حماس والتشريعي :جدلية السياسة والمقاومة

 

 

إبراهيم أبو الهيجاء

كاتب فلسطيني – جنين

 

 

مبررات الرفض السابق مقارنة مع التغير اللاحق

بإعلان حركة حماس عزمها خوض الانتخابات التشريعية الفلسطينية، تكون الحركة قد اتخذت قرارا استراتيجيا في تاريخها سيكون له ما بعده على صعيد علاقاتها ومستقبلها، ولم يكن القرار البتة تكتيكيا بقدر ما كان تحولا نوعيا، فالتحشيد السابق في أدبيات حركة حماس كان صريحا في رفضه لهذه الانتخابات من منطلقات أساسها ارتباط هذه الانتخابات باتفاقيات اوسلو واستثنائه للفلسطينيين المقدسين واللاجئين، ولم تكن هذه المنطلقات ظنية بل كانت واقعية ونصت عليها مواد اتفاقية واشنطن المعقودة بين الفلسطينيين والاسرائيلين بتاريخ 28-9-1995  ، فمثلا جاء بالبند الرابع  من المادة الثامنة عشرة من الاتفاقية انه لا يجوز للمجلس أو حتى لرئيس السلطة  إصدار تشريعات  تلغي القوانين السارية المفعول أو الأوامر العسكرية الإسرائيلية أو تلك التي تخالف الاتفاقيات المعقودة بين الطرفين ، وفي الفقرة السادسة  من المادة الثامنة عشرة تعطي الجانب الإسرائيلي في اللجنة القانونية المشتركة  صلاحية الاعتراض على القوانين والتشريعات ، وبذلك تكون صلاحيات هذا المجلس في حدود ما حددته وضبطته الاتفاقيات الموقعة ؛ ومن المعلوم بالضرورة  أيضا أن ولاية هذا المجلس تتعلق بما ينقل للسلطة من صلاحيات في الضفة الغربية وقطاع غزة وبالتالي فليس للاجئين الحق في الانتخاب ، وحتى آلية انتخابات أهالي القدس كما تبينها المادة السادسة من البروتوكول الخاص بالانتخابات ، تشير إلى لجنة إشراف مشتركة مع الاسرائيلين  ، وبالية تصويت تتم بطريقة غير مباشر من خلال مكاتب البريد أي أشبه بتصويت سكان  فلسطينيين في ارض أخرى ، وحتى تعداد المقدسين المشاركين في العملية الانتخابية يخضع لضوابط إسرائيلية   ، فمثلا يصوت  في الانتخابات الفلسطينية حوالي (26365 مقدسي) ، بينما يزيد عدد الفلسطينيين المقدسين عن( 200000) وذلك حسب المصادر الإسرائيلية وليس الفلسطينية  التي تعتبر عدد الفلسطينيين حسب جهاز الإحصاء المركزي يزيد عن ( 300000  ) ، وهذا يعني أن عدد الفلسطينيين المنتخبين لا يساوي ( 13 %  ) من المقدسين على الأقل حسب الإحصائيات الإسرائيلية .

إذا كل هذه الإشكاليات هي المبررات التي أدت إلى إحجام " حماس " عن الاشتراك في المجلس التشريعي الحالي، أكدها غياب دستور فلسطيني مقر ونهائي يحدد إطار الكيان المأمول، وقد ثبت لاحقا أن هذه المواقف صحيحة عند قياسها في واقع ما أنجزه المجلس التشريعي، حيث بقي دوره هامشيا في التصدي للتحديات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، إن لم يكن أعضاؤها قد ساهموا بشكل أو بآخر في تكريس واقع الاتفاقيات السياسية الظالمة وتعزيز الفساد ومراكزه في المجتمع الفلسطيني.

 

التشريعي بين اوسلو الميت وشروطه الحية

اليوم تتحدث حماس عن تغير في الظروف والشروط أدت إلى مرحلة تجاوزت اوسلو واتفاقاتها وبالتالي وجود ظروف تمكن حماس من المشاركة في انتخابات التشريعي، في الواقع العملي وعلى رغم من الانتفاضة وما أحدثته المقاومة الفلسطينية من إثخان وما استحقته من تضحيات، فان كل ذلك لا يمكننا من القول أن ما أنتجته اوسلو قد انتهى ، فبالرغم من تنصل إسرائيل من اتفاق اوسلو وحديث الليكود الإسرائيلي الحزب الحاكم عن مساوئه ، وبالرغم من أن إسرائيل قامت بتقويض السلطة وإعادة السيطرة  على مناطق (أ+ب) التي حررت من قبل ، إلا أن السلطة بقيت متمسكة في اتفاقيات اوسلو ، واتبع ذلك تعاطيها مع كل المبادرات اللاحقة من تقرير ميتشيل وتفاهمات باريس  ولاحقا تفاهمات طابا إلى خارطة الطريق وتفاهمات وادي عربة وأخيرا قمة شرم الشيخ ، كل هذه التفاهمات واللقاءات أكدت تمسك السلطة بالتسوية وإسرائيل كانت طرفا فيها  ، مما يعني ببساطة أن الأسس التي تقوم عليها الانتخابات هي ذاتها ، وعلى سبيل المثال في انتخابات الرئاسة الأخيرة  لم يتغير شيء وبقيت الإجراءات والسياسات هذه ذاتها التي تحكم هذه الانتخابات من حيث تمثيل اللاجئين والمقدسين  ، طبعا هذا مفهوم ومتصور كون إسرائيل هي المتحكم الرئيس في إنجاح أو إفشال العملية الانتخابية  ، وهذا يؤدي فلسطينيا إلى التعامل مع المتاح احتلاليا لإنجاز شروط انتخابية متوافقة ومتفقة ، وهذا يناقض التصريحات المتفائلة التي تتحدث عن إمكانيات لتغيير قواعد اللعبة وتسخير التشريعي لتعزيز المقاومة الفلسطينية ومنع التنازلات السياسية ، لان الاحتلال وان غض النظر عن دخول حماس إلى اللعبة السياسة أملا في تدجين الحركة وتمييع ثوابتها ، إلا انه لن يسمح لحركة حماس بجعل "التشريعي " أكثر من منبر لسبها وتجاذبات بين القوى الفاعلة فيه ، و إلا فان التقييدات على الأرض جاهزة من حيث الاعتقالات وتقطيع الجغرافيا والتهم جاهزة وقد فعلها من قبل بحق العضوين مروان البرغوثي وحسام خضر .

 

مقاربات وأسباب دافعة لقرار حماس

 

ولكن من المهم القول أن حماس تدرك داخليا وفي صفوفها المتقدمة أن أسباب دخول التشريعي   لا علاقة له بالتصريحات العمومية ، فحماس تعتبر الرفض السياسي للمسالة خط ليس نهائي ، كونها حركة بالأساس دينية وتخضع حساباتها للحلال والحرام ، وعليه فإنها وان تحدثت من قبل عن رفض سياسي إلا أنها لم تقل انه رفض ديني ، مما يعني أنها تركت لذاتها هامشا في العودة ودخول التشريعي كما يجري حاليا متجاوزة بذلك شروطها السياسية السابقة ، ولكن علينا أن نتذكر أيضا أن حماس كانت تحوي في داخلها تيارا من قبل نادى بالدخول في انتخابات التشريعي السابقة ضمن فلسفة الاقتحام من الداخل والاعتراك مع وقائع السياسة الفلسطينية  بدل البقاء في دائرة الممانعة من الخارج وخسارة ما يعطيه التواجد في العمق من شرعية  وحضور سياسي وتحرك سلس ، وكان في ذهنية هذا التيار محاكاة  على شاكلة حزب الله في لبنان أو الجيش الايرلندي ، بما يجمع بين الفعلين السياسي والعسكري ، ولاشك أن تجربة الإخوان المسلمين في لبنان والأردن والكويت لها اثر مهم في تفعيل فلسفة هذا التيار ، ولكن الظروف الماضية من أجواء التسوية المشحونة وما صاحبها من خطاب تعبوي ضد التسوية أبقى أصوات هذا التيار ضعيفة ، ولكن  مع الوقت تقوى هذا التيار وارتفعت أصواته  داخل الحركة  لعدة أسباب أهمها ،اغتيال أو غياب العديد من القيادات التاريخية للحركة، الأمر الذي أدى إلى انتقال الحركة من الهجوم إلى الدفاع في محاولة منها لحفاظ على ذاتها ومقدرتها وبالتالي على مقاومتها وشرعيتها ؛ساند ذلك الضغوط الممارسة على دول الجوار النصيرة للداخل و التضييق على مصادرها المالية  في الخارج متوافقا معه ضرب مؤسسات الحركة الاجتماعية  في الداخل  ، وزاد الطين بلة نجاح إسرائيل جزئيا بخلط أجواء الشحن العالمي تجاه الإرهاب مع المقاومة الفلسطينية ، ثم عزز هذا التوجه تمني شعبي وثقافي على حماس أن تقود الشارع وتنقذه من براثن الفساد المستشري في  صفوف السلطة ، ثم جاء غياب عرفات وضعف حركة فتح وتقديم أبو مازن  تنازلات في مسائل الشراكة وتأكيد بعض الحريات والضمانات ، ثم جاءت انتخابات البلدية والفوز المهم الذي حققته الحركة  ليعزز توجهات الحركة  نهائيا تجاه  ضرورة مشاركة الحركة في انتخابات التشريعي  .

 

التشريعي بين مثالية حماس وحقيقة واقعه

 

لكن دخول التشريعي وكان له إرهاصات لايمكن القفز عنها أو تجاهلها ، إلا انه من المهم القول أن دخول حماس للتشريعي  ليس محفوفا بالورود ، وكما أن الفعل السياسي له مزايا مامؤلة فانه أيضا ملعب خطر الخطأ فيه بعشرة ، فمثلا تحاول حماس المزج  بين الفعل السياسي والعسكري  من خلال ممارسة المقاومة وكأنها ليس في البرلمان ، وممارسة استحقاقات البرلمان وكان المقاومة لا تؤثر على أدائها ، و هذه المعادلة من الصعب إن لم يكن من المستحيل تمريرها ، لان وجود الحركة في التشريعي يلزمها أن تكون جزء من المعادلة السياسية شأت أم أبت ، وسيكون السؤال الملح على الدوام هنا وطوال وجود الحركة في التشريعي كيف يمكنها أن تكون الحركة جزء من منظومة ملزمة أن تكون فيها ضمن استراتيجية التسوية ، بينما نداء الحق والواجب  يستصرخها  أن تبقي يدها على الزناد ؛ ولعل هذا سيؤدي إلى تمزق نفسي وجدل داخلي في جنبات الحركة يشد الحركة ذات اليمين تارة وذات اليسار تارة أخرى ، وسيكون على قيادة الحركة الانشغال بذلك خوفا من انشقاقات محتملة ، خلال ذلك سيكون الإشكال الأكبر لدى الحركة  حرق أوراقها وانكشاف قياداتها  ، وهذا بالضبط ما سيؤدي إلى تآكل هامش الحركة السري ورصيدها المهم كحركة مقاومة ، حيث لازال الشعب الفلسطيني بحاجة لمقاومتها لان الاحتلال ببساطة  مازال في أوج عدوانه ويتحكم بكل فواصل حياة الفلسطينيين  ، الأخطر من ذلك أن لعبة التشريعي ربما ستضطر الحركة – خاصة إذا ما حصلت على نسبة كبيرة – إلى التورط في لعبة الحكومة والوزارات والانغماس أكثر في ملفات الدولة والحياة والمجتمع ، وهذه المساحة على أهميتها ستوسع تدريجيا على حساب مشروع المقاومة و اولوياتها أحيانا ، وهنا ورغم أن الحركة ستسعى للانضباط والضبط الحزبي إلا أنها لن تستطيع التعامل مع نوابها بالآلية الحركية الداخلية لان استحقاقات النائب في التشريعي ستحتم عليه التعامل مع مواقف قد لا تتوافق بالضرورة مع مصالح الحركة الآنية ، والاهم من ذلك أن الحركة وان استطاعت تغيير أو  ضبط قائمتها المفروزة ضمن كوتا النسبية وقوانينها ، إلا أنها لن تملك حولا ولا قوة تجاه المرشحين ضمن الكوتا الفردية  كونهم منتخبين مباشرة من دائرتهم ولا يمكن للحركة استثنائهم .

الأخطر من ذلك أن الحراك السياسي ضمن كل هذه المكونات الفلسطينية التي يلعب فيه الاحتلال، يمكنه أيضا أن يضيق على من يشاء ويعتقل من يشاء، لايمكن لجهة دولية أو حقوقية أن تعطي لعضو منتخب حصانات في الواقع الفلسطيني، عندها سيضعف تأثير الحركة على الصيغة الداخلية وستصبح مشاركتها انفعالية وتسجيلية أكثر منها ذات فاعلية.

 

الحزبية السياسية بين الإعلان والممارسة

والغريب أن حماس التي تدرك حجم هذه الإشكاليات تصر على التمسك برفض تحولها إلى حزب سياسي رغم أنها تمارس الحزبية السياسية بكل مكوناتها في حالة دخولها للتشريعي، مع أن الحفاظ على المقاومة ربما يتطلب العكس فالإشكالية ليس بالتسمية بقدر ما هي مرتبطة بالدور الذي تؤديه الحركة أو احد أجهزتها، فمثلا فرز حزب سياسي يمكن لحماس أن لا ينعكس فشلها – لاسمح الله – في تجربة التشريعي على مشروع المقاومة الفلسطينية وبالتالي على القضية ككل، بينما وجود حزب سياسي يعطي ميزات للحركة من حيث توليد الانضباط الحزبي وتجميع شخصيات أكاديمية وشعبية مؤثرة وليست بالضرورة حركية، وهذا بالضبط ما سيجعل حماس أكثر انشغالا بمعادلة (المقاومة والاحتلال ) من انشغالها بمفاعيل السياسة والمجتمع، والاهم انه سيحمي مشروع المقاومة من أي صور سلبية وأضرار مستقبلية قد تلحق بالحركة نتاج إغراءات السلطة المورطة.

 

مقاربات متناقضة ونتائج مورطة

وتثير المقاربة بين تجربتي حماس وحزب الله إشكالا في الأسس المعتمدة لخلق هذا التشابه، فالمعادلة اللبنانية مختلفة من حيث أهمية المقاومة وأهدافها، وكذا طبيعة السلطة والمساندين لها، وكلنا يعلم أن السلطة الفلسطينية تتحرك ضمن استراتيجية التسوية وليس المقاومة وعليه فالمقاربات متناقضة.

وحتى المقاربة بين تجارب حماس والإخوان مختلة كون الإخوان يتحركون لتغيير أنظمة فاسدة بينما حماس تواجه احتلال إحلالي وليس فقط احتلال عسكري أو نفعي ، وبذلك هي مختلفة عن أي احتلال وعن أي نظام ، وحماس في أدبياتها تتحدث عن صراع عقدي حضاري وليس فقط صراع مكاني أو زماني .

ورغم ذلك وعلى أهمية القاعدة التي تحظى فيها حماس والتي بينتها الانتخابات البلدية ، إلا أن علينا أن نعترف أن عوامل فوز الحركة ليس أساسها فقط ما تمثله الحركة من ثقل ، بل أيضا ما تطمح إليه من مقاومة حيث لازال الوقت مبكرا على انتهائها ، والاهم أن الحركة ابتليت في بلديات مدمرة سيكون من الصعب عليها أن تعيد بنائها في سنين معدودة  ، ولذا فأمل التغيير لدى الفلسطينيين كبير لكن على الحركة أن تكون واعية لقدراتها والصعوبات التي ستواجهها ، وعليه فلا يمكن مقايسة فوز البلديات على نتائج متوقعة للتشريعي ، فالحركة وان حصلت على نسبة تصل إلى 40% في نظام النسبية ، إلا أنها لن تحصل على نسبة 25% من النظام الفردي ، لأسباب كثيرة أهمها أن غياب العديد من رموزها وقوة العائلية لدى الشعب الفلسطيني ، وهذا يعني ببساطة أن الحركة لن تحصل على قوة ملائمة وغالبة  بقدر ماهي قوة ممانعة تعتمد على تحالفها مع الأقليات ، وعندها ستكون الحركة على الوجهين ملامة على أي أخطاء في التجربتين ، أي حين تمرر الحكومة أو حين تسقطها .

أثناء كل ذلك سيكون هناك مخاوف أن تضيع الحركة بين أولوية أهدافها، وسيحدث تشويش على ثوابتها، التي طالما نادت بها، وسيساعد في ذلك العدوان الإسرائيلي الميداني المحرج في ضرورات الرد والصد مترافقا معه العدوان الإسرائيلي السياسي من تثبيت واقع العزل والاستيطان في القدس والأرض، وعندها سيكون هامش الفعاليات السياسية هامشيا ولن تتمكن أن تفعل حياله عشر ما تتمناه. 

 

الأفق

 

ليس المهم أن تدخل حماس التشريعي، الأهم هل حماس مستعدة لدخوله والتكيف مع تحدياته الكبيرة مقارنة مع إنجازاته المحدودة ؟ وإذا تكيفت حماس مع التحديات فهل بامكانها فعلا أن توازن بين التحديات والثوابت وان تحافظ على بوصلة الأهداف ومن ثم الاولويات، وان تعطي مساحة المقاومة حقها قبالة استمرار الاحتلال والعدوان، لكن رغم ذلك علينا الاعتراف أن المخاوف اكبر من الآمال، وان حماس تخوض تجربة مخاطرها لا تقل عن اشكالياتها وستكون تداعياتها أسرع من التوقعات، والمراهنة فقط هنا على وعي المقاومة الفلسطينية والحريصين عليها ، لأن فخ المغريات لا يقل خطرا عن واقع التضييق والمهددات  .