أزمــة
المدائــــن
مـن الكذبــة الكبــرى الى الفتنـة الكبــرى
بقـم:
حســن بيــان
على مدى ثلاثة أيام
متتالية تصدرت وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، أزمة في مدينة المدائن
العراقية التي تقع على مسافة 30 كلم من بغداد.
هذه المدينة التي يتشكل
سكانها من خليط متعدد الإنتماء الإيماني والطوائفي، لم يشهد ماضيها وحاضرها اي
توترات طائفية أو مذهبية، وبالكاد يعرف الناس طبيعة الإنتماء المذهبي لقاطني هذه
المدينة وريفها، وحالها كانت كحال كل مناطــق العــــراق ذات الإختلاط السكاني قبل
الإحتلال.
فجـأة" برزت أزمة
في المدائن عنوانها إحتجاز عشرات المواطنين العراقين ممن ينتمون إيمانيا" الى
مذهب معين ، وأُرفق الخبر الذي تصدر نشرات الأخبار مرات متتالية، إن محتجزي
المواطنين يطالبون برحيل الشيعة عن المدينة ومحيطها. ومع بيانات متتالية من مراجع
عدة نفت هذه الأخبار.
إلا إن التركيز بقي
قائما" على تلك القضية، وترافق ذلك مع إستنفار لقوات الإحتلال والأدوات
الأمنية الرديفة لها لإقتحام المدينة بحجة تخليص الرهائن.
وبالفعل دخلت قوات
الإحتلال وادواتها العراقية المدينة، وكانت النتيجة عدم وجــود رهائن محتجزين، وكل
ما إستطاعت ان تفعله قوات الإحتلال أن تمسك عدة أشخاص مطلوبين بأعمال جنائية.
وكي تعطي إدارة
الإحتلال وهجا" لعمليتها الأمنية والعسكرية، أعلنت إنها عثرت على سيارات
مفخخة ، وعلى مخازن أسلحة ومعسكر للتدريب. وبطبيعة الحال لم تستطع أن تلقي القبض
على من درجت تسميتهم بالإرهابين، لأنه وحسب زعم قــوات الإحتــلال والمرتبطين بها
، إنسحبوا قبل الدخول الى المدائن.
هذا الذي حصل في
المدائن يذكر بالمقدمات التي حصلت قبل محاولة إقتحام الفلوجة في ربيع 2004 وقبل
إعادة إحتلالها خريف العام نفسه، كما يُذكّر بالمقدمات التــي سبقــت إقتحام
سامراء والقائم وتلعفر والنجف والعمليات التي ’تنفذ في الموصل.
وعلى سبيل المثال لا
الحصر، روجت قوات الإحتلال أثناء حصارها الأول للفلوجـــة وبعد إعــادة إحتلالها ،
إنها أصبحت قاب قوسين أو أدنى من الإمساك بأبي مصعـــب الزرقاوي، وبعدما دمرت
المدينة ، تبين إن لا أثر للزرقاوي، والأمر ذاته أستحضر أثناء محاصرة الموصل.
وفي أزمة المدائن، تكرر
المشهد ذاته، دخلت قوات الإحتلال الى المدينة بحجة وجود مواطنين رهائن، وإذا
بالوقائع تثبت إن لا صحة لتلك المزاعم. ويبدو الأمر إن الأمـر سيتكرر في مناطق
أخرى من العراق وخاصة في المناطق ذات التركيب السكانــــي المختلط.
هذا التعامل الإعلامي
الذي روّج لما سمي إحتجاز مواطنين كرهائن، لا يمكن إدراجه إلا تحت عنوان كذبة جديدة تضيفها إدارة الإحتلال الى
أرشيفها المليء بالاكـــاذيب ، والتي بدأت مع الكذبة الكبرى حول إعلان إمتلاك
العراق لأسلحة الدمار الشامل والتي تحت عنوان هذه الذريعة شنت الحرب، لتعود وتعلن
بعد عام ونيف انه لا صحة للتقارير التي كانت تقول وتؤكد إمتلاك العراق أسلحة دمار
شامل. وانه بعد إنكشاف ذلك الزيف ، عادت أميركا لتبرر عدوانها وبالتالي إحتلالها
للعراق تحت حجــة إسقـــــاط الأنظمــــة
السياسية التي لا يستقيم أداؤها السياسي ومفاهيم
الديموقراطية وحمايـة حقـوق الإنســان كما يراها المبشّرون الاميركيون حول نشر
الديموقراطية وحقوق الإنسان.
ومرة أخرى ، تأتي
ممارسات الإحتلال في العراق لتثبت انهم قريبون من كل شيء إلا من مفاهيم
الديموقراطية وحقوق الإنسان. هم قريبون من ممارسة كل أشكـــال العنــف السياسي
والمادي ، فيما هم بعيدون من ممارسة أشكال الديموقراطية وحمايــة حقــــوق
الإنسان، وإذا كانت العينات التي سربت عن
أساليب التعذيب والسادية التي مورست مع المعتقلين في معسكرات الإعتقال،
تبين كم هي حقــــوق الإنسان مصانة ومحترمـــة فـي العراق المحتل، فإن تطييف
الحياة السياسية عبر ما سمي بالعمليـــة الإنتخابية والتـأسيس لتقاسم السلطة على
أساس طائفي وأثني، يعطي الدليل القاطــع
علـــى طبيعــــة النظـــام الديموقراطي التي تسعى أميركا لإقامته فب العراق.
إن الذي جرى كمقدمات
وسياقات للعملية الإنتخابية، ’يبرز الوجه الحقيقي لطبيعة النظام السياسي الذي تريد
إدارة الإحتلال إقامته، إذ إتضح انه نظــام يقوم علـى المحاصصــــة الطائفية، بحيث
لا تستقيم مرتكزاته إلا إذا تقدم الإنتماء الطائفـــي على الإنتماء الوطنـي، وهذا
يقتضي بالضرورة العمل لرسم حدود سياسية للطوائف في بنية النظــام، ومـن ثــم إسقاط هذه الحدود السياسية على حدود التوزع
الطائفي بحسب إنتمائهم الطائفي. وهــذا بالطبـع لــن يجد طريقـة الـى التحقق ، إلا إذا حصــل فـــرز طائفــي في المناطــق ذات
الإختلاط الطائفي.
ضمن هذا السياق تأتي
العمليات ذات الإثارات المذهبية والطائفية
والتي تحصل بإيحـاء من إدارة الإحتلال وكل
من له مصلحة في أحداث التفتت في وحــدة النسيــج المجتمعــي العراقي وأيضا"
العمليات التي تنفذ ضدّ المواقع ذات
الرمزية الدينية ، وانه ضمن سياق هذا المخطط التقسيمي لواقع العـــاق المجتمعي تأتــي
الأزمـة المفتعلـة حــول مواطنيــن محتجزين كرهائن في المدائن .
وهذا التشخيص الإعلامي
لأزمة مفتعلة في المدائن ، هو الأخطر من بين كل الأعمــال ذات الإثارات المذهبية
والطائفية، لأنه يعطي الإنطباع بأن الصـراع أصبــح بيـن كتــل شعبية على قاعدة
الإنتماء الطائفي والمذهبي، وهذا بالطبع يتجاوز أي صراع آخر ذي مضامين سياسية.
إن أزمة المدائن
المفتعلة بعنوانها السياسي الذي قدمت من خلاله ، ترتقي الى مستوى الفتنة الكبرى ،
وإذا كان قد تم تجاوز تداعياتها بأقل الخساـئر الممكنــة بسبب الإدراك العميق لإبعاد أهداف إدارة الإحتلال ، لبدء
السير بعملية الفــرز السكانـي على قــاعدة التوزع الطائفي، فإن هذه الأزمة لن
تكون الأخيرة ، خاصة وان مناطـــق الإختــــلاط السكاني تشكل الحوض المحوري
للعراق.
وإذا ما وضعت أزمة
المدائن المفتعلة في سياق تصريحات الجلبي والداعي لإقامة كيان في جنوب العراق على
غرار شماله، وتصريحات طالباني الذي سمي رئيسـا" للدولــة للإستعانة بمليشيات ذات تركيب بنوي
طائفي واثني للمساعدة في ضبط الوضع الأمني بعد الفشل الذريع الذي منيت به إدارة
الإحتلال وادواتها العراقية، لتبين إن هذا التناغـم إنما يأتي مترافقا" مع كل
خطوة سياسية تقدم عليها إدارة الإحتلال
لإحكــام سيطـرتـها على العراق.
من هنا ، فان أزمة
المدائن المفتعلة ليست صاعقة في سماء صافية ، بل جاءت في سياق الخطة التي ’يعد لها لإعادة رسم خارطة العراق السياسية على قاعدة إيجـاد
أرضــيـــة لتقسيم واقعي تكون حدوده ، حدود الإنتشار الطائفي والاثنـــ، وحيث لا
تستقيــم الحيــاة لهذه الخطة إلا إذا طيّفت الحياة السياسية على مستوى النــص
الدستــوري ، وهذا ما أكد عليه الدستــــور المــؤقــت التــي وضعتـــــه إدارة
الإحتـــلال ، والذي لــن يخــرج مـن سياقــــه ومضمونه ما ’يعد له عبر صياغة ما سمي بدستــور دائــم. كمـا انـه لا تستقيـم
الحياة السياسية لهذه الخطة ، إلا إذا ثبتت النصوص التطبيقية صيغة تقاسم
السلطة علـى أساس المحاصصة الطائفية ،
ويبقى العامل الحاسم ، هو إسقاط هذا
التطييف فـ النــص والممارسة على الواقع الشعبي والإنتشار السكاني ، وبحيث تكــون
أميركـــا المسكونـــة إدارتها الحالية بالفكر الصهيوني، وقد وضعت موقع التنفيــذ
المخـطط الصهيـونــــــــي الرامي الى
إسقاط الدولة الوطنية بكل مقومات الاساسية ، وإعادة تشكيل المنطقة علــى أسس جديدة
، هي دينية وطائفية ،حتى ليصبح ويبقى الكيان الصهيوني ، الموقع المقرر والمتحكم
ولفترة طويلة في السيطرة على المنطقة وإدارة أوضاعها.
لهذا ، إن الأزمة المفتعلة
في المدائن هي مؤشر خطير، وهي بالصـورة إلإعلاميـــة التي ’قدمت من خلالها ، هي
شرارة عود نار في هشيم ’يسحب منه نضوبه الوطني ليحل مكانه يبـاسه الطائفي، وعندها
سيشتعل الحقل بمن فيه.
إن مسؤولية مواجهة
إفتعال مثل هذه الأزمات ، التي ’تبرز بأنها ذات أبعاد طائفية، تقع على كل القوى
الحريصة على وحدة العراق الوطنية ، وعلى تماسك نسيجه المجتمعي ، وهذا يتطلب
موقفا" من القوى التي تقاوم الإحتلال وتمانعه وتعترض عليه.
وإذا كانت المقاومة
الوطنية معنية بالدرجة الأولى في التصدي لمثل هذه الإفتعـــالات للأزمة، فإن
المسؤولية تقع أيضا" على المرجعيات السياسية والدينية، والتي وإن لـــم ترتق
في موقفها الى مستوى الموقف الجذري من
الإحتلال وتشخيصاته، إلا إنها تبقى مطالبة بالتصدي لمثل هذا النزوع الذي تسعى
إدارة الإحتلال لإدخال العراق في أتونه، وحتى لا ’يترك المجال لتراكم الأزمات المفتعلة لتأسيس أرضية لمناخات الفتنة الكبرى.