمدن المنتفضة لأنهم تفاجأوا بان المدن التي تركوها مدمرة تنهض بفعالياتها المقاومة ضد الاحتلال وكأن ما تعرضت له من دمار وقصف لم يؤثر فيها ولم تكن له اية قيمة استرتيجية عند اهلها وساكينها. ولقد تكررت هذه الحالة في اكثر من مدينة مثل سامراء والفلوجة وبعقوبة وبهرز وتلعفر ومدينة الصدر ( الثورة ) واللطيفية وغيرها، ناهيك عن ان عمليات الاعتقال العشوائي الواسعة النطاق لاعداد كبيرة من الرجال والنساء بقصد النيل من معنويات المقاوميين لم يمنع من تزايد اعدادهم و لم تؤدي إلى أي نتيجة.  وجعلت هذه الحالة المحتلين يتأكدون انهم يواجهون حالة هلامية من اشكال المقاومة والثورة ضدهم، فهم لا يستطيعوا الامساك بها مهما حشدوا من قدرات حيث اثبتت المقاومة قدرتها على تحمل كل هذا الثقل من التدمير دون اي تاثير استراتيجي يذكرعلى واقع فعالياتها ونشاطاتها. ولابد ان هذا الامر قد جعل المخططين الاستراتيجيين في الادارة الاميركية يعيدوا النظر بكل حساباتهم واليات التخطيط لديهم لأن المجابهة العسكرية بهذه الطريقة لم تعد تمثل الحل الممكن للقضاء على المقاومة العراقية او على الاقل الحد من خطورتها المتصاعدة رغم زيادة عدد قوات الاحتلال من 130 ألف الى 150 ألف عسكري، خصوصا وان ضربات المقاومة موجعة جدا ، وبالاضافة الى كونها تؤدي الى قتل افراد قوات الاحتلال فانها توقع فيهم اصابات خطيرة تؤدي الى العوق الجسدي الجسيم من خلال استخدام المقاومة لاساليب مبتكرة بضرب الياتهم وعجلاتهم واماكن تواجدهم، وما يسببه هذا الامر من اثار نفسية خطيرة على جميع العاملين في قوات الاحتلال وعوائلهم. وقد سبق لكبار القادة العسكريين الأمريكيين العاملين في العراق لأن أبلغوا البيت الأبيض أن القوات الأمريكية، بقدراتها الحالية, تحتاج إلى فترة تتراوح بين سبع سنوات وتسع سنوات للقضاء فعلياً على المقاومة.

وتوحي جميع المؤشرات بان المواجهة العسكرية بهذه الطريقة التقليدية لا نهاية قريبة لها طبقا لحرب الاستنزاف التي فرضتها فصائل المقاومة العراقية على الاحتلال، بعد ان فشلت كل السيناريوهات العسكرية التي وضعت لاستخدام القوات النظامية في القضاء على هذه المقاومة وإيقاف نزف الدم الامريكي.

فما الذي يمكن ان يفعله المخطط الاستراتيجي الاميركي تجاه هذه الحالة لمواجهتها؟ بالتاكيد انه يمتلك الكثير من المخزون من الاساليب القذرة غير المباشرة للنيل من المقاومة العراقية بعد ان عجزت الاساليب العسكرية المباشرة.  وعليه فانهم لابد وان فكروا بالتحول الى تنفيذ استراتيجية هجومية تتناسب وهذه الحالة المعقدة التي تتميز بها طبيعة المواجهة مع المقاومة العراقية.

 

من خصخصة الامن الى عرقنة الخسائر والتضحيات

منذ بداية عام 2004 إستخدم الاحتلال العديد من شركات الامن العسكري الخاصة سواء كانت امريكية أو بريطانية أو غيرها، والتي جلبت الآلاف من المرتزقة من أنحاء العالم الى العراق، للقيام بتوفير الامن لقوات الاحتلال والقيام بعمليات امنية خاصة. وبعد ان نجح او هكذا تصور الاحتلال ان استخدام قوات المرتزقة التابعة لتلك الشركات مكنهم من توفير الحماية اللازمة لقواته والعاملين الاخرين فيها وتقليل حجم الخسائر المباشرة والذي اسموه في حينه خصخصة الامن العسكري لقوات الاحتلال، فان الامر اوحى لهم باعتماد خطة جديده تعتمد على مبدأ عرقنة الخسائر والتضحيات التي تصيب قواتهم بسبب المقاومة العراقية المستمرة بلا كلل او ملل.

ان الاستراتيجية الجديدة للاحتلال تقوم على اساس مبدأ خطير هو عكس الخسائر على الجانب العراقي كي يتحملها الشعب العراقي وحده، بغض النظر عن موقف اي فرد منهم من الاحتلال سواء برفضه او القبول به، من اجل تجنيب قوات الاحتلال تلك الخسائر، ومهما كان نوعها او شكلها فلابد ان يكون العراقيون فقط دون غيرهم هم من يتحملها طبقا لمفهوم يمكن تسميته  مجازا بـ " عرقنة الخسائر والتضحيات ". فبالتاكيد ان قيام المحتل بدراسة وتحليل القدرات القتالية والنفسية والثقافية، ونوع التسليح وطرق استخدامه المناسب لمتطلبات العملية، ونوعية المقاتلين وشدتهم وامكانيات صمودهم، والوضع المعلوماتي الصارم الذي تفوقوا فيه على قوات الإحتلال. ورغم كل محاولات التقصي والاختراق، بسبب صرامة الترتيبات التي تستخدمها المقاومة وفصائلها التي تتحرك بصورة زئبقية مستندة الى دعم كبير وغير متوقع من البيئة الشعبية الحاضنة لها اوصلت المخطط الاستراتجي الاميركي الى التفكير باللجوء الى مايسمى في العرف الاميركي "الاساليب القذرة في المواجهة " . وكما هو معروف ان اجهزة الاستخبارات الاميركية المختلفة، وفي مقدمتها وكالة المخابرات المركزية منذ تاريخ تاسيسها عام 1947، قد دأبت على القيام بمهام قذرة ضد البلدان الاخرى وبث الاشاعات والحرب النفسية، وتمكنت عبر تاريخها الطويل من ان تحافظ على سرية هذه العمليات التي تبررها الادارات الاميركية المتعاقبة بانها ضرورة للأمن القومي الاميركي. ومن طبيعة تنفيذ هذه العمليات هو التمويه وتقديم الذرائع والمبررات لها بحيث اصبح بديهيا ان المخططين الاستراتيجيين الامريكان يلجأون اليوم لمثل هكذا عمليات لتكون جزءا مهما من استراتيجية تهدف الى تطويق المقاومة وهزيمتها سياسيا بعد التعذر عن افشال جذوة اتساعها وشدتها الاخذة بالتطور النوعي، ذلك ان هذا التخطيط  يعتمد اساسا على منطق عزل المقاومة عن محيطها الشعبي والبيئة الحاضنة بالاعتماد على ركيزتين اساسيتين لتنفيذ هذه الاسترتيجية، وهما: 

اولا ـ  القيام بتفجيرات لاهداف منتخبة تؤدي الى قتل المدنيين الابرياء والصاق التهم بالمقاومة لتشويه صورتها وتهييج الموقف الشعبي ضدها. وهنا لابد من التحسب بأن العمليات القذرة التي يتم تنفيذها وتحميل خسائرها لابناء الشعب العراقي والصاقها بالمقاومة يتم التخطيط لها بدقة شديدة وتنفذ بتقنيات عالية  بشكل مباشر او غير مباشر من خلال المجرمين القادرين على تنفيذها بالنيابة عن قوات الاحتلال، ويتم ابرازها في وسائل الاعلام وفقا لفبركات مخطط لها مسبقا لدمغ «المقاومة» بـ «الارهاب» وبالتالي محاولة تجريدها من غطائها الشرعي والشعبي على الصعيدين الداخلي والخارجي.

ان القيام بهذه المهمة  يتطلب ان تكون الاجهزة الامنية والعسكرية المحلية من طراز خاص، ولابد ان تكون خاضعة تماما لارادة المحتل، لذلك نجد ان عملية الانتساب الى الشرطة والجيش العراقي الجديد والحرس الوطني والمخابرات تتم وفق مخطط المحتلين بخلق مؤسسة شاذه جميع قياداتها مغلقة لصالح القادمين من الميليشيات التابعة للاحزاب الطائفية والانفصالية المندمجة كليا مع مشروع المحتلين والمليئة بالحقد والضغينة على كل ما هو عراقي و وطني مع إعداد برامج خاصة لمنتسبي هذه التشكيلات تزرع في عقولهم النزعة الانتقامية من الطرف الاخر وحثهم على تقديم الخدمة المستميتة من اجل  المشروع الاميركي مقابل الحصول على المزيد من المكاسب والامتيازات المادية.

ثانيا ـ تنحصر المهمة الرئيسية الاخرى في استخدام الاعلام بقصد التأثير والتلاعب بالرأي العام لما تتمتع به وسائل الإعلام من إمكانيات هائلة في التأثير على الناس. لذا فهي تركز على أن تزيد من فاعلية التضليل الإعلامي الواسع النطاق من خلال تجنيد اعداد كبيرة من الكتاب والاعلاميين وحتى السياسيين للقيام بحرب اعلامية ونفسية وفكرية مضادة لفكر المقاومة، وتقوم بالترويج والدعاية السياسية التي تعتمد شعارات متناسقة مع العملية السياسية الوهمية ومساندة لها وتصويرها بانها تمثل الحل الامثل لخروج المحتل وانهاء الاحتلال او بالايحاء بانه من خلال العمل السياسي المجرد يمكن اخراج المحتل.. ومما يجب التحوط له ان القائمين على تنفيذ هذه الاستراتيجية لا يتورعون في زرع العملاء في الوسائل الاعلامية المختلفة او حتى الفصائل السياسية من  اجل اختراقها وجرها الى اتخاذ مواقف مرتبكة او جعلها تتصرف وفق ما يسمى بالنظرة الواقعية او السياسية للتعامل مع المحتل من اجل اخراجه.

من البديهي ان الحرب الاعلامية النفسية تتطلب استخدام جملة من الاساليب التعبوية المساعدة وتوفير الاجواء الملائمة كي تاخذ مفعولها، ومن بينها التضييق على كل وسائل الاعلام "المستقلة" من اجل التعتميم على ما يجري في ارض الواقع وطمس الحقائق وتبرير الانتهاكات بحجة «الحرب على الإرهاب»، وفي المقابل تسخير كل الوسائل الاعلامية " الصديقة " لتشويه صورة المقاومة والعمل الوطني ضد الاحتلال واغراق الشعب بالهموم الحياتية وافتعال الصعوبات التي تجعل الشعب يعيش تحت ظروف الاقصاء والتجهيل والافقار والظلم التي اصبحت ملازمة لهذه المرحلة من اجل ايصاله الى حالة الوهن والضعف التام للقبول باي املاءات مهما كان نوعها في ظل الفوضى التي تسعى إلى إبقائها مستشرية. وفي المقابل بذل المزيد من الاموال والمغريات في ظل الوضع المعاشي الصعب الذي يعيشه المواطن العراقي من اجل تجنيد المزيد من العناصر التي تساهم في تقديم الدعم للقوات الامريكية في عملياتها على الأصعدة المعلوماتية، وكذلك  اطلاق التصريحات المقصودة عن قرب رحيل او سحب القوات الاميركية من العراق لتركيز حالة التردد التي تلازم الكثير من الناس في حسم الموقف من الاحتلال وانعاش آمال البعض الاخر ثم القيام بنفي هذه التصريحات بسيناريو اخر للامعان في حالة الاحباط والتردي التي تعاني منها نفسية المواطن العادي او حتى السياسي. ويذكرنا ذلك بموضوعة رفع الحصار عبر جلسات مجلس الامن وتقارير المفتشين والتي كانت جزءا من حرب اعلامية نفسية للتاثير على صمود العراقيين طيلة الثلاثة عشر سنة التي سبقت الإحتلال لاصابتهم بالاحباط والوهن واضعافهم واسقاط من اسقطوه للارتماء بالعمالة والتخاذل.

لقد بات واضحاً ان هذه الاستراتيجية القذرة يجري تنفيذها الان على قدم وساق من خلال عمليات التفجير  لاهداف مدنية حساسة تؤدي الى قتل الابرياء والصاقها بالمقاومة والتركيز عليها اعلاميا وبشكل مكثف من اجل بث الحقد والكراهية على الجانب الوطني المناهض للاحتلال، كالضجة التي افتعلت ضد الاردن  بهدف خلق حالة من الكره لدى الناس للهوية العربية للعراق من خلال ترويج  شعارات مضادة لتلك الدول تصب في قناة كره العرب والعروبة، او التركيز على موضوع حزب البعث مرة اخرى ومحاولة الصاق تهم الارهاب والجريمة بالبعثيين وبالنظام العراقي السياسي السابق، وكذلك المحاولات الخائبة التي اشيع عنها مؤخرا لشق صفوف المقاومة من خلال اطلاق اخبار عن مفاوضات مع هذا الفصيل او ذاك. وقد وصل بهم الامر الى قيامهم باختلاق فصائل مقاومة وهمية ويقومون فعلا بالتفاوض معها والايحاء للناس بانها المقاومة الحقيقية وانها توافق على الانخراط في العملية السياسية التي يرعاها الاحتلال ، الحقيقة ان هذا الامر يجري تنفيذه بالاشتراك مع اطراف سياسية مندمجة مع الاحتلال واخرى تتعامل معه بشكل غير مباشر وتدعي بتميلثها للمقاومة. ولابد من الاشارة بهذا الصدد الى تلك الاجتماعات التي تزعهما مشعان الجبوري حين جمع شلة من افراد الجيش العراقي السابق الذي ارتضوا التعامل مع المحتل وراح يطلق تصريحات عن انه حضور لاطراف المقاومة، وكذلك تصريحات حازم الشعلان عن تفاوضه ولقاءاته مع فصائل المقاومة الشريفة كما اسماها، والحقيقة أن هذه ليست إلا حلقات اختلقها المحتل واعوانه من اجل التشويش على المقاومة ومعنوياتها وعزيمتها وانهائها سياسيا، لذا لابد من الانتباه لهذا المخطط وفضحه وافشاله.  

ان هذه الاستراتيجية القذرة تذكرنا بما حدث في نيكاراغوا وهندوراس مع بداية القرن العشرين من خلال شركات الموز الاميركية والتي يبدو انهم قد اعادو صياغتها اليوم وطوروا اساليبها لتطبيقها في العراق بهدف ضرب البيئة الحاضة للمقاومة، وخصوصا الجماهير الشعبية التي تلتف حولها وتساندها. لذا لابد من قراءة هذه المخطط بتبصروالتصدي له لخطورته على الخندق الوطني المناهض للاحتلال . اذ بات من المؤكد أن الامريكان يدفعون بقوة باتجاه تنفيذ هذه الاستراتيجية وفق برامج مدروسة  وتوقيتات محددة لمواجهة المقاومة العراقية من جهة والعمل باتجاه المزيد من التمزيق للشعب العراقي من جهة اخرى، بعد ان بدأوا  يشعرون بفشلهم في السيطرة العسكرية على العراق .

 يبدو ان الامر قد وصل فعلا عند المحتلين الى حد لايطاق الاستمرار به على هذا النحو التقليدي وبدا عامل الوقت ليس في صالحهم طبقا للتوقيتات التي افترضوها لاتمام العملية السياسة المزعومة التي يريدون تثبيتها في العراق خلال هذا العام، لذا فهم يسعون حتما من خلال استراتيجتهم الجديدة الى كسر ارادة المقاومة بعد ان ايقنوا ان الصراع  مع المقاومة قد وصل الى نقطة التعادل، كما يقول علم الادارة، اذ لم تعد تنفع القوة المطلقة في القضاء على المقاومة، وهذا دليل على ان صراع الارادات هو سيد الموقف الان.

وبالتاكيد ان ارادة المدافعين عن الوطن هي الاقوى وستتمكن من المحتل مهما حاول  و في تطبيق اية استراتيجية ومهما بلغت قذارتها ولابد للمحتل واعوانه ان يدركوا بان العراقيين يعرفون تماما انهم يتحملون يوميا الكثير من الخسائر ومهما كانت جسيمة ولكنهم لا يحتملوا خسارة الوطن ابدا.