المقاومة.. والمشاركة السياسية

 

 

 

بقلم :د. محمد عياش الكبيسي

 

يثور جدل في الشارع العراقي اليوم حول موقف المقاومة من المشاركة السياسية في ظل الاحتلال، وأنتج هذا الجدل الكثير من الآراء والمواقف المتباينة، الا ان كل هذه الآراء والمواقف يمكن ارجاعها الى التوجهات الآتية:

 

التوجه الأول: وهؤلاء لا يقرون أصلا بمشروعية المقاومة لأنه ليس هنالك احتلال وانما «قوات صديقة» ساعدتهم في تحقيق أهدافهم!!

 

التوجه الثاني: وهؤلاء يعتقدون أنه ليس هناك أي تعارض بين المقاومة والمشاركة السياسية، وانما هذا كله ضمن التنوع والاجتهاد المشروع.

 

التوجه الثالث: وهؤلاء يعتقدون أن المشاركة السياسية تتناقض تناقضا كليا مع مشروع المقاومة.

 

وهناك توجهات أخرى تقترب من هذا التوجه أو ذاك، أما التوجه الأول فهو خرق صارخ لكل الثوابت الشرعية والوطنية، ولا حاجة لمناقشته هنا لأننا خصصنا الحلقة الماضية عن «المنافقين» وهذا يكفي، أما التوجهان الآخران وما يقترب منهما فسنعرض لمناقشتهما مناقشة تأصيلية صريحة من خلال الاجابة عن السؤال الآتي:

 

هل المشاركة السياسية في ظل الاحتلال حرام شرعا؟

 

بداية لا بد من تحرير محل النزاع، فالمقصود بالمشاركة السياسية هنا هي ليس العمل السياسي بصورته المجردة فالسياسة جزء من الشريعة الاسلامية وآيات القران الكريم وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم شاهدة على ذلك، ثم ان المقاومة نفسها هي عمل سياسي كبير، ولولا الوعي السياسي بطبيعة المعركة وحقيقة أهداف الغزاة لما انطلقت المقاومة بهذا الحجم وهذه السرعة، نقول هذا لأن هنالك بعض الأصوات تتهم المقاومة بأنها ترفض أي مشروع سياسي لأن «السياسة حرام» في نظرها!! وهذا في نظرنا جزء من حملات التضليل والتشويه للمقاومة، ان محل النزاع الحقيقي هو المشاركة في المؤسسات السياسية ذات الطابع السيادي تحت ظل الاحتلال وذلك مثل المشاركة في «مجلس الحكم» و«الحكومة المؤقتة» و«الجمعية الوطنية».

 

ذهب أصحاب التوجه الثاني المؤيدون للمشاركة للاستدلال ببعض الأدلة الشرعية ومنها:

 

1- مشاركة النبي يوسف عليه السلام في حكومة مصر، بل هو الذي طلب المشاركة بقوله «اجعلني على خزائن الأرض اني حفيظ عليم» (يوسف/ 55) مع ان تلك الحكومة لم تكن حكومة اسلامية بل هي مشركة، وكان النبي يوسف هو المؤمن الوحيد في هذه الحكومة، فجواز المشاركة في الوضع العراقي الحالي من باب أولى.

 

2- استعداد النبي محمد صلى الله عليه وسلم للمشاركة في «حلف الفضول» وهو حلف جاهلي معروف حيث ورد في الأثر «شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا لو دعيت الى مثله في الاسلام لأجبت» (النهاية في غريب الأثر 3/456) والشاهد فيه ظاهر حيث أقر المشاركة مع غير المسلمين لتحقيق مصالح عامة.

 

3- أمر الرسول صلى الله عليه وسلم لنعيم بن مسعود الصحابي الذي اسلم أثناء معركة الخندق بأن يخذل عن المسلمين فذهب بعلم الرسول وجلس مع المشركين وأقنعهم بطريقة أو بأخرى بالانسحاب وكفى الله المؤمنين القتال (الرحيق المختوم/ 285)، وهذا دليل على جواز المشاركة في مجالس المشركين وهم أعداء مقاتلون اذا كانت هذه المشاركة تحقق مصلحة للمسلمين.

 

4 -ان عدم مشاركة أهل الحق والمخلصين من الناس في العملية السياسية يعني تفرد أهل الباطل والمنافقين في صناعة القرار وسيطرتهم على مفاصل الحياة العامـــة في البلد وتثبيتهم لقوانين ومبادئ لا تخدم البلد بل من الممكن أن تغير حتى من هويته وخارطته!!

 

ولمناقشة هذه الاستدلالات لننظر في النقاط الآتية:

 

1- يبدو أن الاستشهاد بقضية سيدنا يوسف لا تخدم هذا التوجه بحال، فمصر لم تكن تحت الاحتلال، وأهلها كلهم أو غالبهم كانوا يدينون بدين الملك، ولو استشهدنا بهذا على جواز تولي المسلم منصبا حكوميا في دولة غير مسلمة لكان هذا الاستشهاد مقبولا ومع هذا يحتاج الى ضوابط أخرى كأن تكون تلك الدولة ليست في حالة حرب مع الدولة المسلمة مثلا، أما المشاركة في حكومة لبلد مسلم خاضع للاحتلال فليس هناك وجه للشبه بين الحالتين.

 

2- أما حلف الفضول فهو الآخر بعيد عن محل النزاع وبينه وبين ما نحن فيه فوارق كبيرة، منها: أنه لا وجود لأي معنى للاحتلال أو العدوان في ذلك الحلف بل هو اسس أصلا لرفع الظلم، كما أنه هو حلف فيه تكافؤ ولهدف انساني مقبول، ولو استشهد بهذا على جواز المشاركة في منظمة عالمية لرفع الظلم عن الانسان لكان استشهادا مقبولا أيضا، أما المشاركة في حكومة يهيمن عليها الاحتلال كما في حق النقض «الفيتو» الذي وضعه «بريمر» بيده عند تشكيله لمجلس الحكم فليس له أي صلة بموضوع حلف الفضول.

 

3- أما مسألة «نعيم بن مسعود» ودوره في معركة الخندق، فهي بعيدة أيضا عن محل النزاع فنعيم رضي الله عنه ذهب بمهمة استخباراتية، وكان مهيّأ جدا لهذا الدور من حيث إنه غير معروف بالاسلام ومع هذا أمره النبي بالكتمان أكثر، وهذا يعني نجاح المسلمين بإحداث خرق في جسم العدو، والذي يشبه هذا ويقاس عليه ما يمكن أن تقوم به المقاومة اليوم من عملية خرق مخابراتي لجسم الاحتلال، أما الاستدلال بهذا في محل النزاع هنا فهو غريب غاية الغرابة.

 

4- أما الاستدلال بمنطق الواقع، فخلاصة القول فيه إنه ينظر الى مصالح آنية لا تخرج عن مخطط الاحتلال لإذكاء روح التنافس الحزبي والطائفي وتخويف كل فريق بالفريق الآخر، لإشغال الجميع عن مشروع المحتل نفسه، ولو نجح هذا المشروع لا قدر الله فان الجميع خاسرون، نعم هناك نغمة جديرة بالنظر متصلة بهذا الدليل وهي أنه لو كانت كل الشرائح العراقية مشاركة في هذه المقاومة لما حصل مثل هذا الاستدلال أصلا، ولكن يبدو أن هناك خشية حقيقية من «عملية تهميش» مقصودة لطائفة أو مكوّن أصيل من مكونات الشعب العراقي، مما ينذر بمخاطر مستقبلية كبيرة على مستوى هذا المكوّن بل على هوية العراق ككل!! والمشكلة في هذه النغمة أنها تنظر الى الربح والخسارة من زاوية المكاسب السياسية والحكومية، في حين أن الحكومة ليست كل شيء فقد تتمكن المعارضة من الاحتفاظ بمكانتها وشعبيتها ومصداقيتها أكثر بكثير مما يقدر عليه الوزراء أنفسهم! وان بعض المذاهب أو الاحزاب تطلق على نفسها طلقة الرحمة حينما تفقد مصداقيتها وبريقها بمشاركة رخيصة ووضيعة ومكشوفة الدوافع، ولقد رأينا كيف أن اسم لبنان أصبح مرتبطا بالمقاومة أكثر بكثير من ارتباطه بالحكومة نفسها!! وهذا كله اذا استمر العدوان والاحتلال لا قدر الله أما اذا تمكنت المقاومة من طرد المحتل فان كل الذين رضوا بالمشاركة لن يكون حالهم بأفضل من حال المليشيات العميلة للكيان الصهيوني في جنوب لبنان، اضافة الى كل هذا فهل يرضى المحتل حقيقة بمنافسة حقيقية؟ أم هي مجرد عملية تفكيك وارباك بقدر ما تقتضيه ظروف المرحلة؟!

 

وبعد هذه المناقشة لاستدلالات التوجه الثاني، نورد أهم الادلة الشرعية للتوجه الأخير:

 

1- عموم النصوص الواردة في الكتاب والسنة الصحيحة التي تأمر صراحة بمفاصلة العدو والبراءة منه من مثل قوله تعالى«يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون اليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول واياكم أن تؤمنوا بالله ربكم ان كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون اليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل» (الممتحنة/1).

 

2- رفض القرآن مبدأ «المصلحة» و«دفع المفسدة» كمبرر للاتصال بالعدو والتعاون معه، فقال في الأولى: «الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فان العزة لله جميعا» (النساء/139)، ولا شك أن العزة من المصالح لكنها ان جاءت من العدو فهي مرفوضة، وفي الثانية قال القران: «فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة» (المائدة/52)، والدائرة التي كان يخشاها هؤلاء الهزيمة بسبب اختلال موازين القوى وما يمكن أن يصيبهم بعد الهزيمة ولا شك أن هذه مفسدة كبيرة!

 

3- ان الرسول صلى الله عليه وسلم عانى هو وأصحابه من عذاب قريش في مكة الشيء المهول، ولقد كانت قريش تعرض على رسول الله العفو والمال والملك فكان جوابه «والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على ان أترك هذا الأمر ما تركته..» (سيرة ابن هشام1/266)، بل القران عبّر عن رغبة قريش بالمهادنة فقال: «ودّوا لو تدهن فيدهنون» (القلم/9).

 

4- لقد حذّرنا النبي من الدجال وهو قادم لا محالة ومعه كل أسباب الملك والقوة ومع هذا لم يقل لنا نبينا ان من مصلحة الأمة التقرب من هذا الطاغية لدفع شرّه على الأقل عن مساجدنا وأعراضنا وأموالنا بل حثنا على الصمود والمواجهة، وامتدح النبي ذلك الشاب الذي سيواجه الدجال بكل ايمان وبطولة، وهكذا هو منهج الاسلام وتعظيمه للذين واجهوا من قبل رغم ضعفهم طغيان فرعون والنمرود.

 

5- ان هنالك مفاسد كبيرة لهذه المشاركة على أرض الواقع ومنها:

 

أ- تمييع الفواصل بين أهل الحق وأهل الباطل، وفتح المبررات بلا حد لأصحاب الأهواء والمصالح الشخصية وبائعي الضمائر والأوطان، فاذا كان الخائن يشعر سابقا بالعار فاليوم يمشي مرفوع الرأس وتدعمه فتاوى «دينية» وأمامه «عمائم ولحى» يتبادلون الابتسامات والمصافحات مع العدو الذي قتل العباد ودمّر البلاد، علما أن تمييز الصفوف لوحده مقصد شرعي كبير، قال تعالى: «ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب» (آل عمران/179)، ولما أذن النبي للمتخلفين عن المعركة قال له الله: «عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين» (التوبة/43). لقد صرنا اليوم نلام حتى اذا انتقدنا أي مشروع أمريكي لأنه ليس هناك من مشروع الا ويحاول أن يطعمه ببعض العناصر العراقية من قبل الاحتلال والى اليوم.

 

ب- ان مقاومة المحتل واجب اسلامي مقدس وهو يحتاج الى تحشيد جميع الطاقات لا سيما مع عدم تكافؤ القوى، وليس من المصلحة فتح مسارب لطاقات الشباب في مسارات أخرى فلا شك أن الجهاد ثقيل على النفس ولذلك فهو يحتاج الى تعبئة كبيرة يقول القرآن: «يا أيها النبي حرّض المؤمنين على القتال» (الأنفال/65)، فكيف يستطيع أن يحرض على القتال من يجالس المحتل ويواكله؟! لقد سمعنا من عمائم ودعاة انجروا الى مثل هذه المشاركة وكانوا من قبل ينادون باحياء عقيدة الجهاد في الأمة ثم قال بعضهم: ان المشاركة السياسية هي واجب مثل الجهاد والمسلم يختار ما يناسبه!! ثم تطوّر الأمر فصرنا نسمع بآذاننا شتيمة المجاهدين ووصفهم بالارهابيين!!

 

ج- ان مشاركة فئات من «المجتهدين» هؤلاء في عملية سياسية برعاية المحتل لن تمكنهم من تحقيق قوة مؤثرة حقيقية وذلك لأسباب كثيرة ومعروفة ومنها مقاطعة المقاومة لهذه العملية واقتصار العملية أيضا على الفئات المصنفة خارج المقاومة، وبناء على هذا فان المشاركة الهزيلة هذه سيكون دورها اضفاء الشرعية على نتائج هذه العملية وتثبيتها حتى بعد خروج المحتل وقطع الطريق على كل من يطالب بتصحيح النتائج وفق آليات تستند الى السيادة والحرية والتكافؤ الحقيقي.

 

ان الذي نخلص اليه من كل هذه المناقشة أن المشاركة السياسية بالوضع الحالي في العراق ومع وجود المحتل لا تخدم الا المحتل نفسه ولذلك كان حرصه عليها أكبر حتى من المشاركين أنفسهم، وان الاقرار بشرعية المحتل أو شرعية اجراءاته وقوانينه وترتيباته يعد مخالفة صريحة لعقيدة الولاء والبراء، وأن كل التبريرات التي يسوقها دعاة المشاركة لا تقوى على نقض الأصول الثابتة في عقيدة الأمة وفقهها.

 

لكن لا بد من التنبيه ثانية الى أن هذا الحكم لا يشمل الوظائف المدنية التي لا تستقيم حياة الناس بدونها كالصحة والتعليم والوقف، كما أنها لا تشمل عمليات الاختراق المعروفة في كل الحروب، وربما يكون لنا وقفات تأصيلية لمثل هذه القضايا.