الاكتشاف الأمريكي المذهل.. لبنان بلد ديمقراطي!!
بقلم : د. رغيد
الصلح
ما قاله الرئيس
الأمريكي جورج بوش مداورة في خطابه الأخير أمام "جامعة الدفاع الوطنية" في
واشنطن، جاهر به العديد من الذين سبق لهم أن أيدوا الحرب ضد العراق. فصحيفة (صنداي
تايمز) (6/3/2005) قالت في مقال افتتاحي انها عندما تنبأت بأن الحرب سوف تفتح
الباب أمام التجول الديمقراطي في المنطقة العربية، شكك الكثيرون في صحة هذه
النبوءة "الآن"، أضافت الصحيفة بنزعة انتصارية صريحة، "هذه
التحولات تحصل بالفعل" وأعطت مثلا على ذلك ما يجري في لبنان ومصر، والعراق
نفسه.
صحيفة (الايكونوميست)
(5/3/2005) أضافت إلى هذه الأقطار نموذجاً آخر معتبرة أن مشاركة الفلسطينيين في "مؤتمر
بناء الوطن واستجداء المال!" - هكذا بالحرف - الذي انعقد مؤخراً في لندن،
دليل على أهمية التحولات الديمقراطية التي أنجبتها حرب جورج بوش على العراق.
تشارلز كراوتهامر،
أكد صواب هذه التحليلات عندما حدد في مقال كتبه في مجلة (تايم) (9/3/2005) سببين
للتحولات العربية و"الشرق اوسطية": الأول هو لجوء واشنطن إلى القوة
باحتلال العراق، والثاني عودة جورج بوش إلى الرئاسة، فإلى أي مدى تصح هذه العلاقة
التي يرسمها مؤيدو الحرب على العراق بينها وبين التحولات الديمقراطية "المفاجئة"
في المنطقة العربية؟ وهل يمكن اعتبار هذه التحولات حصيلة احتلال الولايات المتحدة
للعراق؟ وهل تزكي هذه التقديرات المقولات التي أطلقها الأحاديون و"المحافظون
الجدد" الأمريكيون والتي رددها بعض الكتاب العرب وأهمها "أن التهديدات
العسكرية الأمريكية هي ضمانة الإصلاح الديمقراطي في المنطقة العربية"؟
المشهد الأهم في
التحولات الديمقراطية العربية التي أنجبها الاحتلال الأمريكي للعراق هو ما يجري
حالياً في لبنان. الرئيس الأمريكي أكد أهمية هذا المشهد على نحو يفوق آمال وأحلام
فريق واسع من اللبنانيين، تطلع تاريخياً إلى الغرب سعياً وراء الحماية. في خطابه
نفسه أمام "جامعة الدفاع الوطنية" وجه بوش رسالة تأييد ودعم إلى
المطالبين بانسحاب القوات السورية من لبنان باسم المجتمع الدولي، وبشرهم بأن "الحرية"
سوف تنتصر في لبنان!!.
من يقرأ أو يستمع إلى
خطاب بوش، وإلى أقوال مؤيدي الحرب على العراق يظن أن اللبنانيين اكتشفوا الحرية
والديمقراطية بعد أن اطلعوا عليها في تلك الخطب والأقوال، وأنهم بدأوا يتعرفون
إليها عن طريق متابعة الحملات الانتخابية في العراق. ومن يرجع إلى خطابات وأقوال الرئيس
الأمريكي السابقة بصدد المنطقة العربية ولبنان يظن أن لبنان نشأ كدولة وعاش في ظل
نظام مطلق واستبدادي، وأن اللبنانيين كانوا يرضخون للظلم والاستبداد. فحتى وقت
قريب لم ينبس الرئيس الأمريكي بكلمة عن الديمقراطية في لبنان.
في مشاريعه ومبادراته
العديدة حول "الإصلاح في الشرق الاوسط"، لم يتكرم الرئيس الأمريكي على
اللبنانيين بكلمة واحدة ينوه فيها بتمسكهم بالنظام الديمقراطي، ولم تلفت نظره
معاناة اللبنانيين وتضحياتهم الكثيرة من اجل الحفاظ على حرياتهم. ولكن عندما
انطلقت مظاهرات شعبية تمثل فريقا من اللبنانيين تطالب بانسحاب القوات السورية من
لبنان وتطالب بتجريد المقاومة اللبنانية من سلاحها، اكتشف الرئيس الأمريكي أن "لبنان
بلد ديمقراطي"!
قبل الاحتلال
الأمريكي للعراق وقبل الانتخابات العراقية بزمن طويل كان اللبنانيون يعيشون في ظل
نظام ديمقراطي. كانت الديمقراطية اللبنانية موجودة وحية. كانت ظاهرة متعثرة ولكن
واعدة إلى درجة أن فريقاً من أبرز علماء الاجتماع في الغرب نظموا خلال الستينات
مؤتمرا لدراسة هذه الظاهرة المتميزة بين جميع دول "العالم الثالث" آنذاك.
وكتعبير عن نظرة
التقدير لتلك الظاهرة، قال بيير روندو، وهو واحد من أولئك العلماء، إن "الديمقراطية
اللبنانية سوف تبقى موضع اهتمامنا وتعاطفنا وثقتنا لأنها تعبر عن عمق رسوخ
الديمقراطية" في المجتمع اللبناني. وكتعبير عن التقدير لهذه الظاهرة، تدارس
هؤلاء العلماء الديمقراطية اللبنانية باحترام وجدية فأشادوا بايجابياتها دون أن يغفلوا
سلبياتها ولكن لكي يمنحوها آخر الأمر علامة النجاح.
هذه الظاهرة لم تلق
تعاطفا خاصا في أوساط الإدارة الأمريكية أو بين "المحافظين الجدد" أو
بين الأحاديين الأمريكيين. فبين هؤلاء كانت "اسرائيل الدولة الديمقراطية
الوحيدة في الشرق الاوسط". أما لبنان فكان كما وصفه دافيد بروكس، أحد مؤيدي
الحرب ومؤيدي الإدارة الأمريكية، "رمزاً للانقسامية القبلية". (انترناشيونال
هيرالد تريبيون 9/3/2005). لكن لبنان الذي يعرفنا إليه مؤيدو الحرب على العراق
يتخلص بقدرة عجائبية من واقعه هذا، ويتحول ببركة إدارة بوش وفضلها إلى "دولة
ديمقراطية" هو الآخر. وهكذا يجري انتحال التاريخ و"خلق" بل اختراع
الحقائق، والتلاعب بالمثل والقيم من أجل خدمة مصالح قومية وأنانية، فتوزع البراءات
الديمقراطية على العنصريين الذين يحتلون أراضي الشعوب الأخرى ويسطون على ثرواتها
ويحرمونها من حقوقها، ويجري تجاهل نضال شعوب من اجل الحرية وتضحياتها في سبيل
الديمقراطية والعدالة.