مصر: حبس الصحافيين
بقلم : محمد
كريشان
بتهمة سب وقذف وزير
الاسكان حكم مؤخرا علي ثلاثة صحافيين مصريين من صحيفة المصري اليوم المستقلة
بالسجن لمدة عام ودفع تعويضات مالية، وبذلك تطول قائمة الصحافيين المصريين السبعة
الذين أودعوا السجن في السنوات القليلة الماضية في قضايا رفعها أكثر من وزير بتهمة
السب والتشهير رغم وعد الرئيس مبارك العام الماضي بإلغاء عقوبة حبس الصحافيين إلا
أن لا تشريع في ذلك قد صدر حتي الآن.
لنتفق أولا أن
الصحافيين في أي مكان في العالم ليسوا فوق القانون وأن أيا منهم يقدم علي نشر
أخبار غير صحيحة أو تناول أعراض الناس وذممهم بمعطيات مغلوطة عليه أن يتحمل
مسؤوليته في ذلك ويحاسب، ولكن هناك ألف طريقة وطريقة للمحاسبة غير تلك الطريقة
السهلة برميهم في المعتقلات بهدف جعلهم عبرة لغيرهم، والنتيجة أن الرسالة
المستخلصة في النهاية ليست ضرورة التحري والتدقيق فيما ينشر وإنما تخويف أصحاب هذه
المهنة فتكمم أفواههم وتتكلس أقلامهم ففي الدول الحريصة علي الحقيقة حرصها علي
الحرية يحكم علي الصحافيين الذين ثبت تورطهم في اتهام أحد بغير ما فيه بنشر اعتذار
بارز في صحيفتهم وصحف أخري لأيام متعاقبة وتحميل مؤسسته، المسؤولة قانونا علي كل
ما تنشر، دفع تعويضات مالية ضخمة كثيرا ما يتنازل عنها المستفيدون بها بعد الظفر
بالاعتذار وأهمية تكراره وترويجه وأحيانا ما يتبرع بها لمنظمات خيرية أوانسانية.
المسألة الأخري أن
الصحافيين إذا ما كانت لديهم منظمة قوية مستقلة ومحترمة فإن لديهم القدرة إستنادا
لميثاق الشرف الذي يجمعهم أن يحاسب بعضهم بعضا وفق قواعد واضحة وديمقراطية لأن لا
مصلحة لهذه المهنة في أن تتهرأ مصداقية العاملين فيها عبر نشر قصص مختلقة أو توجيه
اتهامات لا سند لها ولا دليل وقد يكون لتوجيه نقابة صحافيين ذات مصداقية إنذارا
لهذا العضو أو ذاك علي هذه المخالفة أو تلك أو حتي تعليق عضويته أو إنهائها في
الحالات القصوي تأثير أكبر بألف مرة من إحالته علي المحكمة وإيداعه السجن لا سيما
وأن الانطباع السائد عندنا في البلاد العربية ـ طبعا بسبب انعدام الثقة وغياب
القضاء العادل والمؤسسات الحقيقية ـ هو أن من تحاكمه السلطة الحاكمة مظلوم
بالضرورة وأن ما يقوله الصحافيون ضد الوزراء وممارساتهم صحيح بالضرورة حتي وإن لم
يكن كذلك فعلا .
أما إذا كانت هبة
الوزراء المصريين أو غيرهم ضد الصحافيين ولجوؤهم المتواصل للقضاء انتصارا للحق
وإخمادا لفتنة الكذب والافتراء فإنه من الرائع أن تكون هبة كهذه معممة علي طول
البلاد وعرضها... بمعني أن يصبح بإمكان ليس الصحافيين فقط وإنما أي مواطن مهما كان
أن يرفع القضية تلو الأخري ضد كذب الحكومة المفضوح ليلا نهارا، كذبها فرادي وجماعة
في الخطب والتصريحات والخطط الإنمائية والبيانات المقدمة لبرلماناتها وللمنظمات
الدولية، خاصة تلك المعنية بحقوق الانسان حين تطالبها بردود أو توضيحات عن
الانتهاكات العديدة، كذب إعلامها المتكلس الذي لا يمل في النفخ في صورة القائد
الملهم وإنجازات الحكومة في كل المجالات، كذب صحافتها الرسمية والصحف البائسة
الدائرة في فلكها في تشويه صورة مخالفيها في الرأي والنهش في لحمهم بصورة منحطة
وقلب الحقائق والتعتيم علي كل شيء وتجميل كل ما هو قبيح.