هل هذه هي الديمقراطية التي كانت تتمناها النخب العربية؟

 

 

بقلم :د. بشير موسي نافع

 

يثير التدافع الحاد الذي تحدثه السياسة الامريكية في المنطقة العربية حماس وسعادة قطاع ملحوظ من نخب المنطقة. ما طالبت به الشعوب دائماً، وعجزت النخب العربية عن تحقيقه لأسباب عديدة، يبدو الآن وكأن العصا الامريكية الديمقراطية توشك ان تحققه. منذ مطلع التسعينات علي الأقل وهناك قوي عراقية تبدي استعدادها للتصالح مع النظام علي أساس من تغيير جوهري في بنيته يسمح بالتعددية السياسية ويعلي من القيم الدستورية. ولكن النظام العراقي لم يتغير حتي زحفت القوات الامريكية لتقتلعه وكل الدولة العراقية من جذوره. وبالرغم من ان القوي المعارضة المصرية تطالب منذ سنين بإجراء تعديل دستوري، فإن التعديل لم يأت إلا بعد تصاعد الضغوط الامريكية.

ومن الصعب تفسير التحرك السعودي المتواضع نحو إجراء انتخابات بلدية، والذي يتوقع له ان يفتح الباب نحو تحولات ديمقراطية في المملكة، بدون أخذ الضغوط الامريكية في الاعتبار. كذلك هو الأمر في لبنان الذي ضاقت قواه المختلفة بالتدخلات السورية المباشرة وغير المباشرة في الشأن اللبناني الداخلي منذ سنين؛ وما كان للبنانيين جميعهم ان ينجحوا في إخلاء بلدهم من القوات السورية لولا المناخ الامريكي الذي أخذ في التسيد بعد احتلال العراق. وحتي في تركيا، غير العربية، ما كان للجيش وقادته ان يقبلوا الانقلاب الديمقراطي التشريعي الذي تتعهده حكومة أردوغان لو لم تكن المرحلة مرحلة التغيير الديمقراطي في الجوار.

إن من التبسيط والظلم وصم النخب العربية المحتفلة برياح الديمقراطية الامريكية بأنها جميعاً من حلفاء واشنطن والمروجين لهيمنتها علي شؤون المنطقة. هناك بالطبع من ينطبق عليهم هذا التوصيف، ومن هم علي استعداد للترحيب بالسياسية الامريكية مهما كانت توجهات هذه السياسة وعواقبها. لكن الصحيح أيضاً ان قطاعاً ملموساً من النخب العربية الثقافية والسياسية هو في جوهره قطاع معارض للسياسات الامريكية تجاه أغلب القضايا العربية؛ ويؤمن هؤلاء إيماناً راسخا بضرورة التغيير الديمقراطي، وقد عبروا عن ذلك قبل دخول واشنطن علي خط الديمقراطية بزمن طويل. ويجد هؤلاء اليوم ان الضغوط الامريكية، التي تستهدف تحقيق اهداف واشنطن الخاصة، يمكن ان توظف لمصلحة الشعوب وإحداث تغيير طال انتظاره في منطقة أصابها العطب وكاد ان يقضي فيها علي كل أمل في التغيير والإصلاح.

ان العالم من حولنا، يقول هؤلاء، يحث الخطي في طريق التقدم السياسي والاقتصادي، ولن ينتظرنا طويلاً حتي يعاد التوازن بين الدولة وأدواتها من جهة والمجتمع وقواه من جهة أخري. وما لم نسارع في اقتناص الفرصة، فسندخل نفقاً مظلماً من التخلف والانهيار قد لا نخرج منه قبل عقود طوال، يكون من الصعب عندها، بل ربما من المستحيل، اللحاق بركب الأمم الأخري حتي تلك التي كنا نتقدمها قبل سنين قليلة. وهذه بلا شك مقولات تستحق الأخذ في الاعتبار. ولكن السؤال الذي يفرض نفسه وسط التداعي السريع للأحداث هو هل هذه هي فعلاً الديمقراطية التي كانت تسعي إليها وتنادي بها النخب العربية؟

لنعترف أولاً ان المطلب الديمقراطي كان دائماً مطلباً نخبوياً؛ أما غالبية الشعوب فقد كانت لديها أولويات مختلفة. تعلقت هموم عامة الشعب ليس بالمطلب الديمقراطي بل بقضايا الصراع العربي ـ الإسرائيلي، الاقتصاد والفساد، والعدالة؛ ولذلك فشلت النخب في حشد قطاعات شعبية واسعة وراء المطلب الديمقراطي. وليس في هذا ما يضير علي أية حال. فقد تكون النخب في منعطفات هامة من حياة الشعوب أقدر علي بلورة الأولويات وتحديدها؛ وهناك ثمة وجاهة في المنطق القائل ان أياً من قضايا المنطقة الكبري لا يمكن مواجهته بكفاءة بدون بناء ديمقراطي يعطي الشعب الحق والقدرة علي الرقابة والحساب. غياب التمثيل والرقابة الشعبية هو الذي أدي إلي التراجعات العربية الهائلة في ميدان الصراع العربي ـ الإسرائيلي، هو الذي دفع المنطقة إلي عهد الاستعمار المباشر من جديد، وهو الذي جعل الفساد سمة عضوية في بنية الدولة العربية. فنحن إذن أمام سؤال لا بد من التعامل معه علي أساس من مرتكزاته الخاصة وبغض النظر عن قاعدته الشعبية: هل هذا هو الحلم الديمقراطي في طريق التحقيق؟

كان النظام العراقي السابق نظاماً سيئاً بلا شك، حتي إن وضعنا في الاعتبار شعوره الدائم بالتهديد الخارجي. ولكن إطاحة النظام لم تأت بما هو أفضل؛ بل ربما دخل العراق بسقوط النظام عهداً مظلماً من العنف والتشظي الداخلي وانهيار الدولة لا يعرف أحد، بما في ذلك مؤدلجو العراق الجديد في واشنطن، متي سيخرج منه. بغض النظر عن الجدل الدائر حول المقاومة والإرهاب، وعن حقوق هذه الأقلية أو تلك، فإن واقع العراق لا يدعو إلي التفاؤل. ثمة صراع تدور رحاه بعنف لم تعهده المنطقة منذ زمن طويل بين قوي النظام الناشيء من رحم الاحتلال والقوي المناهضة لها؛ وعنف لا يقل ضراوة بين قوات الاحتلال ومناهضيها؛ وتدافع هائل بين القوي السياسية الحاكمة (والحاكمة نظرياً) حول المكاسب والامتيازات والسلطات. إن كان الشعب قد غيب في ظل النظام السابق، فقد أصبح العراق كوطن وأمة كله مغيباً في الوضع الحالي.

وقد كشفت تظاهرة ساحة رياض الصلح في بيروت، التي دعت لها القوي المؤيدة لسورية، ان المعارضة اللبنانية مجرد صوت صغير في بلد لم يعوزه دائماً تعدد الأصوات. المحتفلون بالمعارضة اللبنانية، محلياً وإقليمياً ودولياً، خلطوا بينها وبين الحزن الوطني والواسع علي اغتيال الرئيس الحريري، وغاب عنهم عمق الانقسام اللبناني. العنوان الحالي لهذا الانقسام هو معارضة سورية والتحالف معها؛ ولكن الحقيقة ان هذا الانقسام أبعد من ذلك بكثير ويتعلق إلي هذا الحد أو ذاك بهوية لبنان والتزاماته العربية والإسلامية. الذين خرجوا إلي ساحة الشهداء أرادوا الانتقام من العقود القليلة الماضية وقواها التي حسمت خيارات لبنان العربية والإسلامية، وأرادوا إعادته من جديد إلي المنطقة الرمادية التي استوطنها منذ الاستقلال؛ والذين خرجوا إلي ساحة رياض الصلح أرادوا الدفاع عن مكاسب حسم الهوية التي حققوها في سلسلة من الحروب الداخلية والخارجية التي بدأت منذ نهاية الستينات. ولم يكن لبنان، باسم الديمقراطية وغيرها، بحاجة إلي هذا الانفجار الداخلي، الذي ما زالت احتمالات تفاقمه قائمة. كانت مصلحة لبنان ان يعالج مسألة العلاقة مع سورية، كما مسألة الهوية والالتزامات العربية والإسلامية في مناخ من السلم الأهلي، وان يترك للزمن واعتباراته وفعله معالجة قلق كافة الأطراف في ضوء توازنات الداخل وتوافقه.

في مصر، وكما كان الأمر دائماً، فإن توقعات المستقبل هي ضرب من المستحيل. ومن العبث تصور إحداث تحول ديمقراطي بدون حل معضلة شرعية الإخوان المسلمين، كجمعية أو حزب، طالما انهم القوة السياسية الرئيسية المعارضة في البلاد. وسؤال شرعية الإخوان مطروح علي كل الجهات المعنية، علي الإخوان أنفسهم وعلي قابليتهم للتغيير، علي الدولة وعلي قوي المعارضة، كما علي دعاة التحول الديمقراطي في واشنطن. أما الوضع السعودي، فإن من الصعب تجاهل العلاقة الوثيقة بين انفجار العنف في المملكة والعلاقة التحالفية بين الرياض وواشنطن. السلم السعودي الداخلي يتطلب فك الارتباط مع واشنطن لا الاستجابة لضغوطها؛ ومسألة التحول الديمقراطي هي مجرد هامش صغير في انفراط عقد الإجماع السعودي والشروخ البالغة في الشرعية التي أسست علي قواعدها المملكة. أما في فلسطين، التي تضم أحياناً إلي سلسلة انتصارات السياسة الامريكية، فعلينا ربما ان نتذكر ان انتخابات الرئاسة وانتخابات المجلس التشريعي كان يمكن ان تتما منذ زمن طويل لولا إدراك واشنطن والدولة العبرية انها كانت سستنتهي إلي فوز ساحق للرئيس عرفات. من قام في الحقيقة بتعطيل الانتخابات الفلسطينية لم يكن سلطة الحكم الذاتي، أو القوي الفلسطينية المناهضة للديمقراطية، مهما كانت هذه القوي، بل الضغط الخارجي نفسه.

ليس هناك من شك في ان المنطقة العربية تشهد حراكاً وتدافعاً سياسيين كبيرين. ولكن التحولات الكبري في حياة الشعوب لا تأتي بثمارها بمحض الاستجابة لموازين القوي الدولية أو للمناخ العالمي السائد، خاصة إن كانت الولايات المتحدة هي التي تتصدر الوضع الدولي. التحولات الكبري تتطلب إجماعاً داخلياً يؤسس لها، يحميها، ويعطيها الشرعية. بغير ذلك فلن يؤدي التدافع السياسي إلا إلي مزيد من الانقسام الداخلي والمزيد من انهيار الشرعية، وربما اندلاع العنف أو تفاقمه. كل الدول العربية الحالية تعاني تدهوراً فادحاً في شرعيتها وثقة شعبها بها، وهي جميعاً في حاجة ماسة إلي إحداث تحول جذري في بنيتها وعلاقتها بشعبها والعالم. ولكن الخطر الآن ان تؤدي الضغوط الخارجية إلي انهيار الدولة وتحلل الجماعات الوطنية. بذلك يصبح انهيار الدولة الوطنية، التي كانت السبب الرئيس وراء أغلب مشاكل المنطقة وشعوبها، مدعاة للخراب الشامل. في ظل هكذا وضع لن يكون من المستغرب ان يحتمي دعاة الديمقراطية بالطائفة أو القبيلة أو المجموعة الإثنية، وأن تنقلب حركة التحول الديمقراطي إلي انقسامات أهلية تختلط فيها العصبيات القبلية والطائفيــــــة والإثنية بالخطاب السياسي الحديث. وينبغي النظر دائماً فيما إن كان هذا هو الهدف الحقيقي وراء ضغوط الخارج وإملاءاته، لا التحول الديمقراطي الجاد. هذه ليست تنبؤات نظرية، بل واقع معاش كدنا التعود علي وتيرته الخادعة والدموية في العراق والسودان، ونكاد ان ننزلق إليه من جديد في لبنان، وربما تقف السعودية اليوم علي شفيره الحاد.

ليس ثمة مناسبة للتدخل الخارجي في شؤون المنطقة، منذ بدأ هذا التدخل قبل قرنين من الزمان، لم تنته إلي مأساة أهلية، بهذا الحجم أو ذاك. ومن الصعب استبعاد شبح المأساة المحدقة اليوم. الظن بأن هذه المنطقة من العالم لا تستجيب للمتغيرات التي يشهدها العالم هو وهم كبير ينبغي ان تتحرر منه النخب العربية، إذ ليس هناك من أمة أو منطقة جغرافية تصل حساسيتها إلي مستوي حساسية المركز العربي ـ الإسلامي للرياح العالمية، سواء لاعتبارات التاريخ أو لاعتبارات الجغرافيا. وبالرغم من الوضع المتردي الذي يعيشه العرب اليوم، فإنهم سيجدون طريقهم للخروج من هذا المأزق التاريخي الكبير، آجلاً أو عاجلاً. بيد ان ذلك لا بد ان يحدث من خلال شروط الداخل ومعطياته، لا الغزوات ورسائل التهديد الخارجية.