دفاع عن المعجزة
سقوط
مبدأ حتمية القوانين الطبيعية
2\2
بقلم :د. يحيى هاشم حسن فرغل
yehia_hashem@ hotmail .com
http://www.yehia-hashem.netfirms.com
وفيما يلي نضرب أمثلة
لقوانين طبيعية داخلة تحت حكم الاحتمال ، في حين يبدو
أنها لدى الحس العام يقينية سواء في جهة
الإثبات أو جهة النفي :
احتمالية وجود بعد
رابع للفضاء :
إن الدلائل الحسية
تقنعنا بأننا نعيش في فضاء ثلاثي الأبعاد -
عدا الزمن - وهذه الأبعاد الثلاثة هي الحد الأدنى فحسب ، يقول جون كيمني :
( نحن لن نتمكن ألبتة من التوصل إلى إثبات دامغ بعدم وجود أبعاد أخرى .
وكل ما نستطيع قوله
أن كل الذي قمنا بمشاهدته إلى الآن يمكن تعليله بواسطة قوانين لا تفترض وجود اكثر من ثلاثة أبعاد فضائية ، إلا أنه ليس مستحيلا أن تظهر
بعض الأدلة التي تجعلنا نتخلى عن هذه الفرضية ). الفليسوف
والعلم لجون كيميني ، ترجمة د: أمين الشريف ، نشر مؤسسة فرانكلين
عام 1965 ص 99 0
قانون الضغط الهوائي :
يقول جيمس كونانت : ( إنني على سبيل المثال أتجنب أن
أطلق وصف الحقيقة على أن الأرض التي نعيش عليها يحيط بها
بحر من هواء له ضغط نشأ عما بهذا من ثقل الهواء ، إني في بحث كالذي نحن فيه أفضل أن
أسمى هذا المنطوق لاحقيقة ، ولكن تفسير فكرى محتمل ..
وهو لم يختلف في
جوهره عن المنطوق الذي يقول : " إن نواة الذرة تتألف من بروتونات ونيترونات "
. وهو قول لا يزال كثير من العلماء يعدونه فرضــاً أو نظريــة ، لا حقيقـة
ثابتة ). مواقف حاسمة في تاريخ العلم ، ترجمة د
أحمد زكي ، نشر دارالمعارف
قانون الجاذبية
والتنافر الكوني :
ويشتهر لدى الناس أن
العلم وصل بالفعل إلى ما يسمى بالقانون النهائي ويضربون المثل لذلك بقانون الجاذبية ، وسنرى فيما يلي إلى أي حد يصح أن نرى في الجاذبية
قانوناً يقينيا مطلقا بعد أن ظهر ما يناقضها
في طبيعة الأجسام .
إن من الأفكار
المذهلة التي أظهرها الفلك في القرن العشرين أن الكون يزداد اتساعاً أكثر فأكثر . والاعتقاد في تمدد الكون من الأمور التي تتفق فيها
ملاحظات الفلكيين من ناحية والنظريات التي تستند على القوانين العامة للفيزياء من
الناحية الأخرى .
وذلك أن ألبرت
أينشتاين ، كان قد انتهى من إثبات أن الكون لا يتغير من حيث الحجم ،وكان هذا
الإثبات مبنيًا على نظريته النسبية .
وفي سنة 1922 كان
ألكسندر فريد مان يدرس معادلات أينشتاين . فعثر علي
غلطة في عمليات الجبر ، وعندما صححت أثبتت العمليات الرياضية أن الكون لا يبقي
ثابتاً كما كان أينشتاين يعتقد ، بل يتغير إما بالزيادة في الحجم أو بالنقص ( واعترف
أينشتاين فيما بعد بخطئه قائلا : إن هذه كانت أكبر غلطة وقع قيها في حياته ).
يقول السير آرثر أدنجتون :
(من الاستنتاجات التي
أخذناها عن النظرية النسبية أنه يجب أن توجد قوه تعرف باسم (التنافر الكوني ) ، تعمل علي نشوء مثل هذا النوع من التشتت الذي معه يتباعد كل
جرم عن أي جرم آخر .
ووجود التنافر الكوني
هو أيضًا نتيجة تمخضت عنها النظرية ،على
الرغم من أنه غير معروف على نطاق واسع لأسباب مختلفة .
ولا أستطيع أن أرى
سبباً للشك في أن التباعد المرصود للسدم الحلزونية يرجع
سببه إلى (التنافر الكوني ) ، إنه هو النتيجة التي تنبأت بها
نظرية النسبية والتي كنا نأمل العثور عليها ) انتصارات العلم الحديث لميلفن برجر ترجمة د ثابت قصبجي وعبد العزيز محمود ص 168-170.و العلم أسراره وخفاياه جـ1
لهارلو شابلي وآخرين ، ترجمة
د جمال الغندور ومحمد صابر سليم ط 1971 ص 97
.
هذا من الناحية
النظرية ، أما من الناحية العملية :
فقد وجد أدوين هابل باستعمال منظار الطيف : أن المجموعات النجمية البعيدة تزيد من حيث الانتقال الأحمر عن القريبة منها
، أي أن خطوط الطيف بها تنتقل إلى الناحية الحمراء وهذا
يعنى أنها تنتقل بعيدًا عنا .
وفى سنة 1928 ربط
أدوين هابل بين النظرية التي تبين أن الكون يتغير ،
وبين ملاحظاته التي تبين أن المجموعات النجمية البعيدة
تندفع بعيدًا بسرعة أكبر من المجموعات الأقرب منها . ووضع نظرية للكون المتغير جاء
فيها أن الكون بأجمعه يتمدد - ويصبح أكبر فأكبر . ولا
يعنى ذلك أن جميع المجموعات النجمية تبعد عن مجموعتنا ،
بل إن كل مجموعة تتباعد عن كل مجموعة نجمية أخري العلم
أسراره وخفاياه جـ1 لهارلو شابلي
وآخرين ، ترجمة د جمال الغندور ومحمد صابر سليم
ط 1971 ص 97
إن النفور لا يوجه
مباشرة ضدنا ، فإن المجرات في نفس الوقت الذي تتباعد فيه عنا إذا بها تتباعد بعضها عن بعض كذلك .
ولو قدر لغرفتك أن
تتمدد بمقدار 10 في
المائة بالنسبة لأبعادها ... مع تباعد المقاعد عن بعضها بنفس
النسبة ، فإنك سوف تظن لأول وهلة أن كل شيء يتباعد عنك . فالشخص الذي يبعد
عنك بمقدار عشرة أمتار يكون قد تحرك مترًا آخر بعيدًا عنك ،
والذي يبعد 20 مترًا يكون قد ابتعد بمقدار مترين وهلم جرا .. وفى حالة المجرات
كذلك يكون التباعد متناسبًا مع المسافة . وقانون التناسب هذا يميز التمدد أو
الاتساع المنظم ، وهولا يتجه بعيداً عن مركز بالذات ولكن يسبب تشتتا عاماً أو
تناثرًا . العلم أسراره وخفاياه جـ1 لهارلو شابلي وآخرين ، ترجمة د
جمال الغندور ومحمد صابر سليم ط 1971 ص95
فلو أتيح لشخص ما أن
ينتقل بقوة سحرية إلى أى نقطة أخرى في الكون فسوف يجد
أيضاً أن جميع المجموعات النجمية
تتحرك بعيدًا عنه . ويسهل على القاريْ تصور هذا الأمر إذا تخيل الكون في صورة كتلة
من العجين محشوة بالزبيب ، بحيث يكون العجين ممثلا الكون والزبيب ممثلا مجموعات
النجوم ، فقبل إدخال العجين في الفرن يكون الزبيب متقاربًا بعضه إلى بعض.. ولكن
بعد إدخاله الفرن يأخذ في العلو ويكبر حجمه وينتشر الزبيب جميعه والزبيب هنا لا
يتحرك بعيدًا عن زبيبة معينه ، بل يتحرك كله بعضه عن بعض
. ولا تقتصر فائدة منظار الطيف – عن طريق الانتقال الأحمر – على تعريفنا أن الكون
يزداد حجمًا فحسب ، بل إن مقدار الانتقال في حد ذاته يفيدنا عن سرعة تراجع كل
مجموعة من المجوعات النجمية . وبعض المجموعات النجمية التي توجد في الحدود القصوى التي يمكن أن تراها
تلسكوباتنا تندفع بعيداً عن مجموعتنا بسرعة قد تبلغ 38000 ميل في الثانية أي بأسرع
من خمس سرعة الضوء . وفى الوقت الذي يستغرقه القارئ في قراءة هذه الجملة تكون فيه
أمثال هذه المجموعات قد توغلت 150000 ميل أخرى في الفضاء الخارجي وعند انتهائه من
قراءة هذه الجملة أيضا يمكن أن يتوقع زيادة قطر الكون بما يقرب 700000 ميل
انتصارات العلم الحديث لميلفن برجر
ترجمة د ثابت قصبجي وعبد العزيز محمود ص 171 ، 172
ويسير الاتساع
بالمعدل الحالي إلي المدى الذي معه سوف تصل السدم إلي
ضعف أبعادها في مدي 1300 مليون سنة .
( وباعتبار أن المجرات
هي كل الكون الذي نعرفه فإن تمدد المجموعة أو تناثر المجرات بعيدًا بعضها عن بعض
يعرف عادة باسم تمدد الكون ، والمسألة التي تنشأ عن هذا التمدد هي مسألة (الكون
الآخذ في الاتساع ). العلم أسراره وخفاياه لهارلو شابلي وآخرين ، ترجمة د جمال الغندور ومحمد صابر سليم ط 1971 جـ1ص 96
يقول سير آرثر أدنجتون (ولا أستطيع أن أرى سببًا للشك في أن التباعد المرصود
للسدم الحلزونية يرجع سببه إلى (التنافر الكوني ) ،
وأنه النتيجة التي تنبأت بهـا نظرية النسبية ) أنظر
العلم أسراره وخفاياه للدكتور هارلو شابلى ص 95- 97 والنصوص المأخوذة من السيرأرثرأد
نجتون نشرها فى مقال له عام 1937
0
وهذا مثال واضح على أن قانون الجاذبية لم تعد له
الصلاحية السابقة التي تجعل منه قانوناً نهائيًا مطلقًا !!
تفسير ظاهرة الضوء :
وفضلا عن أنه لم يعد
في مجال العلم ما يسمي بالقانون النهائي فإن العلم مضطًر في بعض الحالات إلي الأخذ
بنظريتين متعارضتين ، يعلم العلماء ما بينهما من التعارض ، والتنافر ، ولكنهم
يجدون أنفسهم مضطرين إلي الأخذ بهما معاً ..
وهذه الحالة نجدها في
التفسير العلمي لظواهر الضوء ..
لقد
ظهرت بين عهد جاليليو
والعهد الحاضر نظريتان عن ماهية الضوء . لقد اعتقد البعض أن الضوء ما هو إلا حركة
تموجية ، على حين اعتقد آخرون أن الضوء يتركب من ملايين الجزيئات الصغيرة التي
تنبعث مندفعة من مصادر الضوء . أي أجسام
دقيقة تقذفها الشمس والنجوم والمصابيح والنيران .
ولقد انقسم العلماء
إلى فريقين يؤكد كل فريق رأياً من هذين الرأيين ، وحتى عهد قريب انحاز الناس
لنظرية التموجات الضوئية ، إذ كانت أقرب إلي الصواب ،
واستطاعت أن تفسر تجاربهم المختلفة في الضوء . ولكن بعض التجارب التي أجريت بعد
ذلك لم يمكن تفسيرها بواسطة نظرية التموجات ، بل أمكن
إثباتها فقط بواسطة تكوين الضوء من جزئيات دقيقة . من هنا بدأ الاعتقاد يسود بصحة
النظريتين : أن نعتقد أن الضوء يتركب من تموجات ، كما
أنه يتركب من حزم من الجزيئات المندفعة بسرعة 186300 ميل في الثانية ( والغريب في
الموضوع هو : أن هاتين النظريتين لا تتفقان إطلاقًا ، فكيف يمكن بأي حال من
الأحوال أن نفترض صحة كلتيهما ؟ … لا أحد يعرف ) كيف تدور عجلة الحياة لإدوارد ج. هيوي ، ترجمة د محمد صابر سليم . ص 164 ، 165 0
يقول جيمس كونانت :
(كثير من الظواهر
الضوئية ، يكون تفسير الضوء فيها على أنه حركة موجية ،
وفى بعض هذه الظواهر يكون تفسيره على أنه شعاع من نور يتألف من دقائق ..
وكانت هذه النظرية- نظرية
الدقائق - هي أقدم النظريتين ، وكان مكانها في العلم راسخًا حتى إذا جاء عام 1800
حدث فيه أو حوله أن كشفت التجارب عن ظواهر يصعب تفسيرها - إن لم يتعذر - إلا
بالنظرية الموجية ..
ثم ما انتصف القرن
التاسع عشر حتى اطمأن العلماء إلي هذه النظرية ، النظرية الموجية
، كل الاطمئنان .
وفى عام 1912 صار من
الواضح أنه توجد ظواهر كثيرة في امتصاص الضوء وانبعاثه لا يكمن تفسيرها إلا بنظرية
الدقائق ..
ووقع العلماء في حيرة
، وكان لديهم الأمل في الخروج منها ، والاعتقاد بضرورة ذلك ولقد أذكر أني سمعت في
تلك الأيام عمدة في علم البصريات بجامعة هارفارد يقول في محاضرة :" إن الضوء
لا يمكن أن يكون موجات ودقائق في آن واحد ، إنه إذًا لسخف ".
وعاد يؤكد لسامعيه
أنه لابد أن تجري تجربة حاسمة تقضى بين النظريتين ..
وها نحن بعد عام 1950
ولم تجر تلك التجربة بعد ، وإني لأشك في أن أجد اليوم كثرة من العلماء تؤمن بأن
هذه التجربة الحاسمة لا بد آتية ،إن الظن الغالب الأغلب أنها لن تأتي أبدًا .. والرأي
اليوم في تفسير الضوء أن هناك نظريتين تفسران ظواهر الضوء جميعًا ، وظلتا تفسرانها
منذ عشرات السنين ، إحداهما تفرض وجود دقائق وبها تفسر
بعض هذه الظواهر ، والأخرى تفرض وجود الموج ، وبها تتفسر ظواهر أخرى ) مواقف حاسمة لجيمس كونانت
ترجمة د أحمد زكي ، نشر دار المعارف ، عام 1963 ص 52 ،53 0
ويظن البعض أنه قد تم
الخروج من هذا التناقض بالفكرة التي تقدم بها العالم
الفيزيائي لويس دي برولي ،
والقائلة : بأن الضوء مؤلف من جزيئات ومن موجات معاَ ، ونقل هذه الفكرة إلي ذرات المادة ، فوضع نظرية رياضية يكون فيها كل جزيء صغير من
المادة مقترناً بموجة .
على أية حال فكما
يقول هانز ريشنباخ ( تأكد هذا الكشف منذ ذلك الحين
بوصفه نتيجة محتومة للطبيعة التركيبية للمادة ، وبداية عهد التفسير المزدوج ) نشأة
الفلسفة العلمية لهانز ريشنباخ ، ترجمة د فؤاد زكريا ص165
0.
ثم يقول هانز ريشنباخ شارحا ما في هذه النظرية من صعوبة منطقية :
(هكذا تتخذ ثنائية
التفسير صورتها النهائية . فالكشف الذي توصل إليه دي برولي والقائل بأن الذرات جزيئات
وموجات معاً ليس مقصودا به ذلك المعنى المباشر المتبادر القائل : إن الموجات
والجزيئات توجد في وقت واحد ..
بل إن له معني غير مباشر ؛ هو أن الواقع الفيزيائي يقبل تفسيرين ممكنين ، كل منها
يماثل الآخر في صحته ، وإن يكن من غير الممكن الجمع بين الاثنين في صورة واحدة .
فواو العطف هذه لا
تنتمي إلي الفيزياء وإنما إلي فلسفة الفيزياء ..) نشأة
الفلسفة العلمية لهانز ريشنباخ ، ترجمة د فؤاد زكريا ص 158
وهكذا يتبين أن إحلال ".. معاً " محل "
.. إما وإما " لم يتم الأخذ به إلى نهاية المطاف ، وليس حلا للمشكلة ولكن تأكيدًا لها !!
لا حتمية القوانين في
مجال الإرادة الإنسانية :
يقول جون كيمني :
لا يستطيع أي مقدار
من الجدل البارع المعقد الغامض أن يقنع أياُ منٌا، أنه لا خيار له في تقرير
استعمال يده اليمني أو اليسرى لحك أذنه . فالواقع أننا
نتخذ قرارات حرة كل يوم ، وأن دور العلم هو أن يفسر هذا الواقع لا أن يبرهن على
العكس .
وبالإمكان أن نعيد
سوق الحجة بقولنا : إنه لا يمكن أن يكون لنا اختيار حر ، لأن قانون الطبيعة يبين
من الآن النتيجة التي سيؤدي اختيارنا إليها ، فإذا كانت النتيجة " مقدرة "
فليس لنا خيار حر فيها .
وخلاصة القول أن
التكهن الكامل للحوادث أمر يبدو أنه غير وارد حتى بالنسبة لعالم الجماد ، أما
التكهن بالأفعال البشرية فهو أكثر المشاكل التي يواجهها العالم تعقيدا ، ولا يصح
لنا أن نتوقع في هذا المجال إلا تقدمًا كأبطأ ما يكون
التقدم .
كما يجب أن نتوقع أن يظل كثير من أنواع القرارات
أبدًا خارج قدرة العالم على التكهن.
والأهم من هذا كله أن
علينا ألا ننسى أننا كائنات بشرية ، فمجرد قيام عالم ما بمراقبة حركاتنا قد يكفي لتغييرها
، وهذا هو أكثر العوامل التي تعقد الأمور بالنسبة للعالم السيكولوجي ، كما أنه
أبسط وسيلة لتبيان العلاقة بين التكهن والإرادة الحرة ، فعندما نتكهن بموضع سقوط
حجر ما فإن لنا أن نجعله يفعل ما نريد ، ولكن قل لإنسان ما أنه سوف يحك أذنه بيده
اليمنى والمرجح أنك ستجده يستخدمها ، بدلا من ذلك لتسديد لكمة إلى أنفك .. ) الفيلسوف
والعلم لهانز ريشنباخ ، ترجمة د فؤاد زكريا ص325- 231 0
ويقول الدكتور ف .هـ .
مترام أستاذ علم وظائف الأعضاء بجامعة لندن من عام 1920 إلى 1944 في كتابه ( الأساس
الجسماني للشخصية ) وهو بصدد إبطال الأخذ بنظرية الوراثة على أنها تحدد " كل "
الصفات التي تتصف بها الشخصية :
يجب ألا يفوتنا ذكر
أن أي جينة خاصة من الجينات في النمط الوراثي الحقيقي ، لا تحدد إلا استعدادات
معينة .. وأن بعض هذه الاستعدادات فقط هو الذي يتحقق أثره في أثناء النمو في
الأطوار التالية ) الأساسى الجسمانى
للشخصية للدكتور ف هـ مترام ، ترجمة د عبد الحافظ حلمي طبعة الألف كتاب عام 1966 ص
175
وللتدليل على أن عامل
الوراثة " الجينات " لا ينفرد بالتأثير في مصير الإنسان يقول الأستاذ آشلى مونتاجيو: ( إن من أعظم
الأمور أهمية أن تفهم أن الكائنات الحية ليست نتائج أفعال، بل تفاعلات )..
فليس هناك مثلا "
جينة " تقوم بعملها هكذا منفردة ، فالجينات تتفاعل مع جينات أخرى ومع البيئة
التي توجد بها ، والبيئة تتفاعل مع الجينات ... فالجينات
أو البيئة لا يمكنها كل على حدة إحداث التطور ، بل لابد
لهما لإحداث ذلك من التفاعل معاً ) الوراثة البشرية لآشلي
مونتاجيو ، ترجمة زكريا فهمي ، نشر فرانكلين
عام 1970 ص 93 ،94
(إن التطور حالة
متحركة تتفاوت بتفاوت الظروف ..
فالمصير الذي تئول
إليه أية خلية ، وجزء الجسم الذي تدخل في تكوينه ، لا يتحددان
فقط بواسطة الجينات التي تحتوي عليها هذه الخلية ، بل يتوقفان أيضا على الظروف
المحيطة بها . وهذا هو الذي يمكن للخلايا التي تحتوي
علي نفس الجينات ونفس المواد أن تكون أجزاء الجسم العديدة المختلفة ) المصدر
السابق ص101، 102
ويقول : ( إن الشخص
لا يرث صفات أو خصائص مميزة ، فنحن عندما نتحدث عن لون العين " الموروث "
أو شكل الأنف الموروث ، فإنما يكون حديثاً من باب المجاز فقط ، فوجود هذه الصفات
والخصائص في الخلايا الجرثومية لا يزيد على وجود أجزاء الطائرة في المواد المختلفة
التي تصنع منها هذه الطائرة ) الوراثه البشرية المصدر
السابق ص103 0
.
ويقول : (يمكن علي
نحو ما تشبيه الجينات بالأدوات ، والبيئة بالمواد التي تشكلها هذه الأدوات .
فالجينات لا تستطيع
أن تنجز إلا بقدر :
( أ) ما تتيح لها
حدودها الخاصة أن تنجزه .
(ب) ما تهيئه لها
المادة من فرص .
ويمكننا أن نعكس هذا
الوضع وننظر إلى البيئة على أنها الأدوات التي تمارس عملها في الجينات ، أي المواد
الخام ، فالأدوات الرديئة لا تقوم بعملها على نحو سليم سواء أكانت المادة التي
تصنعها جيدة أم رديئة .
أما الأدوات الجيدة
فتتوقف درجة إجادتها على القدر الذي تسمح به المادة بهذه الجودة سواء أكانت هذه
المادة جيدة أم رديئة ) الوراثة البشرية المصدر السابق ص103 0
ويقول الأستاذ آشلى مونتاجيو :
(من الخطأ الاعتقاد
بأن الجينات هي التي تحدد تماماً ما سوف يكون عليه شخص ما ، أو ما هو عليه بالفعل
، ومن ثم لا يبقي شيء يستطيع الإنسان عمله إزاء الوراثة ، والواقع أن هذه طريقة
شائعة للتفكير في الوراثة ، وهى طريقة مزيفة تماماً .
ومن سوء الحظ أن
عدداً كبيراً من الثقات وقعوا في هذا الخطأ الذي يعرف بأسماء مختلفة هي : "المغالطة
البيولوجية " أو " المغالطة الاختزالية " أو "مغالطة ليس إلا"
.. إن الطبيب غير المستنير هو الذي يقول : "هذه حالة وراثية ، فليس هناك ما يمكن عمله بصددها
".
ويقول مونتاجيو عن هؤلاء ساخراً : (وإذا شاء أحد أن يكون علامة
لوذعٌيا ، فبوسعه أن يطلق على هذه الحالة اسم " الأديوباثية
الخلقية " وتعني " العلة الخلقية" ، وهى تسمية تؤدي بالفعل إلي
إغلاق الباب في وجه إمكانية عمل أي شيء في هذه الحالة .
ولقد صدق من قال : إن الجدران العالية لا تصنع سجناً ، في حين تصنعه
التعبيرات العلمية في كثير من الأحيان ) الوراثة البشرية المصدر السابق ص 97 - 99.
ويقول : ( قد يكون من
المفيد أن تستبدل فكرة الإمكانات الكافية بفكرة الوراثة ) المصدر السابق ص 104 0
وعلى سبيل المثال
فإنه من الصحيح ( أن أحدًا منا لم يكن في وسعه مطلقا أن يتكلم -بالرغم من أننا
جمعيا نولد بإمكانيات للكلام - لو لم يكن قد سمع أناساً آخرين يتكلمون ) المصدر
السابق ص151 0
ويقول الأستاذ آشلى مونتاجيو :
(هناك اعتقاد شائع
بين الناس مفاده أن مجرد إثبات أن صفة ما وراثية ، يعني على نحو ما أن هذه الصفة
لا يمكن تغييرها بواسطة العوامل الوراثية . ولكن الحقيقة هي أن البيئة لا تقوم فقط
بتنظيم ظهور العوامل الوراثية الكامنة ، بل تستطيع أيضاً في جميع الحالات التأثير
في البناء الأساسي لهذه العوامل ) ويقول : (إن البيئة الجيدة يمكنها أن تعوض
كثيراً من عيوب الجبلة الموروثة ) الوراثة البشرية المصدر السابق ص444.
ويقول : (الواقع أن
متاعبنا لا تنشأ عن المعتوهين بيولوجيٌا بل من المعتوهين اجتماعيٌا..وهؤلاء
المعتوهون اجتماعياٌ ينتجهم المجتمع لا الجينات .. ومن ثم فإن العلاج الاجتماعي لا
البيولوجي هو الذي ينبغي أن يتبع ) ص439 0
.
ويقول : (في اعتقادي
أن ما ينبغي علي الدولة أن تفعله هو أن تتيح للفرد أن يكتسب ما يحتاج إليه من
معرفة لينتفع بوراثته علي أحسن وجه .. واضعين في أذهاننا
أننا نستطيع اُيا كان إرثنا الوراثي أن نفعل الكثيرعن طريق البيئة ،
لتحسين الطريقة التي يظـــهر بها هذا الإرث ) الوراثة
البشرية 458 0.
ويقول : (يمكننا عن
طريق التحكم الواعي في البيئة أن نفعل الكثير إزاء الوراثة ) السابق ص 104.
ويقول الدكتور مترام : (من الجلي الواضح أن مظاهر ميراثنا تتغير بفعل البيئة
وأنه في وسعنا أن نضبط البيئة ونكيفها إلى حد كبير ) .
ويقول:
(مما لا ينكره أحد أن
الاكتساب له أثرة القوى فيما تهبه لنا الطبيعة ) الأساسي الجسماني للشخصية للدكتور
ف هـ مترام ترجمة د عبد الحافظ حلمي عام 1966ص 101
ويقول مونتاجيو (إن الخطورة تكمن في الاعتقاد بأن الجبلة والفطرية
مساوية للمصير، وأن نمط الجينات الذي يرثه المرء يحدد قدره ومآله . والواقع أن هذا
الاعتقاد شكل حديث لفكرة القضاء والقدر ) الوراثة البشرية لآشلي
مونتاجيو ، ترجمة زكريا فهمي ص 101
لا حتمية القوانين
الاقتصادية الماركسية :
في زحمة الانبهار
بالحتمية العلمية أعلن الميثاق الوطني المصري الصادر عام 1962 ( حتمية الاشتراكية العلمية ) باعتبارها
أساسا للحلول الاقتصادية والطبقية
وحول هذا المنطلق
يأتي ما قاله هانز ريشنباخ
:
(لقد توسع ماركس في
تفسيره الاقتصادي للتاريخ ، بحيث أصبح حتمية اقتصادية ، وربما كان في حاجة إلي
فلسفة مثالية لكي يجد فيها دعامة لمذهبه الذي ينظر إلي التطورات التاريخية على
أنها تتحدد بدقة بقوانين اقتصادية ، بنفس الطريقة التي يتحدد بها
مجرى الكواكب بقوانين فيزيائية .
غير أن الأحوال
الاقتصادية ليست إلا عاملا يسهم في التطورات التاريخية وهناك عامل آخر هو العامل النفسي .
بل إن الاثنين معاً
لا يمكنهما أن يمدانا بأكثر من قوانين إحصائية لتطور المجتمع البشرى
.ولقد تخلي ماركس عن مبادئ النزعة التجريبية حين نظر إلى عامل من العوامل
التي تسهم في إحداث التطور ، علي أنه السبب الوحيد لهذا
التطور . ولا يمكن أن يَغْـفُل الطابع الإحصائي البحت للقوانين الاجتماعية إلا
مفكر ذو نزعة عقلية قبلية .. إذ أن التجريبي يعلم أن من
المستحيل أن يمحى عنصر الاتفاق .. { بديل عنصر الإرادة
الإلهية عند الملحد } تمامًا من الحوادث التاريخية ، وأن هذا العنصر يؤدى إلى
استبعاد القابلية الدقيقة للتنبؤ ، حتى بالنسبة إلى الاتجاهات التاريخية الكبرى ،
والواقع أن الإيمان المتعصب للماركسيين بالتنبؤات الاقتصادية لفيلسوفهم – وهو
الإيمان الذي هو أشبه بالعقيدة منه بالنظرة العلمية – إنما هو إحياء لفلسفة تضع الحدوس الأولية قبل الأدلة التجريبية ) نشأة الفلسفة العملية
لهانز ريشنباخ ترجمة د فؤاد زكريا ص 73 0
حتمية القوانين محض
اعتقاد:
إن القول باطراد سنن
الطبيعة ليس إلا اعتقاداً محضا ..
يقول الدكتور توفيق
الطويل : (يفترض العالم مقدما مدركات عقلية أو قضايا أولية يستخدمها أعم من
مقدماته دون أن يعرض للبحث في صوابها أو خطئها .. فمن
ذلك أن العالم الطبيعي يسلم مقدمًا - في بداية بحثه - بمبدأ الحتمية أو السببية
العامة ) عالم الفكر يناير فبراير مارس 1973 ص 1120 0
وإذا كان هذا
الاعتقاد ضروريا - نفترضه لتتأتى لنا الحركة ونقدر علي العمل -
...
وإذا كانت الفلسفة
المادية تعتنق هذه " العقيدة " لمغزاها المذكور
، فإنه من التناقض أن نرى بعض زعمائها يحرمون علينا الاعتقاد في المسائل الدينية ،
مع أنها تتوفر لها نفس هذه الخاصية .
يقول الفيلسوف
الأمريكي الشهير وليم جيمس :
(لقد وصم هكسلى - مثلا - الاعتقاد في المسائل الدينية التي لا نجد لها
براهين خارجية بأنه
" أحط مراتب السقوط الخلقي " ؛ ويرى الأستاذ كليفورد في مقال له حول الأخلاق في الاعتقاد : " أنه خطيئة وإجرام " أن تعتقد حتى
في الأمر الصواب ، من غير أن يكون لك علي ذلك أدلة
علمية ....
وإذن فلماذا يجهر كليفورد - في غير حياء ولا وجل - بعقيدته في نظرية الحركات
الشعورية الاختيارية مع أنه لم يكن عنده من البراهين إلا البراهين التي جعلت لويس يرفضها ؟ ولماذا
آمن بوحدات أصلية يتركب منها جوهر العقل إيماناً ناشئا عن أدلة قد تبدو عديمة
القيمة في نظر الأستاذ بين
ذلك لأنه ككل من عنده
قوة الابتكار العقلي .. كثير الحساسية وقوي الملاحظة بالنسبة للبراهين التي تشهد
لناحية معينة من النواحي ). العقل والدين لوليم جيمس
ترجمة محمود حب الله ط البابي الحلبي عام 1949 ص 61،62
وهنا يلزم أن نرد
لهؤلاء الملحدين تحيتهم فنقول : ليس هناك أحط مرتبة - فكرا
وخلقا مما وقعتم فيه من تناقض ، وما ارتكبتموه من زيف .
وأخيرا وقد تبين أن
القول بحتمية القوانين الطبيعية بعيد عن الصحة في نظر الفلسفة والعلم التجريبي على
السواء ... فإنه من حسن الحظ أن تقدم العلوم لا يتوقف
على هذه الحتمية خلافاٌ لما ذهب إليه المؤمنون بها .
يقول الأستاذ فانيفاربوش رئيس مجلس إدارة معهد ماساسويتش
للتكنولوجيا :
(من حسن الحظ أن
العمل العلمي لا ينبغي أن يكون كاملا حتى يؤتي ثمراته ، فإن بناء الديناميات الرائع شيد على أساس نظرية التفاضل والتكامل
التي تعتبر منطقيا مليئة بالفجوات
والثغرات ، وتبدأ الرياضيات التي ترتكز اليوم على أسس أمتن ، بافتراضات بسيطة
وتفضي إلى نتائج رائعة غير متوقعة ، ففي
ارتياد نواة الذرة بمجرتها الكاملة من الجزيئات ،وعلاقاتها الغامضة تستخدم
الرياضيات اليوم وتؤدى إلي نتائج مذهلة ..
قد لا يكون في وسع
المنطق أن يتقدم إلا حيث تكون المسائل التي يتعرض لها محددة بدقة ، أما العلم
فيمكنه أن يتقدم حيث يتسنى له أن يلاحظ وأن يقيس ) الثقافة الأمريكية (العدد
الرابع) المجلد الثانى 15،16.
ومن هنا يمكننا أن
نقول - نتيجة لما تقدم - بانهيار مبدأ حتمية قوانين الطبيعة .
وبانهيار هذه الحتمية
ينهار أساس هام من أسس الإلحاد المادي المعاصر الذي يشوش بهذه الحتمية على
الاعتقاد بخضوع الكائنات للإرادة الإلهية .وينهار كل
أساس يقوم عليه الفكر المعاصر في إنكار الغيبيات أو خوارق الطبيعة أو تأويل المعجزات .
وننتقل بعد ذلك إلى إثبات : أن هذه الحتمية
إنما تسترجع منطقيتها في ظل الإيمان بوجود الله
وهذا ما نتحدث عنه في المقال القادم
والله أعلم
تتمة هامة للقارئ : مراجع
المقال الأول بالترتيب التالي :
& الفيزياء والماكروفيزياء للويس دي برولي ، سلسلة الألف
كتاب ، ترجمة رمسيس شحاتة ومحمد مرسي أحمد عام 1967 ص 219
& من حياة
العلماء لتيودور بيرلاند ترجمة د أحمد بدران نشر دار
النهضة العربية ص 328 0
&انظر مجلة عالم
الفكر العدد الرابع يناير فبراير مارس 1973 0 مقال خصائص التفكير العلمى للدكتور توفيق الطويل ص 1121
& مناهج البحث
عند مفكرى الإسلام للدكتور علىسامى
النشار نشر دار المعارف عام 1965ص 169 0
& لودفيج فتجنشتين ص 304 - 303 للدكتور عزمى
إسلام ، نشر دار المعارف بمصر أما رسل فيذهب إلى أبعد من ذلك ، حيث يقول : ( كان
من المعتقد فى المنطق التقليدى
أن الاستقراء يمكن أن يؤدى إلى العلم ، لكن هذا كان خطأ ، لأننا نستطيع أن نثبت أن
النتائج التي تستمدها عملية الاستدلال الاستقرائى من
مقدمات صادقة ، هى فى الغالب
الأعم كاذبة أكثر منها صادقة ) ، ثم يستبدل رسل التحليل بالاستقراء أنظر كتابه فلسفتى ص 254
& فتجنشتين للدكتور عزمى إسلام نشر
دار المعارف بمصر ص 206 0ص 306 - 311
& مجلة تراث
الإنسانية العدد 9 المجلد الثانى 0
& العلم والدين لأميل بوترو
، ترجمة د فؤاد الأهواني نشر الهيئة المصرية العامة
للكتاب عام 1973 ص 278-279
& فلسفتى كيف تطورت لبرتراند رسل
ترجمة عبد الرشيد صادق ،نشر مكتبة الإنجلو عام 1960 ص 4
: 261.
& عقائد المفكرين
فى القرن العشرين لعباس محمود العقاد نشر مكتبة الإنجلو ومكتبة غريب ص 48 .
& بواتق وأنابيق لبرنارد جافي ترجمة
الدكتور أحمد زكي ، نشر مؤسسة فرانكلين ومطبعة النهضة
المصرية ص 194
& الفيزياء والميكروفيزياء للويس
دي برولي ، سلسلة الألف كتاب ، ترجمة رمسيس شحاتة ومحمد
مرسي أحمد عام 1967 ص 147 0
& فن الاقناع لليونيل روبي ترجمة الدكتور محمد على العريان نشر مؤسسة فرانكلين ومكتبة الإنجلو عام 1961
ص 355 : 356
& مواقف حاسمة ،
لجيمس كونانت ترجمة د : احمد زكي ، نشر دار المعارف ص 64.
& مجلة تراث الانسانية العدد 12 المجلد 3 ص 922
& مصير
البشرية لليكونت
دي نوي ، ترجمة أحمد عزت
وعصام أحمد طه ، نشر دار اليقظة الغربية في دمشق عام 1963 ص 22 0
& فلسفتى كيف تطورت لبرتراند رسل
ترجمة عبد الرشيد صادق ،نشر مكتبة الإنجلو عام 1960 ص 241
& الفيلسوف
والعلم لجون كيمني ، ترجمة د أمين الشريف ، نشر مؤسسة فرانكلين
عام 1965 ص 118 0)
يتبع بإذن الله