المحبة الحقيقة لرسول الله في ذكرى ميلاده كيف تكون؟
بقلم :الشيخ
مصطفى شارور
- المحاضر بجامعة الخليل – سجن النقب الصحراوي
مازلنا نتلثم عبير
ميلاد المصطفى المختار الذي هلّ على الوجود وسعد به كل موجود في شهر ربيع الأول من
عام الفيل الذي وافق مرور خمسمائة وإحدى وسبعين سنة من بعد ميلاد أخيه عيسى بن
مريم المبشر به ، قال تعالى في صورة الصف: "ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه
أحمد " .
فقد كان ميلاده صلى
الله عليه وسلم في الثاني عشر من هذا الشهر ،وكان يوم الاثنين ، كما أنه نُبأ في
يوم الاثنين ، هاجر يوم الاثنين ، ودخل المدينة يوم الاثنين والتحق بالرفيق الأعلى
أيضا يوم الاثنين ، لذا كان صلى الله عليه وسلم يحب صيام يوم الاثنين من كل أسبوع
، فسأل عن سر صيامه لهذا اليوم قال :" ذاك يوم ولدت فيه" .
كما أن أعمال العباد
تعرض على المولى جل وعلا في كل يوم إثنين وخميس ، والمرء يحب أن يعرض عمله على
خالقه وهو صائم .
فعام الفيل الذي ولد
فيه الحبيب المحبوب أرى الله عز وجل أهل مكة آية كبرى حيث أهلك جيش أبرهة الحبشي
على أبواب الحرم المكي ،وتحديدا في وادي مُحَسِّر الواقع بين أرض مزدلفة ومنا ،
وهكذا حمى الله الكعبة البيت الحرام ، وأبقاها معتوقة وبمنجاة من قبضة الجبابرة
تبك أعناقهم إذا راموها بشر إكراما لهذا الوليد اليتيم ، ومعنى تبك : تدق وتقِصم ،
قال قتادة بن عامر السدوسي المفسّر : لم يقصدها جبّار – أي مكة – إلا قصمه الله عز
وجل .
ميلاد أحمد في شهر
ربيع إيماءة بأن هذا المولود هو الربيع للوجود ، وحقيق على كل موجود أن يبتهج بهذا
المقدم لأنه بخير مقدم جاء ، وحُق لشوقي أمير الشعراء أن يقول :
وصادق الحب يملي صادق
الكلم
وقد تعبد المحبون
ربهم سبحانه بنظم القصيد أو بتدبيج الكلم المنثور بمدح طه الأمين ،لأن حبه صلى
الله عليه وسلم إيمان ، والله ورسوله قد أمرانا بذلك ، حيث جاء على لسان الصادق
المصدوق قوله : " أحبو الله بما يغذوكم به من نعمه ، وأحبوني لحب الله "
.
ومعنى يغذوكم : أي
يمدكم ويرفدكم .
محمد بن عبد الله سيد
ولد آدم ولا فخر ، وهو أول شافع ومُشّفع ، وهو الذي أدناه ربه ليلة الإسراء
والمعراج واراه من آياته الكبرى حتى سمع صرير الأقلام في اللوح المحفوظ ، وما أجمل
هذا المعنى بلغة الشعر على لسان الشيخ يوسف النبهاني إذ يقول :
على رأس هذا الكون
نعل محمد علت ، فجميع الخلق تحت
ظلاله
لدى الطور موسى نودي
اخلع وأحمد لدى العرش لم يأذن بخلع
نعاله
إن تشنيف الأسماع
وإمتاع القلوب بسماع النشيد أو القصيد أو الاستكثار من الاطلاع على سيرة نبي الهدى
والرحمة ، لاتخاذه بعد هذه الأمور كلها أسوة وقدوة وقائدا وقرة عين ، أمر محمود
ومقدور البواعث ، شريطة عدم المغالاة ونسبة غير الحق من الأخبار لرسول الله صلى
الله عليه وسلم .
وما أجمل قول أحمد
شوقي في همزيته معبرا عن الفرحة الغامرة ببزوغ شمس الهداية الإلهية للعالمين ، سيد
الكونين والثقلين من عٌرب ومن عجم :
ولد الهدى فالكائنات
ضياء وفم الزمان تبسّم
وثناءُ
الروح والملأ الملائك
حوله للدين والدنيا به بشراء
العرش يزهو والحظيرة
تزدهي والمنتهى والسدرة العصماء
يا خير من جاء الوجود
تحية من مرسلين الى الهدى بك جاؤوا
وكذلك جاء على لسان
إمام المادحين رسولهم وهو البوصيري صاحب الميمية والهمزية التي عارضها شوقي في
أبياته التي ذكرناها آنفا :
كيف ترقى رقيك
الأنبياء يا سماء ما
طاولتها سماء
لم يساووك في علاك
وقد حال سنى منك دونهم وسناء
إنما مثّلو صفاتِك
للناس كما تمثل النجوم
الماءُ
إن المحبة الحقيقة
لرسول الله صلى الله عليه وسلم تتمثل بصدق الاتّباع لما جاء به من عند الله،لا
بتعطيل الدوائر والمؤسسات في يوم ميلاد المصطفى صلى الله عليه وسلم واعتبار هذا
اليوم عيداً وكفى ، مع التنبيه أن مسمى (عيد ) هنا على سبيل المجاز ، لا على سبيل
المدلول الشرعي لكلمة عيد الخاصة بيومي الفطر والأضحى وأيام التشريق الثلاثة
التالية ليوم النحر .
أن القاعدة الدالة
على صدق محبة النبي صلى الله عليه وسلم محصورة في قول الحق جل وعلا :" قل إن
كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم " أما الاكتفاء
بقراءة الموالد والتحلق لسماع طرف من سيرة المصطفى في حمله وميلاده – مع ضرورة
التنبيه الى أن كثيرا من المسائل والأخبار قد شحنت بها الموالد النبوية جهلا وعن
غير قصد الكذب على رسول الله من مثل : كون النبي ولد مختونا ، أو انطفاء نار
المجوس ، أو تصدع إيوان كسرى ، أو جفاف بحيرة ساوى وغير ذلك من الأخبار المكذوبات -
.
وينبغي أن يعلم أن
الكذب على رسول الله ليس ككذب على أحد ، وقد جاء في الحديث :" من كذب عليّ
متعمّدا فليتبوأ مقعده من النار " ولا نريد أن نفلسف القضية ونزعم أننا بهذه
المبالغات والمغالاة في شأن النبي الطاهر العلم إنما نكذب له لنكثر من أتباعه
ومحبيه ومريديه ، ولا نكذب عليه .
وينبغي أن يعلم أن
الحق لا ينصر إلا بالحق ، والغاية الشريفة لا يتوصل إليها إلا بوسيلة من جنسها
،والرسول صلى الله عليه وسلم عظيم عند الله سبحانه وتعالى دون هذه المبالغات
والمغالاة ، فعظمة الرسول صلى الله عليه وسلم من عظمة مرسله سبحانه ،ومن عظمة
الرسالة التي جاء البشرية بها ، ومن عظمة تمثله المبدأ الذي دعا البشرية إليه، حيث
جاء في الأثر قول أمنا عائشة رضي الله عنها ، ناعتة الرحمة المهداة والنعمة
المسداة بأنه : " كان خلقه القرآن " .
ونختم كلامنا هذا حول
مولد المصطفى صلى الله عليه وسلم بقول المرحوم الشيخ محمد الغزالي مصححا المفاهيم
للأمة بمناسبة المولد النبوي بهذه الكلمات :"أن احتفالاتنا التي ألفنا
إقامتها في شهر ربيع الأول عاطفة مقدّرة البواعث ، ولكنها لا تقبل ترجمة عن الحب
الواجب لصاحب الرسالة عليه الصلاة والسلام، وعندي – أي الغزالي – لو أن المسلمين
عطلوا هذه الأحفال كلها، وأقاموا بدلا منها حدّاً من الحدود المعطلة ، أو قانونا
من القوانين الإسلامية المهملة ، لكان ذلك أرضى لله عزل وجل وأحب لرسوله صلى الله
عليه وسلم " .