أبو جعفر المنصور وقطع شرايين العلاقة العراقية
بقلم :ناصر السهلي
لاشك
بأن مسألة التماثيل تثير الكثير من التأويلات في عالمنا العربي|الاسلامي ، لكن
الاستثناء الذي أريد من نافذته الخروج من دائرة التأويل هو المتعلق بالخبر التالي
عن نسف " مجهولون
نصبا تذكاريا يعود للخليفة العباسي أبو جعفر المنصور مؤسس بغداد وسط العاصمة
العراقية. وقال مصدر رفض الكشف عن اسمه إن مجهولين وضعوا عبوات ناسفة أسفل النصب
الذي يبلغ طوله مترين ونسفوه بالكامل"(الجزيرة نت)..
ربما
أن هؤلاء المشار إليهم بـ" مجهولون" ليسوا بمجهولين إلا في زمن الخزي
الذي يراد فيه للعربي أن يدفن فيه رأسه في وحل العار... ففي
هذه الحالة يكون كم النفاق أكبر من مجرد قيام هؤلاء "الجهلة المجهولين"
بنسف نصب "الحاكم الجاد"!
حين
وضع أبوجعفر المنصور أول حجر أساس لبناء بغداد(145هـ-762م) لينتهي من تشييدها عام
149هـ- 766 م) لم يكن يدري بأن الحجارة التي بنى بها "مدينة السلام"
يمكن أن تصبح في عصر "التطور" والحداثة أداة في يد التخلف الذي يقطر سما
وحقدا على كل ما يصل بغداد بتاريخها العريق لترمى العراقة بما هو أشد من مجرد نسف
نصب تذكاري صامت وجامد لا عمل له إلا أن يكون شاهدا على تواصل التاريخ الذي يبتره
هذا التخلف باسم "التطور"...
العلوم
التي التي أولاها المنصور عنايته لم تحمل في طياتها علم العمالة والخنوع وبيع
الاوطان، وعلم الترجمة الذي أنشئه تحت اسم "بيت الحكمة" لم يكن ليضم
قبولا باملاءات امبراطور الرومان بما يجب أن تكون عليه علوم دولته..بينما وللأسف
نرى اليوم أصغر من موظف أو مراسل إمبراطور يرسل لحكام زمن الذلة أقصوصة من ورق
لتكون دستورا لبلاد العرب..بيت الحكمة ظل قائما إلى أن
داهم المغول بغداد سنة 656هـ- 1258م)...
أشك
في أن لا يكون لهؤلاء "القادة الجدد" الذين يشكلون اليوم لوحة بكائية
نواحة بما يحصل من محاولات تأسيس لزمن جديد من القنوط الذي كانت مقدماته أكبر من
أن يجري تخزينها بعيدا عن الشمس... هؤلاء القادة الجدد الذين إستبدلوا مثلا مسألة
تعليق صور صدام بصورهم وصور جيرانهم الاحياء والاموات منهم، يثيرون الشفقة حقا وهم
يلهثون في هذه اللوحة البكائية خلف إجترار مفهوم المظلومية لتشكل حالة من المقاطعة
الكلية مع كل ما يرمز إلى عراقة التاريخ العراقي وثقافة إنتماءاته العربية... يظن
هؤلاء بأن هذه اللوحة تشرعن لهم أن يقدموا لنا تاريخا مبتورا وملوي العنق طالما أن
اليانكي يحمي مؤخراتهم، وإلا فما علاقة المنصور بهذه اللوحة التي صار يكررها
ببغاوية شديدة الركاكة هؤلاء الذين لم يدخلوا التاريخ إلا من بوابة لم يدخلوها
فاختاروا لهم عناوين التوقف عند بوابات إنتظار ظهور اعتراف الاخر بتلك
"المظلومية"... ربما أن المشهد الذي لا يريد أكثرنا الاعتراف به بات
مشهدا واضحا في خطوطه المتداخلة شرقا، التقاطعات التي تجر عنوة العربي لكي يصبح
عاريا تماما وجاهزا لإعادة صياغة عقله وإنتماءه وفق قراءة هؤلاء من المراجع
والقيادات السياسية المدعية للعلمانية وهي المثقلة بلباس المذهبية وتمدد خطوطها
شرقا..
قد يتساءل البعض عن حشر
أنفنا في هذه المسألة!
فالنسف وقتل العلماء وتفشي
ظاهرة الفرز ومحاكم التفتيش والخطاب المذهبي والطائفي الذي يبث اليوم على الهواء
تصيب شظاياه كل العرب...ولا يمكن لتفشي ظاهرة التقوقع
والارتداد الذي يقدمه "قادة " في ظل الاحتلال على انه قدر العراق وشعبه
مسألة يمكن تجاوزها بسهولة... إذ ليست بمصادفة أبدا أن يكون في خطابهم العراق مجرد
خرابة بفعل "العروبيين والفكر العروبي" الذي يريدون الطلاق معه طلاقا
كاملا... فالعراق قبل وأثناء حكم الرئيس صدام حسين كان منارة علمية خرجت الاطباء
والمهندسين والعلماء، وكان منارة في العمران والحداثة بأيد أبنائه لا بأيد غيره
كما يفعل غيره... العراق الذي كان يرسل أبنائه المتفوقين إلى بلاد الدنيا كلها لينهلوا من العلم.. لم يبخل يوما في أن يصدر علمائه إلى أشقائه
أطباءا ومدرسين ومهندسين... إلى أن إختار زمن الحصار أن يصدر بعضهم إلى شوارع عمان
ودمشق...
وبكل الأحوال تجري اليوم
أكبر عملية تزوير تاريخي بحق بلد بحجم العراق الذي يتم فيه تصفية العلماء أو خلق
جو يدفع بهم نحو الهجرة... نذكر هنا أسماء بعض العلماءالذين تم تصفيتهم جسديا منهم
الدكتور عبد اللطيف المياحي،الدكتور غائب الهيتي، الدكتور مجيد حسين علي، الدكتور
عبد المنعم ازميرلي الذي قتله الاحتلال بعد فترة اعتقال دامت 9 أشهر أضف إلى ذلك
طرد أكثر من 3 آلاف أكاديمي من عملهم وإستمرار إعتقال العشرات منهم،الدكتور صبري
البياتي، الدكتور محمد الراوي وعماد سرسم وليلى عبدالله مع زوجها...إضافة إلى
المئات غيرهم من الذين تم تصفيتهم جسديا أو بدفعهم نحو ترك مناصبهم والخروج هربا
من التهديد بالقتل ..
أتذكر مقولة
للأمريكيين سنوات الحصار مفادها بأن المسألة ليست فقط في تخلص العراق من سلاحه
إنما في وجود أكثر من عشرة آلاف عالم مطلوب تهجيرهم أو التخلص منهم... في أواخر تشرين الاول 2002 كتب "مارك
كلايتون" المحرر في صحيفة "كريستين ساينس مونيتور "يحذر من العقول المفكرة التي
تقف وراء المخزون العراقي من الأسلحة" حسبما قال، وبعد أن قدّم لائحة بعدد من علماء
العراق الذين تدربوا في الولايات المتحدة قال: "إن هؤلاء العلماء والفنيين أخطر
من أسلحة العراق الحربية؛ لأنهم هم الذين ينتجون هذه الأسلحة". كما بينت دراسة صادرة عن
جامعة جورجيا من الفترة 1990 الى 1998 بأنه تم منح 1215 شهادة دكتوراة في العلوم
والهندسة وكان نصيب الطلاب العراقيون 112 شهادة دكتوراة في العلوم والهندسة...14
منهم كانوا يدرسون مواضيع حساسة كالهندسة النووية او الكيميائية .. فكيف لدولة أن
تضم عشرة آلاف عالم، وهي نسبة جد مرتفعة قياسا بعدد السكان، "خرابة"
يقولون عنها بحاجة "لإعادة إعمار"...
إذا
كان من غير المسموح لنا أن نغرق في التفاصيل فإننا نكتفي ببعض العناوين والأسئلة
المتعلقة بالتفاصيل، فمن يخدم هذا الخطاب الاقصائي والتخريبي الذي يعيشه العراق في
فوضى الصور والشعارات والممارسات وكم الكذب الذي يقصف وينسف أدمغة الفقراء جنوبا
وشمالا وشرقا وغربا؟
قد
لا يعني كثيرا نسف أحجارا كونت نصبا تذكاريا لباني بغداد المنصور، ولكن من ناحية
أخرى يحمل هذا النسف محاولة لإضفاء حالة من الارتداد إلى عقلية التخلف والتراجع
والانفصام والاخطر هو إضفاء شرعية على عقلية الانتقام والسحل القائمتين على خطاب
أعمى خدمة لمصلحة هؤلاء الذين يرفعون صورهم اليوم على كل جدران بغداد التاريخية!