أنجح طريقة
لتدمير الإسلاميين!
بقلم : حسن السرات*
احتار كثير من الباحثين
والإعلاميين والسياسيين في أمر الإسلاميين: لماذا يصعدون ولا يهبطون، ويتقدمون ولا
يتأخرون، ويزيدون ولا ينقصون؟ وما هي الطريقة المثلى والوصفة السحرية الكفيلة
بالقضاء عليهم بسهولة ويسر، أو على الأقل تضعفهم وتبطئ من سرعتهم وتؤخرهم إلى أجل غير مسمى؟ هل نستعمل ضدهم القمع والعنف والمنافي والسجون
ملقين عرض الحائط كل شعارات حقوق الإنسان وكل مبادئ الديمقراطية والحرية
والمساواة؟ أم نكتفي بالحملات الإعلامية المتواصلة لتشويه الصورة والمسار فنكذب
عليهم ونلفق لهم التهم ونلقي عليهم المسؤولية المعنوية عند كل تفجير أو استشهاد
حتى يقتنع الجميع أن "الإسلامية" هي الأب الروحي
ل"الإرهابية"؟ وهل نفتح لهم وسائل الإعلام فيقولوا ما عندهم ويعبروا عن
وجهات نظرهم في القضايا والإشكالات، ويجيبوا عن أسئلة زمانهم سواء كان إعلاما
مكتوبا أم مسموعا أم مرئيا؟ أم نغلق في وجوههم كل السبل ولو كانت وسائل الإعلام
عمومية يؤدون ضرائبها مثل باقي المواطنين؟
هذه الأسئلة المحيرة التي تتردد
بين الفينة والأخرى في الساحة الإعلامية والسياسية المغربية، توجد في رأس اللائحة
عند وكالات المخابرات الدولية، وتوجد موضوعة فوق مكاتب أصحاب القرار السياسي في كل
العواصم الكبيرة، فهي إذن أسئلة ليست محلية، ولم تنبت في أرضنا وبلادنا، ولم تصغها
حكومتنا، ولكنها أسئلة مستوردة إلينا ومفروضة علينا، ويتولى الإجابة عنها هنا نخبة
بعضها ظاهر للعيان وبعضها خفي. ألم تعقد الولايات المتحدة الأمريكية -وما تزال
تعقد- مئات المؤتمرات والملتقيات لأجل هذا
الغرض؟ ألم تنشئ – وما تزال تنشئ- مراكز
للبحث مزودة بكل ما تحتاجه لإنجاز المهمة؟ ألم توزع رجالها ونساءها –وما تزال
توزع- في كل دولة وعاصمة للرصد والمتابعة وتجميع المعطيات ورسم السياسات؟
وأزيد هنا فأقول، إن هذه
الأسئلة ليست جديدة، بل هي قديمة جدا، أجيب عنها بصيغ مختلفة على مدار التاريخ،
ولم تكن الحملات الصليبية سوى بعض من تلك الأجوبة في صيغتها العسكرية الدموية
المؤمنة بخيار العنف والحرب الاستئصالية. أقول هذا الكلام وأنا أعتبر أن الحركات
الإسلامية الحالية، وكثير من الأنظمة الإسلامية، امتدادا طبيعيا لحركات ودول
إسلامية سلفت في تاريخ المسلمين والعالمين، وأجابت عن أسئلة زمانها، وعملت بمقتضى
تلك الأجوبة. كما لا ينبغي أن يخفى على أحد أن هذه الحركات والدول تجارب بشرية
قامت على أساس استلهام الإسلام والإيمان به
والترجمة العملية لهذا الإيمان. فهي إذن تجارب تاريخية في التدين، أي تنزيل للدين
على واقع معين، ومثل تلك التجارب البشرية للتدين الإسلامي لها سيئات وحسنات ووجوه
مشرقة وأخرى أقل إشراقا بكثير أو بقليل بدرجات شتى، لكن الحصيلة النهائية في تقدير
كثير من الدارسين جيدة جدا، ولم ثبت أن تفوقت عليها تجارب أخرى.
ينبغي التوقف هنا للإمساك بقضية
في غاية الأهمية، ألا وهي أن مصدر القوة عند الحركات الإسلامية -على تنوعها
وتنافرها في بعض الأحيان- هو الدين الإسلامي بمصدريه الثابتين القرآن والسنة،
وبرحمته وسماحته. ومن الواضح جدا درجة تغلغل هذا الدين في الذاكرة الجماعية للشعوب الإسلامية وفي الطبقات النفسية التاريخية لدى الملايين
من الناس، ويجد هذا التجاوب ترجمته السياسية في كل تجربة انتخابية ديمقراطية
نزيهة، سواء كانت على الصعيد الوطني أو على صعيد أصغر من ذلك.
ولهذا، على الذين يخططون
ويعملون ليل نهار للقضاء على الإسلاميين أن ينتبهوا إلى هذه القوة الملهمة التي
تعتمد عليها الحركات الإسلامية وتقرب بينها وبين الجماهير. وأعتقد أن الذين عبروا
عن حيرتهم في إيجاد أفضل طريقة للقضاء على الإسلاميين يدركون مصدر القوة لدى
خصومهم ويتمنون الإجهاز عليها، ويعملون ما في وسعهم من أجل ذلك على أكثر من صعيد،
لكنهم لا يتخذون الإسلام خصما وعدوا صريحا مخافة أمرن اثنين، أولهما أن يوصموا
بالكفر من جهة الفئة المتشددة من الإسلاميين، والثاني الخوف من انكشاف أمرهم أمام
الجماهير. تلك الجماهير التي يصفها هؤلاء بالجهل والتخلف، وبأنها تشكل رصيدا كبيرا
ومنبتا للإسلاميين في كل عملية انتخابية، مع أن الصحوة الإسلامية والحركة
الإسلامية ظهرت في أول الأمر، وفي كل البلدان الإسلامية، في النخبة المثقفة ثقافة
عالية في كل الاختصاصات، العلمية التقنية أو العلمية الإنسانية.
في كل محاولات تدمير الإسلاميين
قديما وحديثا تتحول النار الموقدة لإحراقهم إلى برد وسلام عليهم، ويخرجون من تحت
الرماد كأن شيئا لم يصبهم، يخرجون أشد عزما وأكثر حكمة وحزما، وأقوى إصرارا على
المضي في طريقه حتى النهاية. وفي أحيان أخرى يبعثون
من نومهم في صورة جديدة، فيمكن مثلا القضاء على حركة النهضة التونسية، لكن من
المؤكد أن نهضة أخرى سوف تظهر وتمضي في الطريق ذاته، ويمكن أن تقضي على
"الإخوان المسلمين"، لكن "إخوانا" آخرين سيبزغون وينتشرون.
وهكذا دواليك ما دام الدين الإسلامي يتجدد ذاتيا وبأشكال فردية وجماعية لا حصر
لها.
ونخلص من كل هذا إلى أن القضاء
على الإسلاميين شيء في حكم الاستحالة، لأنهم يتجددون باستمرار ويتوالدون على
الدوام، وأن الرياح الحالية مواتية لهم، وأن أحسن طريقة لقطع الطريق عليهم هي
منافستهم في عقر دارهم وفي ساحاتهم المفضلة ومسابقتهم إلى مرجعيتهم، وتقديم قراءة
للقرآن والسنة تساو قراءتهم أو تتفوق عليها، قراءة فهم وتخصيب، لا قراءة هدم
وتخريب، وربط الصلة المباشرة مع الجماهير لإبصار حالها والنظر في مآلها، وتحقيق
آمالها وتخفيف آلامها وتجفيف فقرها وجبر كسرها. بكلمات أخرى، لا يمكن أن نقضي على
الإسلاميين إلا بالاجتهاد في إبداع إسلامية أقوى من إسلاميتهم، فلم يعد الاجتهاد
مغلقا ولم يعد حكرا على هذه الحركة الإسلامية دون الأخرى والدين الإسلامي ميراث
مشترك للمسلمين أجمعين، بل للعالمين لا يستطيع فرد ولا جماعة أن يستحوذ عليه بالاحتكار ولا أن يقهره
بالإنكار.
يبقى في النهاية أن أشير إلى
أمرين هامين جدا لهما صلة بهذه الوصفة:
الأمر الأول: إن الحاجة ماسة
إلى جلسات للاستماع والإنصات بين الإسلاميين وخصومهم لأن كثيرا من الخصومة
والبغضاء ليس لها سند واقعي، وإنما هي مجرد هواجس وهلاوس ووساوس تراكمت عند الطرفين
بفعل فاعلين يريدون زرع الفتنة الحارقة والشقاق الدائم. وإن جلسات مثل هذه لن تؤتي
إلا إبصار الحقيقة والقيام بالإنصاف وإسقاط الأقنعة المزورة والنظارات السوداء.
الأمر الثاني: إن للإسلاميين
-بكل اعتراف وصراحة- أمراضهم وعللهم التي تؤخر سيرهم من جهة، ومن جهة ثانية تحول
بينهم وبين الآخرين وتخوفهم منهم لدرجة الهلع والرهاب، وهو ما أعد بالعودة إليه في
مناسبة قادمة.
------------------------
* كاتب وصحافي مغربي