الاقتصاد الفلسطيني
بقلم
: خالد عبد الله
الاحتلال تعريفا مدمر
لأية بنية يضعها تحت سيادته. فهو لا يشرع إلا بالقوة، ولا يستديم إلا بالعنف. وكي
يخضع الناس لإرادته يضربهم في مراكز قوتهم، ويقطع عتهم مصادر مقاومتهم. لا يختلف
في ذلك احتلال عن آخر إلا في التركيز على الأساليب، أو في اشكال إخفائها. ومن
بديهيات الأمور أن يعمل الاحتلال على إلحاق اقتصاد البلد المحتل بمتطلبات نماء
اقتصاده. ولذلك يخلف أحيانا مظاهر من العمران لم يبنها اهتماما بشؤون الناس بقدر
ما هو تسهيلا لنقل مواردهم إلى حيث يشاء. فالموانئ، والسكك الحديدية، والطرق،
ومؤسسات الاتصال التي بقيت في كثير من البلدان بعد رحيل الاستعمار عنها أملتها
ضرورات نقل المواد الأولية، أو استغلال المصادر الطبيعية، أو رفاهية قواته ومن
يسهر على خدمتها. فهي وإن كانت معالم على ما أبقى لكنها شواهد على ما استباح. وهي
معالم وإن تخدع العين الباصرة، لكنها تمتنع على الرؤية المتبصرة.
أما الاحتلال "
الإسرائيلي " فهو شان آخر لا تنطبق عليه قوانين الاحتلال المألوفة. فغايته
أبعد من الانتفاع، لأنها الابتلاع، وهدفه ليس الهيمنة بل الاقتلاع. وقسوته لا
تفرضها الحاجة إلى الأمن بل تقررها دواعي الإقصاء، وتدميره لا يقع من أجل الردع
وإنما من أجل الإجلاء. ولذلك فهي نازية في كل أوصافها. وأبرز جوانب الحياة التي
تظهر فيها الغاية الصهيونية هي الاقتصاد. فالبلدان الاستعمارية عادة تدير الحياة
الاقتصادية، استثمارا، واستغلالا، وعملا على نحو يفي بمتطلباتها وبشكل يديم قدرة
المجتمع الذي يرزح تحت احتلالها على
مواصلة خدمة اقتصادها. أما الاحتلال " الإسرائيلي " فغايته أن يزيل المجتمع الفلسطيني من الوجود. فأهدافه كلها تسعى
نحو تحقيق هذه الغاية مباشرة أو التواء. ولم تخف هذه الغاية على اي مراقب لما يجري
على الأرض المحتلة. فهو يراها في جميع الإجراءات والممارسات المتواصلة على أرض
فلسطين. وليست هذه الأفعال إلا مصاديق لأهداف
الحركة الصهيونية.
فليس غريبا أن تكون
الأدوات الصهيونية مختلفة نوعا وكما عن أي أجراء استعماري آخر. فهي الجرافة، التي
تطيح بالمنازل، والتي تجرف الأرض، والتي تقتلع الشجر. وهي المعابر و نقاط التفتيش
التي تمنع الناس من التواصل إنسانيا، وماديا. وهي المستوطنات التي تقضم الأرض
بوتيرة متصاعدة بحيث لا تبقي للمدن أو القرى مساحات تعيش عليها. وهي الطرق
الالتفافية والجدر العازلة التي تحول المناطق إلى جزر يكاد يستحيل التواصل بينها.
كما أنها السيطرة على مصادر المياه التي تحرم المجتمع الفلسطيني من مصدر أساسي
لنمو زراعته وتطور صناعته.
ولذلك فإن مناقشة
موضوع الاقتصاد الفلسطيني ينبغي أن يتم بعيدا عن مصطلحات ومفاهيم تسللت خفية دون
تمحيص إلى مجرى الجدل الدائر. وأخطر هذه المفاهيم ما يدور حول خسائر الاقتصاد
الفلسطيني نتيجة العنف الجاري، أو بسبب الانتفاضة القائمة. وهي مفاهيم ليس لها واقع، أو أنها علل مفترضة تجعل لوجودها
تأثير سلبي على الاقتصاد الفلسطيني، ولانعدامها تأثير ايجابي عليه. والحقيقة
الجارية تكذب ذلك كله. فحينما لم تكن هناك انتفاضة، أو مقاومة كانت الأهداف "
الإسرائيلية " نفسها كما كانت إجراءاتها. ففي حالي السكون أو الحركة
الفلسطينية، تسيطر " إسرائيل " على معابر فلسطين مع العالم. لا يدخل
إليها شيء أو يخرج منها شيء بدون إذنها، أو من دون استخدام الشركات "
الإسرائيلية "، والاعتماد على عملتها.
وهي في الحالين تسعى إلى منع التطور في قواه المنتجة، و بناه الأساسية. ولم
يتوقف الاستيطان في أي من الحالين، بل للسخرية كان يشهد تصاعدا حينما كان حزب
العمل في السلطة يوقع اتفاقيات أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية. كما أن
الاستيلاء على الأرض، وخلق المناطق المنفصلة عن بعضها ممارسة متواصلة، لم يحد منها
خفوت العنف أو تسارعه.
وأهمية التمييز تنبع
من أن كل فهم يرتب نتائج عليه يقتضي أن تجد لها صدى في السياسات. فالقول بأن
الحركة والمقاومة تستفز الاحتلال إلى التدمير غير القول بأن التدمير أحد مقتضيات
غاياته. ويكاد يجمع الفلسطينيون على أن الكيان الصهيوني اقتلاعي احتلالي. فإن كان
كذلك تصبح المقاومة ليست بذات تأثير على جوهر خططه وسياساته، وإن ربما على طرق
تنفيذها، وحدة أشكالها. وهي ليست بالضرورة ذات اتجاه واحد. غير أن هناك من يعترض
بالقول أن المقاومة تقدم له ذرائع لمواصلة خططه وسياساته. ولذلك، فإن التهدئة تصبح
شرطا لمنعه من ركوب الذرائع. وهذا رأي له من يعترض عليه من حيث قدرة الكيان على
اختراع الحجج، او على مواصلة سلوكه دون الاحتياج إليها خاصة وأنه يجد سندا دوليا
يقيه العواقب الإقليمية والدولية.
ومع ذلك، ينبغي
التمييز بين أمرين. الأول ، استراتيجي، والآخر تكتيكي. لأن لكل واحد منهما طرقا في
المقاربة مختلفة، وأساليب في المعالجة ليست واحدة. فإذا كان الرأي القاطع هو أن
الكيان الصهيوني يريد ابتلاع الأرض الفلسطينية جملة واحدة أو تفريقا فإن ما يترتب
عليه يختلف عما إذا كان الأمر غير ذلك. وليس في الحالة الأولى كبير فرق إن كان
الابتلاع جملة أو تفريقا من حيث تأثيره على جوهر الاقتصاد الفلسطيني. والمؤشرات
التي تظهر للعالم مختلفة لكنها كلها تقع في نطاق التصور الأول، أي الابتلاع. فما
يجري من مماطلات من حكومة شارون يفيد بأنه غير راغب في التسوية إلا في نطاق غزة.
ويرى المتفائلون أن حكومة شارون قد تقبل ايضا بالانسحاب من بعض الضفة الغربية. لكن
أكثرهم تفاؤلا لا يمكنه المحاججة بأن شارون يقبل بأن يعطي أكثر من نصفها ومقطعا.
ففي الحالة الثانية لن تكون صورة الاقتصاد الفلسطيني مختلفة جذريا عن واقعها الحالي.
فهي لن تكون إلا جزرا منعزلة يمر الفلسطيني بالإذن " الإسرائيلي " عبر
المعابر من جزيرة إلى أخرى. فالمعابر الداخلية ستصبح رسمية. كما أن المعابر
الخارجية لن تكون إلا تحت سيطرتها، وكذلك الحال بالنسبة للمصادر الطبيعية، أي
المياه. وفي هذه الحالة لن يكون هناك اقتصاد فلسطيني بأي معنى حديث، بقدر ما هو
كينونات اقتصادية كل واحدة منها علاقتها أوثق بالأم منها بأخواتها. ولن يتوفر
لمعظمها إلا سمتان. الأولى، أنها لن تكون قادرة على الحياة حتى بمعنى توفير أدنى
احتياجاتها المعيشية. الثانية، وهي تنبثق طبيعيا من الأولى، أنها ستصبح مبيتا
للعمالة. فليس هناك ريب في أن " إسرائيل " ستستخدم قسما كبيرا من
العمالة الفلسطينية في أنشطتها إلى حين.
ويبقى السؤال كيف
يمكن للكيان الصهيوني أن يستخدم عددا كبيرا من العمالة الفلسطينية؟ أليست هناك
مخاطر من حيث أن الفلسطينيين سيشكلون في المدى البعيد ضغطا سكانيا هائلا حتى ولو
كان شكليا خارج نطاقه؟ وهو سؤال خطير يحتاج لإجابة لا يظن عاقل أن الصهاينة لم
يبحثوا في كل جوانبها كما ينبغي. ويقع قسم من الإجابة في النطاق المصلحي
الرأسمالي. فالنخبة الاقتصادية " الإسرائيلية " تحتاج إلى عمالة رخيصة
وأقربها إليها الفلسطينية، ولذلك سيكون لديها مدى من التسامح في الوجود الفلسطيني
كبير. كما أن المراهنة ستكون على أنه إذا انتهت القضية الوطنية بالتسوية التي
ستجري، فإن القضايا الاقتصادية يمكن السيطرة عليها لأنها لن تكون مولدة للعنف
كالأولى. أما القسم الآخر من الإجابة. فيقع في المدى البعيد. فإصرار "
إسرائيل " على توطين اللاجئين الفلسطينيين في البلدان العربية عدا عن أنه
ينهي وقودا كبيرا مؤججا للصراع، فإنه يولد ميزتين إضافيتين. فالذين سيتوطنون في
الخارج لن يجدوا حافزا في مساعدة من بقي في الداخل. فقد انتهى لديهم كل أسباب التواصل،
كما أن الحياة الجديدة ستجبرهم على أن يعيشوا حياتهم كاملا. كذلك، فإن توطنهم قد
يولد حركة جاذبة لمن بقي في الداخل بحثا عن العمل حيث يوجد أقاربهم وأصدقائهم. وقد
لا يكون في البداية دافعهم التوطن، لكن التجربة أثبتت أن الهجرة تبدأ مؤقتة وتنتهي
دائمة في ظل استمرار الجاذب الاقتصادي. فكثير من العرب الذين هاجروا إلى الخارج
بحثا عن العمل انتهى بهم المطاف إلى التعلق بأماكن عيشهم حتى وإن لم يكسبوا مواطنة
البلدان الجديدة أملا في أن يتمكن أطفالهم من ذلك.
ويأمل المتفائلون من
أن التسوية قد تأتي بموارد قد تقوي وتعزز الاقتصاد الفلسطيني. وهو توقع في محله من
حيث وقوعه لكن ليس من حيث نتائجه. فلا شك بأن الولايات المتحدة وأوروبا ستعملان
على تقديم مساعدات من أجل تمكين الفلسطينيين من أجل الحصول على الخدمات الأساسية،
وتسيير بعض المرافق العامة، وبالذات أجهزة الأمن الداخلي. أما أبعد من ذلك فهو
تفاؤل لا تسعفه التجربة الدولية المعاصرة. فهناك فرق في تمكين السلطة الفلسطينية
من القيام بدورها الخدمي الأساسي، وبين تمكينها من تحقيق الاستقلال، أو التقدم
الاقتصادي. فالأول، غير ممكن لأن شروطه كامنة في طبيعة الاتفاقات التي ستعقد. وهي
اتفاقات لن تسمح " إسرائيل " بتمكين الاقتصاد الفلسطيني من الاستقلال عن
اقتصادها. كما أنه لن يكون هناك دافع لهاتين المجموعتين من أجل تحقيق ذلك. أما
التقدم الاقتصادي، فسيكون من نصيب " إسرائيل " لعدة أسباب. أولها، أنها
تمتلك قاعدة تقانية متقدمة تغري الشركات العالمية بتوطين بعض فعاليتها فيها.
ثانيها، أن من مصلحة هذه الشركات بحكم طبيعة ملكية كثير منها أن تتوجه إلى "
إسرائيل ". ثالثها، أن هذه الشركات ستستفيد من بنى المواصلات والاتصالات
المتقدمة في الكيان الصهيوني. رابعها، أنها ستستفيد من العمالة العربية الرخيصة
القريبة.
لقد اصبح التقدم
والرفاهية الاقتصادية مهمان جدا في الحديث الجاري عن التسوية لأنهما يوحيان تلميحا
إن لم يكن تصريحا بأن هناك ثمار اقتصادية للتنازلات الوطنية. وهو حديث يدغدع قلوب
الناس المحبطة من قسوة الواقع الذي يعيشوه. وهو عدا عن كونه حديثا يرفضه الكثير من
حيث المبدأ، لأنهم يأبون القبول بالمقايضة بين الحقوق الوطنية التاريخية والحياة
الاقتصادية الأكثر رغدا، فهو حديث حالم. وعند التأمل الواعي، يجد المرء أن هذه
المقايضة وهمية، من حيث أن التنازل لا يجلب بالضرورة رفاهية. وبعض الحديث عن ذلك مضلل. فالقول بأن قيام الدولة
الفلسطينية سيطلق الاقتصاد الفلسطيني من إساره مبني على افتراضات غير صحيحة.
فالاقتصاد الفلسطيني تابع ليس لفقدان
الدولة الفلسطينية بل لطبيعة الارتهان للاقتصاد " الإسرائيلي. فلو قامت
الدولة وبقي الارتهان فلن يتغير شيئا، بل قد يتعمق الارتهان. ففي ظل التسوية سيكون
سهلا على رأس المال الفلسطيني أن يتعامل بحرية أكثر مع رأس المال الصهيوني، مما
يجعله أكثر تبعية له. بل وتصبح مصلحة للرأسمال الفلسطيني أن يدافع عن الترتيبات
الجديدة ما دامت تجلب له نفعا. فالمشاعر الوطنية لن تكون ذات قيمة ما دام قد حصل
الاتفاق السياسي. فحينما تصبح الأجواء السياسية عادية نوعا ما يبحث رأس المال
حينذاك عن مناطق الربح وليس عن مناطق المبادئ. ولن يستطيع أحد أن يلومه. فهذه هي
وظيفة رأس المال. وهو يقتدي بتوجهات مؤسسات دولته الوطنية.
ثم إن الحديث عن
الخسائر الفلسطينية من جراء الانتفاضة والمقاومة القاء للوم على الطرف الخطأ.
فجوهر الخسائر الفلسطينية المادية ناجم عن الاستيطان، والطرق الالتفافية، وضم
الأراضي، والإجراءات المقيدة وغيرها التي هي في مجموعها ملازمة لسلوك الاحتلال منذ
ساعاته الأولى. فالاحتجاج بذلك باعتباره غنيمة حينما تتوقف الانتفاضة غير ذي بال
لأن الواقع ينفيه. فهذه الخسائر الأساسية ينزفها المجتمع الفلسطيني يوميا في حركته
وفي سكونه.
وبهذه الطريقة يصبح
القول بأن " إسرائيل " تمارس سياسة إضعاف الاقتصاد الفلسطيني كي تجبر
الشعب الفلسطيني للتخلي عن انتفاضته حديثا ليس له أساس. إذ يترتب عليه من باب
المخالفة أن ايقاف الانتفاضة سيؤدي إلى توقف إجراءات الكيان الصهيوني المدمرة
للاقتصاد الفلسطيني. وكأن هذه الإجراءات لازمت الانتفاضة وليست سابقة عليها.
إن بعض الحديث عن
أسباب تدهور الاقتصاد الفلسطيني تمليه اعتبارات سياسية تسعى لتبرير منهج سياسي
محدد للوصول إلى تسوية. وبعضه يقود إليه التصور بأن الأمور أكثر تعقيدا، فيبدأ
صاحبه بالبحث عن أسباب كامنة غير مرئية فيؤدي به الأمر إلى استنتاجات متناقضة.
والمسألة لا تحتاج لتبينها إلى غوص في أعماق الفكر. فقد أغنتنا الحركة الصهيونية
عن ذلك، كما يغنينا الجدل المتواصل داخل " إسرائيل " عن ذلك. فقد حددوا
الغاية، وهم يبحثون عن أفضل الطرق وأقلها كلفة لتحقيقها. فليس هناك وهم في التيار
الأساسي الحاكم في " إسرائيل " يمينه أم يساره بأن كل فلسطين لهم جملة
أو أقساطا. الوهم يبدو أنه يعشعش في عقول بعضنا.