ثالوث الوعي العراقي واحتمالات الصراع

 

 

 

بقلم : رائد الحامد

 

إن التغيرات الهائلة التي أحدثتها الحرب العالمية الأولى  وانعكاساتها الإقليمية التي تخطت الجغرافية السياسية السائدة آنذاك، نقلت العالم عموما والمنطقة العربية والإقليمية إلى واقع جديد لم تألفه شعوبها، ممثلة برسم حدود جديدة للبلدان على أسس من الخليط القومي والديني اللا متجانس, بقصد واضح يهدف إلى زرع بذور صراعات مستقبلية تعرقل نهوض هذه البلدان وقوتها وحرية إرادتها واستقلالية قراراتها، كما إن هذه التغيرات، تمكنت من إصابة مقومات الأمة العربية خصوصا بكيانها ونسيجها الذي ورثناه من المستعمر العثماني مهلهلا وهشا يسهل اختراقه والعبث فيه وتوجيهه الوجهة التي تبغيها تلك الإرادات الطامعة، أو تلك القوى الغازية التي لا تريد لنا خيرا أو تقدما ونهوضا، وهذه ليست تهمة أو تنصلا من المسؤولية، بل هي واقع تاريخي مؤكد، فتلك المرحلة وما أفرزته من أفكار وواقع جديد ساهمت في إنتاج أشكال متعددة وأجناس مختلفة من الصراعات الفكرية على مستوى المجتمع العربي عموما، والسلطات المدنية للحكومات المعينة من قبل المستعمر الغازي ومساهماتها في هذا الاتجاه خصوصا، وصولا إلى تخريب كيان وبناء المجتمع عن طريق خلق أو استحداث تناقضات قومية أو دينية، وبعث الروح مجددا في هذه التناقضات التي لم يلحظ لها اثر يذكر في مسيرة المجتمع تاريخيا، فهذا المجتمع بغالبيته العظمى، لم ينظر إلى هذه التناقضات، وهي من طبيعة تكوين الشعوب، إلا كعوامل وحدة وتماسك لا عوامل فرقة وتشتت أو اقتتال، على العكس مما تفهمه وتعوِّل عليه تلك القوى الغازية والإرادات الطامعة.

 

فالعراق وطن وشعب، على سبيل المثال، اكتسب هويته بعد الفتح كجزء من كلّ تتمثلـه دولة الخلافة العربية الإسلامية، ثم ما لبث أن اكتسب صفات أكثر وخصوصيات جديدة تميزه عن غيره دون أن تنفي انتماؤه لأُمته، فمنذ أكثر من ثمانية عقود، هي العمر الزمني لبناء ونشوء الدولة العراقية الحديثة، بدأت ديناميكية تكريس ثوابت العراق كوطن وكشعب لـه خصوصياته التي تميزه عن باقي الشعوب والأوطان, وهذا أيضا لا يلغي كونه كوطن هو جزء من الوطن العربي الكبير، أو كشعب هو جزء من الأمة العربية، ويرتبط عقائدياً مع الآخرين في جغرافية انتشار الدين الإسلامي , ثم ما لبثت هذه الثوابت أن بدأت تَقََرّ في كل خلية أو قطرة دم تنبض في شرايين أبنائه، وهي الفطرة التي جُبل عليها كمواطن منتمي، وانْ كان هناك من أبدى تنازلا عن جزء من ثوابته أو كلها  فهذا شأنه وحده، فالولاء أيضاً كما هو الانتماء كلّ لا يتجزأ، إذ لا يمكن أن يكون ولاؤه لوطنه صحيحا وكاملا إن لم يكن هذا الولاء مكرسا للوطن، الوطن الأرض والتاريخ والإنسان، والتراث والمصير المشترك, والثقافة الوطنية بكل معانيها ومفرداتها وخصوصياتها، ولا يحق لـه التنازل عنها مهما قدم من مبررات تسوغ  لـه هذا.

 

على الرغم من أنّ الأنا الوطنية العراقية قد مرت بمراحل من المخاضات العسيرة، إلاَّ أنها وعلى مدى التاريخ تمكنت من اجتياز تلك المخاضات وتحفزت لولادات جديدة أكثر ثقة وتجدداً علهّا تنجب مجتمعا يحتكم إلى أُُسس ورؤىً فكرية ناضجة تقود المجتمع إلى شاطئ الانتماء الحقيقي للأرض والهوية، بعيداً عن مهاوي العصبيات العرقية والدينية الطائفية منها أو المذهبية.

 

أما بعد انتكاسة بغداد في 9/4، فقد عملت إدارة الاحتلال وأدواتها داخليا وإقليميا، ومن ورائهم إدارة المشروع الصهيوريكي وبوحي من أفكار المحافظين الجدد ومشاريعهم, على خلق أو المساعدة في إنتاج مضامين وموجدات صراع جديد كان كامنا إلى زمن ما ولم يكن مألوفا بين الماضي والحداثة، بين العرقي والديني، بين الوطنية والتبعية، وبين عناوين ومسميات أخرى لساحات صراع أخرى ساكنة, موجودة أصلا أو مستحدثة، فكرية بين الجمود والتجديد، أو تاريخية بين العودة للماضي والتحديث، أو دينية بين الإصلاح وإعادة الإصلاح من جهة وبين الركود من جهة أخرى، كخط احمر لا تجرأ نخب المجتمع وقواه الفاعلة تخطيه أو النقاش و الحوار فيه، لحساسية مثل هذه المواضيع وصغر مساحة الحوار المتبادل، نتيجة لضيق صدر أحد الأطراف وانعدام قدرته على قبول الرأي الآخر متمسكا بمقولات كرسها منظروهم في عقولهم وكأنها ربانية لا تقبل النقد ولا تحتمل التجديد، مما هيأ لولادة فرصة مثالية استثمرها أعداء الأمة مهدت لخلق دوائر صراعات جانبية  الهدف منها الدخول في بؤر التفجر وتفعيلها، بذرائع المس بالثوابت والمسلمات بين أبناء الوطن الواحد معتمدا مبدأ عدم قبول الرأي الآخر، مما أدى إلى ظهور حالة من ضعف الوعي والشعور الوطني، وإحساس عارم بالغربة وعدم الانصهار في المجتمع بحرية تكفل لـه المساهمة في البناء أو التطور عن طريق التعايش والتأثر بالآخرين والتأثير عليهم.

 

كان من نتائج مثل هذا الواقع وإفرازاته، أن برزت في مكونات المجتمع مجموعات أو كتل عسكرية أو سياسية أو اقتصادية،  انتهزت تلك الفرصة ووثبت للحفاظ على مصالحها الكتلوية، وملئ الفراغ الناجم عن حالة الاغتراب الفكري والثقافي، وتجريم المس بها وكأنها من المنزلات، رغم أنها هي أصلا من بنات أفكارهم،  وتم فرض التسليم بهذه الثوابت والمسلمات المصطنعة على الآخرين جبراً، من خلال الإلحاح المبرمج والتضليل المدروس بعناية فائقة، وتصويرها للآخرين ونيابة عنهم  وكأنها من ثوابت الشعب العراقي، رغم إدراك هؤلاء بأنها لا تحظى أصلا بإجماع أبنائه، أو حتى نسبة معقولة منهم، وكذلك فهم يرفضون أيّة محاولة لإعادة تقييمها أو التجديد فيها، أو مناقشة مضامينها الفكرية، واكتشاف ماهو خاطئ أو غير صالح لظرف زمني معين     وتصحيحه، أو ما هو صائب لذات الظرف للعمل به والسعي لتنميته وتجديده، بما يكفل تجنب أيّ شكل من أشكال الصراع المستقبلي، الذي يفتقد للكثير من مقومات وجوده.

 

تعد هذه القيم والثوابت، بعد إزالة ما علق بها من خبث تراكم عبر الزمن لإعادتها إلى صورتها الحقيقية لا المشوهة، تعد أساسا صالحا للبناء عليها مستقبلا، بل من أهم ما ينبغي العمل به راهنا لإعادة تكريسها, وضمان الحفاظ عليها مستقبلاً وتجديدها في حال استدعت المرحلة الزمنية ذلك، وهذا لا يعني دعوة إلى العودة بالعراق نكوصا نحو الانغلاق والتقوقع، أو نحو عراق متحجر غير قابل للتحديث أو التطور الحضاري، بل على العكس من ذلك، هي محاولة لاستعادة نظام المكونات المستلبة منذ ما يقرب من قرن كامل من الاستعمار المباشر أو غير المباشر، ناهيك عن قرون من الظلام عاشها الوطن والإنسان أبان الاستعمار العثماني، وما رافقه من تضليل مخطط لـه، وخداع مبرمج باسم الإسلام، ومحاولات جادة لطمس كل ما يمت بصلة إلى الوطن والإنسان من صفات وخصوصيات تميزه عن غيره، أو يمتاز بها أصلا على الآخرين.

 

ولا يمكن لأي من النخب العراقية الفاعلة الوطنية منها أو التابعة، أن يبقى مكابرا في طروحاته الفكرية أو التنظيرية أو التحليلية،  فيما هو يعيش صراعا داخليا مذهبيا أو عرقيا كامنا في لا وعيه الخامل الذي بدأ يُستفز بعد انتكاسة بغداد في 9/4 مباشرة، وأخذ يتحرر تلقائيا من عقالـه الواهن بعد هذا التاريخ، منطلقا نحو وعيه المحتكم إلى طروحاته الآنية المتجسدة على ارض الواقع قولا وفعلا، قربا من مصالح الوطن أو بعدا عنها دون التفكير بالعودة إلى القناعات الراسخة لديه، الرافضة أصلا لكل الطروحات المذهبية والعرقية’ والمؤمنة بضرورة محاكمة طروحاته الآنية بميزان هذه القناعات.

 

وفي إطار هذا الخضم وهذا التلاطم بين الأمواج الفكرية باتجاهاتها المتعددة، وتعسر فهم هذه المتناقضات، وخلط الأوراق المتعمد من قبل آخرين، وتلك المستجدات المشاهدة  بوضوح على الساحة العراقية، كل ذلك خلق حالة من زعزعة القناعات ومن الإحساس بالتيه الفكري واهتزاز الإيمان حتى ببعض المسلمات الدينية الروحية منها والعقائدية، وخاصة بعد أن أطاحت الانعكاسات المترتبة على الاحتلال بكل الأقنعة الزائفة منها أصلا، عن قصد أو دونه، أو تلك الأقنعة المزيَّفة والمزيِّفة عن قصد وسبق تخطيط في خلق هذا التشابك, وهذا المدى المخيف الذي انحدرت أو تهاوت إليه مصالح وثوابت المجتمع الأساسية المستمدة أصلا من قيمنا العربية، أو من تلك التي عززها الإسلام وكرسها، أو تلك التي جاء بها متجددة لتثري قيمنا وتشذبها.

 

أما الطامحون بالحفاظ على ثوابتنا الوطنية ومصالحنا، فسيعملون على خلق أو إعادة الروح إلى المزيد من الرؤى المتفق عليها تلقائيا، وكذلك الحفاظ على المصالح المشتركة بين كل المكونات وتعزيزها، وعدم القفز فوقها بذريعة عدم نفع النقاش أو الحوار المتبادل مع الطرف الآخر، وهذه الذريعة هي ما تسعى أطراف المشروع إلى جعلها واقعا لا يحتمل مزيدا من النقاش، بل يتقرر هذا حتى قبل محاولة سبر أغوار الطرف الآخر، والتبحر في أعماق قناعاته ورؤاه المستقبلية وطروحاته، هذا إذا أخذنا بالحسبان، إن طبيعة حركة المجتمعات الإنسانية، لابد أن تترافق وتتزامن وفق هذا المنهج في ضرورة إجراء المزيد من النقاشات وتبادل الآراء، رغم اختلاف وجهات النظر والأفكار والمصالح  الذاتية، ويصح هذا الكلام على مجتمعين، أو على عدة مجتمعات تنتمي إلى مجاميع بشرية متنوعة، فيما لا يصح تطبيق هذا على المجتمع العراقي واقعيا وعمليا وفق رؤية العراقيين الوطنيين، فهذا المجتمع هو أساسا، موحد دينيا بنسبة عالية تقترب من المطلق، وهو كذلك موحد عرقيا بنسبة تتجاوز الثمانين بالمائة،  هذا إذا نحينا جانبا انتماء المجتمع العراقي إلى المجتمع العربي الكبير، أما إذا تجاوزنا هذا المفهوم، عندها تكون النسبة الأخيرة تقترب من المطلق أيضاً، وهذا بالتحديد ما تريد إدارة المشروع الصهيوريكي التعتيم الكامل عليه، والعمل على طمس هذا المعلم من معالم المجتمع العراقي، وهو بالتالي يصب في الاتجاه الأخطر من مساعي إدارة المشروع، ألا وهو المحاولات الجادة والمستميتة من قبل هذه الإدارة لتحقيق عزل كامل للمجتمع العراقي عن محيطه العربي المتمثل بالمجتمع العربي الكبير، ثم عزلـه عن مجال تواجده الحيوي وفاعليته في البيئة الأخرى المتمثلة بالمجتمع الإسلامي.

 

لابد إذن من محاولة للقيام بعملية فرز لما اختلط على الآخرين عموما، وشرائح المثقفين مفكرين منهم أو سياسيين خصوصا، من أفكار ورؤى يصعب فرزها أو الحكم عليها دون الأيمان بوجودها، ودون فهم صحيح لحركة التاريخ والتطور الحتمي للمجتمعات، والإقرار بعدم إمكانية القفز فوق هذه المتغيرات أو التغاضي عنها وعدم التعرض لها وتناسيها أو نكران وجودها الفعلي والواقعي، فيما نجد أنّ بناء الوطن مدنيا وفكريا، إنسانا  ومجتمعا ليس بالأمر اليسير كما قد يتراءى للبعض، فالخلافات والاختلافات والتناقضات التي تسود أي مجتمع، بغض النظر عن سماته ومسمياته هي التي أوجدت أشكالا من الصراعات الداخلية المنظورة أو غير المنظورة، فكريا وعرقيا ودينيا، وقد تتخذ سمات دموية أحيانا أو سلمية في أحيان أخر، وغالبا ما تكون متحررة من أي نظام أو قيود أو قانون يؤطر أساليبها قبل نشوبها أو خلالها أو بعدها، وهي عادة ما تكون مغذاة من جهات خارجية لها مصالحها الخاصة، أو خدمة لمصالح أحد طرفي الصراع المحسوب عليها، والذي يعمل أساسا لمصلحتها لدوافع ضيقة الأفق عرقية أو طائفية أو مذهبية أو غيرها  لتحقيق مكاسب مادية أو شخصية.

 

إن مثل هذه الصراعات قد تتأطر، بأطر بنيوية تمس نسيج المجتمع المفترض به أن يكون متماسكا، وان يكون متساميا فوق الذاتية والانتماءات والولاءات الأنانية المستندة إلى مضامين عشائرية أو فردية، عرقية أو مذهبية، وهذا بدوره يؤسس لنمط جديد من الصراعات الفكرية والثقافية، وما ينعكس اثر ذلك من تأسيس لبناء شكل جديد من أشكال الصراع بين عموم المواطنين الباحثين عن حياة أكثر حداثة ورفاهية ونماءً وأكثر استقرارا أمنيا ومعيشيا، وبين السلطة وقواها الممسكة بزمام الأمور، والتي تحاول أن تطيل من أمدها السلطوي، كجزء من أخلاقها وقيمها في صراع البقاء الزمني، بغض النظر عن الأسلوب والنتائج، وقد تكون هذه الصراعات ذات نتائج مهلكة لأحد طرفي الصراع أو لكليهما، بسبب اتصاف مثل هذه الصراعات بالدموية والعنف، وفقدانها أيضا لقيم الاقتتال وأخلاق الحرب بين عناصر الأمة الواحدة أو بين مكونات الشعب الواحد.

 

وهذه الصراعات أيضا، هي التي تشكل أكثر أنواع الصراعات خطورة على وجود الأمم وسلامة مجتمعاتها، وهذا ما نخشاه على الشعب العراقي مستقبلاً، حيث إن تداعيات انتكاسة بغداد، وبتوجيهات مرسومة بدقة من قبل إدارة المشروع الصهيوريكي، وكرم المتعاونين معها في رفدهم بالمعلومات المهمة عن طبيعة تكوين المجتمع العراقي وأسس علاقات مكوناته، وعوامل قوتها وأسهل نقاط اختراقها، وعملهم على تسهيل مهماتهم العملية عن طريق تضليل الآخرين وإيهامهم، أو عن طريق شراء الذمم  لبعض المواطنين من ذوي الأنفس الضعيفة، كل هذا افرز واقعا تتضح ملامحه يوما بعد آخر، ينذر بصراعات قد تؤدي بالمجتمع العراقي إلى إحدى زوايا التاريخ المعدة لـه سلفا من قبل المحتل وأدواته، لإنهاء وجوده ونسيانه وإلغاء دوره العربي، وتشويه صورته كمجتمع متماسك دينيا وعرقيا، فكريا وثقافيا، إنسانيا ومجتمعيا.

 

وفي ضوء ما ورد، فإن البحث في مبررات ومقومات وجود مثل هذه الصراعات المهلكة، لن تجد لها ما يدعمها ويفعِّلها ألا تلك الضلالات التي أغرقنا بها المحتل وأعوانه ودفع بها إلى واجهة الرأي العام، محاولين إقناع المواطن العراقي بها والعمل على أساسها من شمال الوطن إلى جنوبه مرورا بوسطه، غير إن مثل هذه الضلالات أو تلك التي ما انفك المحتل وأعوانه يبشرون بها، وكأنها من ثوابت مصالحنا الوطنية بمصطلحات زائفة تبدأ بالحرية ولا تنتهي بالديمقراطية، قد لا تجد لها تربة خصبة في الواقع العراقي الراهن إنْ أحسن الجميع النوايا وأدركوا خطورة ما يراد لنا أن نكون عليه مستقبلا، ولن يتحقق هذا إلا بعد إن يتوحد كل العراقيين حول هدف واحد ومبدأ واحد يتمثل في عدم السماح لحملة الأفكار الصهيونية الدخيلة، وحملة الأحقاد الشعوبية على عروبة العراق وإسلامه وعزلهم تماما عن المشاركة في رسم مستقبل العراق.

 

إن التداخل بين ما هو عرقي وما هو مذهبي، وبين ما هو عرقي مذهبي داخل العرق الواحد وما هو مذهبي عرقي داخل المذهب الواحد، يجعل الأمر في غاية التعقيد والخطورة من حيث إمكانية تطوره بصورة متسارعة يصعب التنبؤ باتجاهاته ومساراته الراهنة والمستقبلية، وليس بعيداً عن التصديق، وجود جهات إقليمية لها مصالحها في العراق ومخاوفها أيضاً، قد تدخل طوعاً أو اضطراراً في خضم الصراع مع هذا الطرف أو ذاك بدافع مذهبي أحياناً أو عرقي في أحيان أخر، بسبب صعوبة الفرز داخل العرق الواحد والمذهب الواحد أيضاً، مما يعني في النهاية أن حالة من الفوضى قد تسود المنطقة ككل, وهذا ما تطمح إدارة المشروع الصهيوريكي في الوصول إليه وتحقيقه كإنجاز متقدم وثمرة من ثمرات العولمة وما يدور في ذهن المحافظين الجدد، وحلمهم في أن يروا العالم متأمركاً، وأن تتم عملية إنتاج هيكلة جديدة لجغرافية العالم مبنية على أسس إلغاء الدول القائمة حالياً، وبناؤها من جديد على أسس جغرافية عرقية أو جغرافية دينية فيما لو سجلوا عجزاً أو صعوبة في تحقيق حلمهم الأول في صناعة حكومات لا تملك جغرافية محددة لسلطاتها، بل ستكون هذه الحكومات أشبه ما تكون إدارتها بالشركات الربحية العملاقة، أي بكلام آخر، أن هذه الحكومات هي حكومات اللادول كما تريد إدارة المشروع الصهيوريكي أن يكون عليه العالم مستقبلاً لتعميم النمط الأمريكي، وكل هذه الاحتمالات واردة بل مطلوب تحقيقها في فكر وعقل هذه الإدارة, بما يفضي إلى تفتيت العراق كمرحلة أولى ومن ثم الانتقال إلى أقطار عربية وإقليمية كمرحلة لاحقة قد تتطور خلال عقدين أو أكثر لتعم العالم كله، أو الاكتفاء بما يسمى بمنطقة ( الشرق الأوسط الكبير ) كحدود جغرافية ترضي القائمين على إدارة المشروع الصهيوريكي راهناً.

                                                                                               لقد راهنت إدارة المشروع الصهيوريكي على اختراق نسيج الوحدة الوطنية للشعب العراقي, غير انه على ما يبدو، لم تتمكن هذه الإدارة من تحقيق هدفها حتى الآن في خلق حالة من الاقتتال الداخلي عرقيا أو مذهبيا رغم مرور حوالي عامين على انتكاسة بغداد، لذا يتطلب الأمر من العراقيين الانتباه وتضييع الفرصة على إدارة المشروع في ضرب الوحدة الوطنية التي تشكل أهم مرتكزات استقلال وسيادة العراق حاضرا ومستقبلا، رغم أنّ أولئك المدافعين عن المشروع  يرددون في خطابهم الإعلامي حديثا عن الوحدة الوطنية وعن ضرورة تجنب الفتنة، يحكمهم في ذلك سوء النية، فأولئك لا يقصدون ما يقولون في دعواتهم إذا قيست بمقياس تطابق قناعاتهم مع قناعات إدارة المشروع، حيث إن مجرد هذه الدعوات تعني إن هناك بذورا واضحة وملموسة تهيئ لعملية خلق تلك الحالة وسعيا جادا من قبلهم في العمل على وقوع الفتنة، وعليه فانه لا يمكن للعراقيين أن يواصلوا هروبهم إلى أمام بتجاهلهم  لهذه المعطيات، بل عليهم أن يدركوا أن هناك مخططا ما يسعى في هذا الاتجاه، وان هناك شيئا كان مخفيا يدور في عقول تلك الزعامات والقيادات الدينية والسياسية الموكلة بالأمر والمفوضة من قبل إدارة المشروع كأدوات منفذة تبحث عن مكاسب آنية ومصالح ضيقة.

 

إن المواطن العراقي، وكأي إنسان يعيش على سطح كوكبنا الأرضي، يحمل وعيا وطنيا وأيمانا يتطور من مرحلة زمنية معينة إلى مراحل لاحقة أخرى، تتخطى حالة الوعي الوطني إلى حالة الوعي القومي باطمئنان المواطن إلى سلامة تلك الحالة وثباتها وقدرتها على الانتقال إلى مراحل أكثر تطورا في وعيه كجزء فاعل ونشيط ومساهم في تكوين وتكامل هذا الوعي الوطني كنتيجة مباشرة لهذه الانتقالات، فيما يتزامن تقدمه بخطوات واثقة نحو وعيه الديني الذي يتميز بالفطرية والتلقائية، وبالتالي فهو لا يحتاج إلى مزيد من الجهد لتكريس تلك القناعات الموجودة أصلا.

 

إن ثالوث الوعي الوارد ذكره أنفا، وعبر التاريخ الحديث والمعاصر، برز بوضوح كمكون كلي واحد، يترابط جدليا وتكامليا وتزامنياً، بحيث إن أي خلل أو تآكل في جزء منه، ينعكس سلبا على الأجزاء الأخرى، لذلك يحاول المحتل تقويض أحد أعمدة هذا الثالوث، عن طريق الجزء الأضعف حسب تصوره، وحيث يتحقق لـه هذا، فأنه يكون قد نجح في تهشيم أحد جدران وعي الشعب العراقي بثوابته الوطنية ومسلماته التاريخية، ويكون أيضاً، قد عرض الوحدة الوطنية إلى خطر الزوال أو استبدال وتزييف القناعات، ثم ولوج الشعب العراقي في نفق الاقتتال الداخلي عرقيا أو مذهبيا بحجج واهية، مثل اختلاف العقائد أو تناقض المصالح بين مكونات المجتمع، كنتيجة للسعي الجاد من دوائر وارتباطات تعمل في هذا الاتجاه بالتعاون مع اتجاهات عراقية، لعرقلة أية خطوات تهدف إلى تفعيل وسائل التقريب، كمحاولة لاستنباط الحلول الكفيلة بتجاوز هذه المخاطر القاتلة، وإفشال المشروع الصهيوريكي القادم مع الاحتلال  والساعي إلى تنشيط عوامل الاختلاف وتضخيمها فكريا أو عمليا إلى الدرجة التي يبدو فيها، أن مجرد العمل على عدم الأخذ بهذه العوامل أو العمل بالاتجاه المضاد لها، أشبه ما تكون بعملية مناطحة الصخور بقرون من طين - كما يقال- وبالتالي اتجاه العراقيين وتسليمهم بترك الأمر لإدارة المشروع وأدواته أو للأقدار وفعلها.

 

وعليه فان على العراقيين الحريصين على مصالحهم وثوابتهم الوطنية، مسلمين أو مسيحيين،  سنة أو شيعة، عرباً أو أكراداً،                                                       أن يتسامحوا في بعض التجاوزات من هذا الطرف أو ذاك وان يلجأوا إلى من عرف عنهم التزامهم العقلاني وحكمتهم وترويهم وتجردهم من رؤية الأمور بمنظار مذهبي أو عرقي  وكذلك إلى من عرف عنهم حرصهم على وحدة العراق الوطنية وعروبته وإسلامه، فان مجرد عدم التسامح في موضوع جانبي قد لا يستحق عناء ذكره قد يتطور إلى ما لا تحمد عقباه  ولتجنب ذلك يتوجب  على العراقيين التسامي فوق مثل هذه الاختلالات ،  والتعامل معها بصدر رحب وأفق واسع ورؤى بعيدة ،  كما عليهم أن يدركوا أن المخطط المرسوم مرعب جدا أن لم يحسنوا الالتفات إلى ذواتهم وتحصين أنفسهم وتنمية وعيهم الوطني والقومي والديني،  وكذلك تعزيز إدراكهم لحقيقة ما يتهددهم من مخاطر تستهدف وجودهم ومستقبلهم.