الحل السياسي والمقاربة الأمنية
بقلم :عوني
صادق
استبقت وزيرة
الخارجية الأمريكية الجديدة، كوندوليزا رايس قمة شرم الشيخ، والتقت رئيس الحكومة "الإسرائيلية"
أرييل شارون ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في القدس المحتلة ورام الله. وفي
اللقاءات التي عقدتها مع المسؤولين "الإسرائيليين" والفلسطينيين، قالت
لهم ما تريد واشنطن أن تبلغهم إياه وما تطلبه من الطرفين. لذلك لم يكن، من هذه
الزاوية، ضرورياً أن (ترعى) رايس مؤتمر القمة، فالنجاح المأمول سيعزى إلى واشنطن
في كل الأحوال ما دامت كل الأطراف قد حصلت على المباركة الأمريكية. لكن إذا انتهت
القمة إلى الفشل، أو تم التنصل من (قراراتها) بعد ذلك، فلن تتحمل واشنطن مسؤولية
شيء منه. وإذا كان من أمر يمكن أن يوحي به عدم حضور رايس لاجتماعات القمة، فهو أن
رايس وإدارة بوش كانتا تعرفان سلفاً أن القمة لن تنجز شيئاً حقيقياً، وذلك من خلال
معرفة هذه الإدارة بحدود استجابة شارون لمطالب أبو مازن.
وكانت رايس قد أعلنت
في أنقرة، المحطة التي سبقت وصولها إلى فلسطين المحتلة، أنها لن تحضر قمة شرم
الشيخ لأنها تفضل أن تشهد تقدماً بين شارون وعباس دون وساطة خارجية، مكتفية
بالإشارة إلى أن واشنطن مستعدة لمساعدة الطرفين، لكن مفضلة أن يحرز الفلسطينيون و"الإسرائيليون"
تقدماً بأنفسهم! وليس من معنى لهذا الموقف سوى أن واشنطن تريد أن توحي بأنها تقف
على المسافة نفسها من طرفي الصراع في وقت يعرف الجميع أنه أمر غير صحيح، تاركة
عباس لشارون وهي تعرف قوة كل منهما سواء على الأرض أو الطاولة، متجاهلة (استغاثات)
السلطة الفلسطينية، التي طلبت عون الإدارة الأمريكية لحل عقدة الأسرى قبل أن تنعقد
القمة!
ويأتي ما أعلنته رايس
ليكشف حجم الوهم الذي تعيشه السلطة الفلسطينية حول موقف إدارة بوش منها رغم
الترحيب المستمر والمتواصل بعباس وخطواته، ورغم دعوته لزيارة البيت الأبيض تدليلاً
على حجم الرضا والترحيب! وفي الوقت الذي كانت فيه رايس تفعل ذلك، كان وزير الإعلام
السابق (واللاحق كما هو متوقع) نبيل عمرو يصف هذه التصريحات بقوله: "إن
تصريحات بوش ورايس كانت إيجابية جداً. نتوقع أن تبذل أمريكا جهودا كبيرة لدى
الجانب "الإسرائيلي" للاستفادة من الإجراءات التي قامت بها السلطة
الفلسطينية على الأرض"! وإذا تجاوزنا الإعلان عن مساعدة قدرها 40 مليون دولار
التي تعهدت رايس بتقديمها للسلطة الفلسطينية، فإنه لا يبقى من (الدور الأمريكي) في
عملية (تحقيق السلام) غير تعيين الجنرال "وليم ورد" منسقاً أمنياً
للأجهزة الأمنية الفلسطينية!
والحقيقة أنه لم يكن
ضرورياً انتظار البيان الذي صدر عن قمة شرم الشيخ، فمطالب الطرفين معروفة،
واستعدادات الطرفين للتجاوب كل مع مطالب الآخر معروفة، وبالتالي فإن ما كان سيتمخض
عنه المؤتمر كان هو الآخر معروفاً. ويمكن القول إن شارون لم يذهب إلى شرم الشيخ
لأنه قرر أن يستجيب لدعوات السلام الفلسطينية، بل لتحقيق أهداف جانبية ليست مع
الفلسطينيين. وإذا كان العنوان الذي التأمت تحته القمة هو عنوان فلسطيني، فإن
أهداف شارون منها كانت في الأساس غير فلسطينية. وإن كان هناك ما يوجد في ذهن شارون
يتعلق بالفلسطينيين، فهو محاولة الظهور بمظهر أنه أيضاً يسعى للسلام كرد على يد
محمود عباس الممدودة إليه، فإذا وجد عباس مستعداً للتجاوب مع شروطه فهذا حسن على
حسن، لأنه يكون بذلك قد سخر السلطة الفلسطينية لمصلحة تحقيق أهدافه دون أن يخسر
شيئاً، وإلا فإن المسؤولية ستقع على عباس وسيكون في حل من استئناف برنامجه الذي لم
يتوقف.
تلك بالتلخيص كانت
رؤية شارون للقمة، فالمدقق في ما يجري في ساحة الصراع الفلسطيني – "الإسرائيلي"
لا يستطيع أن يرى بوادر تغيير لا في السياسة والأهداف "الإسرائيلية" ولا
في السياسة والأهداف الأمريكية، وكل ما يراه مجرد محاولات لتطويع السلطة
الفلسطينية، وبالتالي المقاومة الفلسطينية، للسياسات والأهداف "الإسرائيلية"
والأمريكية.
لقد قالت وزيرة
الخارجية الأمريكية عندما التقت نظيرها "الإسرائيلي" سلفان شالوم:
"إننا نطلب من أصدقائنا وشركائنا في "إسرائيل" العمل على اتخاذ
القرارات الصعبة اللازمة لدفع السلام.."، لكنها لم تقل لمستمعيها ماذا تعني بالقرارات
(الصعبة)، إلا أن شارون ينظر إلى ما يسميه انسحاباً من قطاع غزة باعتباره (القرارات
الصعبة) في المرحلة الحالية. مع ذلك، لم يفت شالوم أن يؤكد أن (الاختبار الجديد هو
التقدم حقاً نحو السلام وليس الاكتفاء بالاحتفالات)! وكان شالوم قد أعاد أسطوانة
المطالب "الإسرائيلية" من محمود عباس مشيراً في المقدمة منها إلى (مكافحة
الإرهاب وتفكيك منظماته)، وهو ما يعتبر (التقدم) في نظر شالوم وشارون وبقية
العصابة!
كثيرون تفاءلوا دون
أن تكون في الأفق مبررات للتفاؤل. فدائماً كان المهم هو ما يحدث على الأرض، ولم
يقل أحد من المتفائلين أن شيئاً تغير في الممارسات "الإسرائيلية" بما في
ذلك الاغتيالات وأعمال الجرافات. وكما تقول عميرة هس، في صحيفة (هآرتس- 2/2/2005)،
ليس غريباً أن يتفاءل الإنسان "إلا أن المشكلة هي عندما يعمل التفاؤل كمخدر
للبلبلة وزوغان الأبصار، وعندما يكتفي المتفائلون بالأحاديث ولا يهتمون بالجرافات"!
أراد شارون أن يعلن محمود عباس انتهاء الانتفاضة ومعها كل العمليات العسكرية. حسنا،
ولكن مقابل ماذا؟ مقابل كم معبر وكم حاجز، ثم إعادة انتشار القوات "الإسرائيلية"
في بضع مدن فلسطينية؟ وكم سجين جنائي أو منتهية محكوميته أو غير محكوم أصلاً؟
الأسوأ أن هذا الفتات سيتم من خلال (اللجان) التي ستعيد قصص إبريق الزيت! وكل ذلك
يمكن الرجوع عنه خلال ساعات إذا رأى موفاز ويعلون وحلوتس حاجة إليه.. ليس لدى
شارون أكثر من ذلك، وكله يندرج في خانة "أمن "إسرائيل" والمستوطنين"
مقابل أمن مجزوء وناقص للفلسطينيين، وخاضع لتقديرات شارون وعصابته؟.
فماذا عن القضايا
السياسية؟ وعد بالعودة إلى طاولة المفاوضات.. وماذا سيجد الفلسطينيون على هذه
الطاولة؟ (خريطة الطريق) وأي (خريطة)؟ خريطة شارون بالأربعة عشر تحفظاً؟ أو
الخريطة مضافاً إليها (وعد بوش) و(لاءاته الثلاث: لا عودة لحدود حزيران/ يونيو 67
ولا تقسيم للقدس الموحدة، لا تفكيك للمستوطنات في الضفة، لا عودة للاجئين).
الآن يمكن أن نقول إن
كل ما صدر عن قمة شرم الشيخ لم يتجاوز ما كان يتوقعه الجميع، وهو ليس أكثر من (مقاربة
أمنية) لمعضلة سياسية، المقصود منها حماية "أمن إسرائيل". إن في ذلك
تجاهلاً كاملاً بأن سبب مشكلة انعدام "الأمن الإسرائيلي" هو الإصرار "الإسرائيلي"
على احتلال الأرض الفلسطينية، ومواصلة الإصرار على عدم الاعتراف بالحقوق الوطنية
الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. ويعرف المختصون أن الحلول الأمنية
لا تقدم حلولاً سياسية، لكن العكس صحيح. وسيكون من السهل دائماً فشل أو إفشال
وسقوط أو إسقاط الحلول الأمنية ما دامت الحلول السياسية غائبة، بينما تعتبر الحلول
السياسية هي نفسها الضمانات الأمنية، أما الحلول الأمنية فهي دائماً بحاجة لضمانات
تضمن استمرارها.