أهالي المواصي في خانيونس.. بين معاناة الحصار ونشوة الانتصار

 

 

 

تفاقمت معاناة سكان منطقة المواصي في خانيونس، وجاءت توقعاتهم مغايرة لآمالهم مع اقتراب موعد اندحار جيش الاحتلال الصهيوني وقطعان مستوطنه من أراضيهم ،وذلك بعدما أغلق قوات الاحتلال حاجز التفاح ومنعت الأهالي المرور عبر الممر الوحيد للمنطقة التي تخضع لحصار شامل منذ أكثر من أربعة أعوام ونصف العام،  لتزداد المعاناة أكثر مع اقتراب موعد الاندحار الصهيوني.

 

فأهالي المواصي الذين أرهقهم طول الانتظار ليوم الاندحار الصهيوني، والذي يشكل بالنسبة لهم مرحلة جديدة ونمط حياة جديد، بعيداً عن أجواء القتل والإرهاب الصهيوني التي أخذت أشكالا عديدة خلال "انتفاضة الأقصى"، يؤكدون أن الحياة ازدادت سوءاً مع اقتراب الموعد وتحولت المنطقة التي تحاصرها قوات كبيرة من جيش الاحتلال الصهيوني من كل جانب، إلى سجن كبير، بحيث لا يستطيعون الخروج منها إلا بإذن السجان الصهيوني، الذي يفرض حصاراً مشدداً عليها، مشيرين إلى الحياة القاسية التي يعيشونها بفعل الإجراءات المشددة هذه الأيام أكثر من أي وقت مضى، ولاسيما أنهم لم يبلغوا عن نوايا رسمية بالإغلاق.

 

 

 

المستوطنون يصعّدون عملياتهم الإرهابية

 

ويعبر الأهالي عن تذمرهم من الحصار والتضييق المفروض عليهم وعن تخوفهم من محاولات المستوطنين المتكررة لاستفزازهم والتعدي عليهم عند دخولهم وخروجهم من منازلهم لزيارة أقاربهم في المنطقة ذاتها، وخاصة بعد قيام المستوطنين بالاعتداء على عدد من الفلسطينيين قبل أيام وإطلاقهم التهديدات بالقتل إذا ما عاد الفلسطينيون من الطريق نفسها، وقالوا لهم "هذه أرض دولة (إسرائيل) ولن نخرج منها أبداً وسنقتلكم"!!.

 

ويؤكد أهالي المواصي أن قوات الجيش الصهيوني مازالت تتمركز وترابط  قرب الشوارع الرئيسة والفرعية والمداخل المؤدية إلى مجمع مستوطنات "غوش قطيف" على مدا ر الساعة لمنع تحركات الأهالي وتنقلاتهم، مؤكدين ا أن محاولات المستوطنين لإلحاق الأذى بسكان المواصى لم تتوقف وهناك تخوف كبير من تصاعدها خلال الفترة المقبلة.

 

ويخشى سكان المواصى على أطفالهم ونسائهم من مثل هذه الاعتداءات، ويطالبون المؤسسات الدولية والحقوقية والإنسانية بالتدخل لوقف إرهاب المستوطنين وجنود الاحتلال ورفع الحصار والإغلاق المفروض على المنطقة منذ اندلاع انتفاضة الأقصى.

 

يشار إلى أن المستوطنين قاموا في الفترة السابقة بتصعيد اعتداءاتهم على سكان المواصي، ونكلوا بالأهالي ودمّروا بعضاً من الممتلكات، وقد شهدت منطقة المواصى عدداً كبيراً من عمليات الاقتحام التي نفذها جيش الاحتلال من جهة، والمستوطنون المحتجون على خطة الانسحاب من جهة أخرى، ويسكن في منطقة المواصي أكثر من 9 آلاف فلسطيني يواجهون ظروفاً حياتية وصحية وأمنية صعبة للغاية ازدادت حدتها في الأيام الأخيرة مع تصاعد اعتداءات المستوطنين والممارسات الصهيونية.

 

يقول "أبو محمد" أحد سكّان منطقة المواصي: إن  أعداداً كبيرة من  المستوطنين الصهاينة قدموا من مغتصبات الضفة الغربية  إلى مجمع مغتصبات "غوش قطيف"، ويعتبر هؤلاء من أشرس وأخطر المستوطنين، و يتركز تواجدهم في مغتصبة " شيرات هيام" على ساحل البحر ، مشيراً إلى أنهم أقاموا مؤخراً أكثر من 100 خيمة و يتحرشون بالأهالي ويعتدون عليهم كلما حاولوا الذهاب إلى شاطئ البحر.         

 

 

 

الاندحار والتفكيك متواصل

 

من جانب آخر، تؤكد مصادر محلية في منطقة المواصي أن جيش الاحتلال الصهيوني في مجمع مغتصبات "غوش قطيف" شرع بتفجير بعض الثكنات العسكرية والمواقع والأنفاق الموجودة داخل مغتصبة "نفيه ديكاليم"، و"جاني طال"، وأنهم يسمعون بين الفينة والأخرى صوت إنفجارات وقنابل إرتجاجية قوية تهز المنطقة وأعمدة الدخان تتصاعد من داخل المستوطنتين المذكورتين، إضافة إلى أنهم رأوا الصهاينة ينقلون مقابر موتاهم من مغتصبة "نفيه ديكاليم" إلى داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948.

 

كما يؤكد شهود عيان من العمال الذين يعملون في مغتصبة "نفيه ديكاليم" أنهم لاحظوا وحدات من الجيش الصهيوني ووحدات الهندسة والتفجيرات يقومون بإخلاء وتفكيك بعض الأجهزة والمعدات العسكرية من على بعض المواقع والأبراج العسكرية ونقلها في شاحنات صهيونية كبيرة.

 

وأفادوا بأن المزارعين من المستوطنين، قاموا مؤخراً بتفكيك الدفيئات الزراعية والاستغناء عن عدد كبير من العمال الذين يعملون في الزراعة، وذلك لتهيأة أنفسهم تمهيداً لإخلاء المستوطنات حسب ما أبلغهم رئيسهم في العمل.

 

ويقول أحمد أبو حطب والذي يعمل خياطاً في مغتصبة "جان أور" الواقعة في الجنوب الغربي لخان يونس، أن مسئول المصنع أخبرهم مؤخراً بالاستغناء عن خدماتهم وتجميد العمل، مضيفاً أنه  قام بتوريد ماكينات الخياطة وأجهزة المصنع والمعدات إلى خارج المستوطنة.

 

 

 

الأطفال الفلسطينيون والإرهاب الصهيوني

 

وعلى مقربة من حاجز التفاح كان هناك مجموعة من الأطفال الذين أصبحوا يذهبون يومياً إلى الحاجز يترقبون ساعة الانسحاب، بعد أن سمعوا ذويهم والناس يتحدثون عن الانسحاب من قطاع غزة والمستوطنات، واعتقدوا أن بإمكانهم قضاء ما تبقى من العطلة الصيفية في اللعب على الرمال الصفراء و تطيير الأطباق الورقية والاستمتاع ببحر خانيونس والسباحة فيه، بعد إغلاق تام دام أكثر من أربعة أعوام ونصف.

 

يروي الطفل صلاح الدين أبو مصطفى (11 عاماً) قصة حدثت معه هو وأصحابه عندما ذهبوا للعب على الرمال الصفراء في منطقة حي الأمل "ما إن قمنا بتطيير أطباقنا الورقية وإذا بجنود الموقع العسكري الصهيوني "النورية" يطلقون النار علينا ، الأمر الذي  جعلنا ننبطح جميعاً على الأرض ،ولا نستطيع رفع رؤسنا ونحن نرى الرصاص يتناثر من حولنا، وينتابنا الخوف الشديد الذي أشعرنا بأننا في ساحة حرب حقيقية ولن نسلم منها بالمطلق، مضيفاً أنه "من شدة الخوف لم نعد قادرين على الزحف والهرب من المكان، و أخذ البعض منا يبكي ويصرخ طالباً النجدة من أي أحد، وبعد توقف إطلاق النار تقدمت نحونا آلية عسكرية ونادى الجنود علينا عبر مكبرات الصوت بالكشف عن أجسادنا ومن ثم طلبوا منا مغادرة المكان".

 

ويضيف صلاح الدين قائلاً: "لا أتوقع أن من فعل ذلك فينا نحن الأطفال في وقت الهدنة سوف يصدقون في نواياهم بالانسحاب إلا بعمل مجزرة، وخاصة أنهم لا يريدون أن يظهروا بمظهر المنهزمين، ولكنني سأبقى على أمل أن أذهب إلى بحر خانيونس الذي لم أعد أعرف كيف هو الآن!!".

 

 

 

كارثة بيئية

 

ومن جانب آخر، ذكرت مصادر فلسطينية أن عملية الاندحار الجارية حالياً ترافقها مواصلة سرقة كميات كبيرة من رمال منطقة المواصي ونقلها إلى داخل مناطق الأراضي المحتلة عام 48 ، لتغيير معالم الأرض،مشيرة إلى أن عشرات الشاحنات الضخمة تقوم بشكل يومي بسرقة الرمال .

 

وكان د. يوسف أبو صفية رئيس سلطة جودة البيئة حذر في وقت سابق من مخاطر وجود أحواض مياه الصرف الصحي التي تنتج عن المستوطنات الصهيونية، والآثار البيئية السلبية الناجمة عنها، على الأراضي ومياه السكان لا سيما في منطقة المواصي.  

 

وأوضح د. أبو صفية، أن تلك الأحواض تؤدي حتماً إلى ارتفاع نسبة التلوث في المياه الجوفية وزيادة ملوحتها، مشيراً إلى أن التحاليل المخبرية أثبتت وجود نسبة عالية من مسحوق الغسيل والنترات في كميات المياه التي أخذت من آبار المياه القريبة من أحواض الصرف.

 

وأشار إلى أن 600 شاحنة صهيونية تقوم يومياً بتهريب كميات كبيرة من رمال تلك المنطقة،  منوهاً إلى أن الخزان المائي الساحلي في قطاع غزة الذي تبلغ سعة إنتاجه السنوي 55مليون م2 لن يتركه الصهاينة دون سرقته، كما هي تعمد الآن على استنزافه وتلويثه.