أي مردود عملي لادانة عمليات المقاومة  ؟

 

 

بقلم: عوني فرسخ

 

 

        يوم الأحد الماضي (16/10) اغتال جيش الاحتلال الصهيوني قرب برقين في منطقة جنين الشاب نهاد ابو غنام ، القيادي في "الجهاد الاسلامي" . وفي اليوم ذاته شنت "كتائب شهداء الاقصى " التابعة لحركة "فتح" هجوما على مستوطنات كفار عتسيون بين بيت لحم والخليل فقتلت ثلاثة مستوطنين وجرحت خمسة . وقد سارع الرئيس محمود عباس الى إدانة العملية ، باعتبارها في تصوره تهدد مسيرة "السلام" ، ومؤكدا انها في غير مصلحة شعب فلسطين وقضيته الوطنية . في حين لم يصدر عن أي مسؤول صهيوني أي إدانة لجريمة الاغتيال التي اقترفتها القوات النظامية الصهيونية . فهل التناقض الصارخ بين موقف رئيس السلطة وبين مواقف قادة الاحتلال دلالة على قراءة علمية لحقائق الصراع وادراك واع لمعطيات الواقع ، ويخدم بالنتيجة الموقف الفلسطيني ؟ أم أنه نتاج الاستسلام لاحكام الواقع المأزوم والعجز عن تقديم الاستجابة الفاعلة في مواجهة التحدي الامريكي – الصهيوني ؟ .

 

     والثابت انه على مدى التاريخ الانساني ليس من احتلال أجنبي لأرض شعب من الشعوب ، أو اغتصاب لحقوقه المشروعة ، إلا وفجر مقاومة وطنية جوبهت من الغزاة والمعتدين بعنف يستهدف اخضاعهم لاحكام الأمر الواقع . ومنذ عرفت البشرية القانون الدولي وأقرت شرعة حقوق الانسان اعتبر الاحتلال عدوانا مدانا ، ونظر لعنفه ضد مقاوميه على انه ارهاب غير مشروع ، فيما اعتبرت مقاومة المحتلين عملا وطنيا مشروعا بصرف النظر عن الوسيلة التي تتم بها بما في ذلك الكفاح المسلح . وفي حالات الاستعمار الاستيطاني العنصري ، كما هي الحال في فلسطين المحتلة من النهر الى البحر ، لم تعرف حركات التحرر الوطني التمييز بين المستوطنين الغزاة ، وتصنيف بعضهم على أنهم "عسكريون" يجوز قتالهم ، وبقيتهم "مدنيون" لا يجوز المساس بأمنهم واستقرارهم

 

     وأن يكون القانون التاريخي كذلك كما تؤكده كل التجارب الانسانية يغدو الرئيس محمود عباس ، والآخذون بنهجه عربا وغير عرب ، إنما يصدرون عن رؤية للصراع العربي – الصهيوني مناقضة تماما للواقع القائم على الارض . رؤية لا تعتبر الارض العربية محتلة وانما هي متنازع عليها ، ولا ترى في الصهاينة محتلين للارض ومغتصبين لحقوق مواطنيها وانما هم أصحاب حق بها ويدافعون عن وجودهم المشروع فيها . وبالتبعية اعتبار المقاومة هي الارهاب غير المشروع الواجبة إدانته ، فيما عنف قوات الاحتلال ، واغتيالها للمقاومين ، وهدمها بيوتهم ، وتجريفها مزارعهم ، دفاعات مشروعة عن الذات ، وهي بالتالي غير قابلة للادانة إلا في حالة "الافراط في استخدام القوة" كما قال البعض  حول مجزرة مخيم جنين !!! .

 

     وأبو مازن ، وسواه من دعاة التسوية ، يبررون رفضهم المقاومة المسلحة ، وسعيهم الحثيث للوصول لتسوية ، ولو بالتنازل عن الثوابت الوطنية ، بأن ذلك ما تمليه حقائق الواقع وضرورة الحد من معاناة الشعب العربي في الارض المحتلة . بل ويذهبون في دعاواهم حد القول بأن ذلك السبيل الأجدى للتأثير في جبهة العدو . والذي يذكر انه في دورة المجلس الوطني الفلسطيني الثالثة عشرة ، التي عقدت بالقاهرة في 12/3/1977 ثار جدل صاخب حول رسالة د. عصام السرطاوي للمستشار النمساوي كرايسكي ، التي رأى فيها عدد من الأعضاء مؤشرا على النهج التسووي الذي بدأت تأخذه قيادة "فتح" التاريخية .  ويومها طلب الرئيس عرفات من محمود عباس الرد على المحتجين . ويقول بهجت ابو غربية في الجزء الثاني من مذكراته ص 482 : "جاء ابو مازن وتكلم طوال اكثر من ساعة خارج الموضوع ، حيث انصب حديثه الطويل على ضرورة الاتصال بالجهات الاسرائيلية غير الصهيونية ، لتفكيك الكيان الصهيوني من داخله ، ولم يشر الى رسالة السرطاوي بحرف مع أن حديثه كان يرمي بشكل غير مباشر الى صحة هذا الاتجاه " .

 

     والواضح بجلاء أن الحوار والتطبيع مع الصهاينة على مدى السنوات الماضية لم يؤد الى تفكيك الكيان الصهيوني ، ولا حتى الى تعزيز موقف من قيل إنهم "اسرائيليون غير صهاينة " ، وانما تسبب في إشعار الصهاينة ، وغير الصهاينة من اليهود ، بأن التصلب في مواجهة شعب فلسطين إنما هو سبيل دفع نخبه القائدة للتنصل من ثوابته الوطنية . وهذا ما تحقق فعلا بخطاب الرئيس عرفات أمام الجمعية العامة للامم المتحدة في جنيف سنة 1988 ، والذي اجيز من قبل وزير الخارجية الامريكي جورج شولتز قبل القائه . وبموجبه اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية بحق اسرائيل في الوجود ، وبقراري مجلس الامن 242 و 338 . مما يعني الاقرار ضمنا بمشروعية استيلاء الصهاينة على 78 % من أرض فلسطين . الأمر الذي اعتبر تنازلا فريدا في التاريخ المعاصر – كما يقرر محقا الكاتب الصحفي البريطاني ديفيد هيرست في مقدمة الطبعة الرابعة من كتابه "البندقية وغصن الزيتون " ص 82 – وفضلا عن ذلك كرس خطاب عرفات في جنيف تنازلا تاريخيا عن أهم الثوابت الوطنية والقومية . وبإدانة ابي عمار للارهاب ، وتعهده بعدم ممارسة العنف مستقبلا ، يكون قد تبنى وجهة نظر اسرائيل باعتبار خمسين عاما من النضال الفلسطيني مجرد إرهاب وعنف عشوائي ، حسب ما ذكرته " نيويورك تايمز " في تعليقها على الخطاب في 1/4/1988 . ولم يكن لكل تلك التنازلات من مقابل سوى إسقاط الادارة الامريكية شرط عدم مخاطبة منظمة التحرير والرئيس عرفات .

 

     وتوالت حلقات مسلسل التنازلات المجانية بحيث كانت الحكومة الاسرائيلية هي التي  إختارت الوفد الفلسطيني لمؤتمر مدريد في خريف العام 1991 ، وهي التي وضعت ، بالمشاركة مع الادارة الامريكية ، جدول أعماله . ولقد قبل الوفد الفلسطيني ، والوفود العربية الاخرى ، اشتراط اسرائيل عدم مناقشة ما قد يشير الى أن شعب فلسطين سينال الحق في تقرير مصيره أسوة ببقية شعوب الارض . وحين عجزت آلة الحرب الصهيونية عن قمع انتفاضة اطفال الحجارة عمد رابين وبيريز الى قناة اوسلو مستغلين في ذلك تنظير السيد محمود عباس وتلامذة نهجه القائلين بحوار الصهاينة . وعقد الاتفاق وسط تهليل اعلام التسوية بقرب تحقيق "السلام الشامل والعادل" من خلال الاتفاق الذي وصفه آفي شلايم – المؤرخ الاسرائيلي الجديد البارز – بأنه أم الفتوحات في الصراع الذي دام قرنا . والذي كان في رأي اكثر من محلل سياسي مرموق خسارة فلسطينية صرفة مقابل كسب اسرائيل مجاني . ذلك ان منظمة التحرير الفلسطينية تخلت بموجبه عن حق العودة وما احتل قبل العام 1967 وقبلت بتناول ملتبس للحق العربي والاسلامي التاريخي في القدس . والأكثر مدعاة للاسى ان المجلس الوطني الفلسطيني أقر بأغلبية كبرى ، وبتصويت تهليلي ، تعديل الميثاق الوطني خضوعا للضغوط الامريكية – الصهيونية .

 

     وحين يقرر خمسون بالمائة من أعضاء حزب العمل الاسرائيلي تفضيل شارون ، على أي زعيم عمالي ، كرئيس للوزارة ففي ذلك ما يدل على عمق التحول البنيوي في التجمع الاستيطاني الصهيوني لمصلحة المسكونين بأساطير التوراة وخرافات المعبد اليهودي ، مما يؤكد الفشل المريع للادعاء بجدوى التطبيع مع العدو الصهيوني وتقديم التنازلات المجانية له ، وفي مقدمتها إدانة العمل المقاوم المشروع دوليا واعتباره إرهابا . وقد ثبت بالممارسة العملية أن ذلك لا يزيد الصهاينة إلا تشددا ومغالاة في مطالبهم . الأمر الذي يؤدي بالمقابل إلى تعزيز القناعة عند القطاع الأكثر حيوية في الشارع السياسي العربي العام ، والفلسطيني منه الخاص ، بأن الأمة العربية إنما تواجه صراعا مصيريا ومعركة وجود ولا وجود على تراب فلسطين  . ليس ممكنا بأي حال تجنبها .

 

       وأن يكون الواقع كذلك ففي ذلك الدلالة القاطعة على لا واقعية ولا تاريخية الظن مجرد الظن بأن إدانة عمليات المقاومة ، بل وتجريد فصائلها من السلاح والقاء عناصرها في غياهب سجون السلطة ، يمكن ان يتمخض عن تسوية تلبي الحد الادنى من حقوق شعب فلسطين وتخفف من معاناته . وفي عجز ثلاثين عاما من نهج التسوية عن تحقيق أي تقدم برهان ساطع  على أن الرئيس محمود عباس ورفاق دربه انما يجدفون ضد تيار التاريخ .