تسخين ما قبل الانتخابات اللبنانية

 

 

 

بقلم : د. عماد لطفي ملحس *

 

          على وقع صواريخ جو – أرض الصهيونية التي تلقى يومياً على بلدات الخيام والهبارية وكفرشوبا وغيرها من مناطق الجنوب اللبناني المواجهة لمزارع شبعا المحتلة ، وردود حزب الله عليها بقصف مواقع الاحتلال ، يستمر التسخين في الجبهتين الداخلية والخارجية اللبنانية قبيل الانتخابات النيابية التي لم يعد يفصلنا عنها سوى بضعة أيام .

 

          التسخين الذي يمارسه العدو الصهيوني واضح الأهداف ، ولا يحتاج إلى تحليل .. ببساطه ، انه يهدف إلى زعزعة الوضع اللبناني الداخلي إثر انسحاب الجيش السوري ، وقبيل الانتخابات ، للضغط على الأطراف المحلية و " المجتمع الدولي ! " لتنفيذ ما تبقى من بنود القرار 1559 ، والمقصود طبعاً سحب سلاح حزب الله وتحجيم وجوده العسكري والسياسي . لكنّ التصعيد الصهيوني في هذه الآونة بالذات سيعطي مردوداً عكسياً ، حيث إنه سيقوّي على الأغلب من موقف حزب الله الذي يؤكد انه يتمسك بسلاحه للدفاع عن أرض لبنان ازاء الاعتداءات الصهيونية المستمرة  ولتحرير مزارع شبعا المحتلة .  

 

          اما التسخين في الداخل ، فهو يتمّ على نار الخلافات التي شقت المعارضة ، بعد أن تحقق ما دعت اليه من انسحاب الجيش السوري واقالة المسؤولين الأمنيين وتشكيل لجنة دولية للتحقيق في جريمة اغتيال الحريري . لقد تفرّقت المعارضة بعد أن خاضت ما أسمته ب ( انتفاضة الاستقلال ) ، لأن لكل من أطرافها " أجندته " ومصالحه الخاصة الضيقة، ولأنها لم تبلور في الأصل تحالفاً وثيقاً ، بل تشكلت بعيد عودة الرئيس لحّود الى موقعه الرئاسي من قوىً وأطراف طائفية وسياسية متباينة الرؤى والأهداف والبرامج ، ولم تشكـّل إطاراً دائماً غير اللقاءات الموسّعة التي جمعتها ، وظلت دون برنامج واضح متفق عليه .. لذلك فإنها حرّكت الشارع بشعارات دغدغت العواطف الوطنية والطائفية لدى اعداد كبيرة من اللبنانيين التوّاقين إلى تغيير الظروف السياسية والمعيشية الخانقة ، لكنّها لم تستطع أن تتماسك في ظل المعطيات الجديدة ، فانفرط عقدها ، ووصل الأمر ببعضها الى التراشق باتهامات مسفـّة  ، أحدثت بينها شرخا يصعب رأبه .

 

هذا اضافة إلى تشكيل تكـــتلات و( تحالفات ) جديدة غير متوقعة .. وأبرز هذه التكتلات قيد التشكل هو الذي يمكن أن يجمع بين وليد جنــبلاط ( رئيس اللقاء الديموقراطي ! )  وتيار المــــستقبل ( الحريري ) وحزب الله الذي يجري من جهة أخرى حواراً مع الـــــــــــتيار الوطني الحر ( ميشيل عون ) ، لا يعرف ما يمكن أن يسفر عنه . وبات من الصعب معرفة مَـن مع مَـن ، ومَــن ضد مَـن ، بعد أن تغيّرت المواقف والمواقع ، فأصبح حليف الأمس خصم اليوم والعكس صحيح .

 

          في هذا الوضع المختلط ، تبرز الروح والحسابات الطائفية وادانة الطائفية بلغة طائفية .. وتنشد بعض الأصوات – وإن كانت مبحوحة حتى الآن - النغمة القديمة التي برزت في أربعينيات القرن الماضي ونادت بلبنان وطناً قومياً لمسيحيي الشرق ، في الوقت الذي كان اليهود فيه يعملون من أجل " وطن قومي " لهم في فلسطين .. بينما يهمس البعض بالانفكاك عن المحيط العربي بمـــــا يخدم الاجندة الأمريكية في لبنان والوطن العربي ، ويعزز من المشروع الأمريكي الفاشل حتى الآن والمسمّى " الشرق الأوسط الكبير " أو كما يرد في بعض الأدبيات " الشرق الأوســـــط الموسّع ! ".

 

          لقد بات من المرجح إجراء الانتخابات التشريعية في موعدها ، بناء على القانون الانتخابي للعام 2000 ، الذي يحظي برفض شبه جماعي من المعارضة والموالاة على السواء ، لكنّه يظلّ أفضل من قانون القضاء ، الذي يغلّب الاعتبارات الخاصة على الاعتبارات الوطنية العامة. ولعلّ مطالبة المعارضة ( قبل تفتتها ) باجراء الانتخابات في موعدها ، واتّهام الحكم بأنه يسعى الى التأجيل ، إضافة إلى الضغوط والتدخلات الأمريكية والفرنسية المتواصلة من اجل اجراء الانتخابات ثم الانتقال الى الاستحقاقات القادمة من سحب لسلاح حزب الله والتفرّغ لتغييرالأوضاع في سوريا ، هو الذي أدى إلى هذه النتيجة المربكة ، حيث لا يمكن لأي كان أن يتنبأ بما ستؤول اليه الانتخابات ، لكنّ المؤكد هو أن نتيجتها رهن بالصيغة النهائية لخارطة التكتّلات والتحالفات الطائفية والسياسية التي ستتبلور في الأيام المعدودة القادمة ، حيث لا ضمانة لوعي الناخب في غياب إرادة شعبية غير طائفية .

 

 

 ----------------------------

* كاتب وباحث – الأردن