لم يقدم الأمريكيون جديداً
بقلم :د. عبدالستار
قاسم
يتردد في بعض وسائل
الإعلام بأن الأمريكيين في ظل الإدارة القديمة الجديدة يقدمون شيئاً جديداً
للفلسطينيين، وأنهم أكثر جدية من ذي قبل في إقامة دولة فلسطينية. وقد تواتر على
لسان مسؤولين فلسطينيين أن وزيرة الخارجية الأمريكية تتحدث الآن بلغة جديدة، مما
يعني أن الرئيس بوش سيتبع سياسة جديدة في فترة ولايته الثانية تجاه الفلسطينيين. من
متابعتي للتطورات الكلامية والعملية، لم أجد أن جديداً قد تم طرحه لإغراء
الفلسطينيين، ووجدت أن ما يقال خلال هذه الفترة حتى الآن عبارة عن تكرار لما قيل
في الماضي. ألخص الأمر فيما يلي:
أولاً: على صعيد
الدولة الفلسطينية، كرر الرئيس بوش وكررت رايس الموقف الأمريكي المؤيد لفكرة إقامة
دولة فلسطينية قابلة للحياة. هذا موقف تم التعبير عنه مراراً وبالذات في خريطة
الطريق التي يثني عليها المعنيون بعملية السلام الحالية ويقولون إنهم يتبنونها. وكما
الماضي، لم يعرّف بوش أو رايس عن أي دولة يتحدثان: أهي دولة مستقلة ذات سيادة، أم
دولة وكالة تعمل بالنيابة عن الاحتلال "الإسرائيلي"؟ أهي دولة ذات
اقتصاد وجيش، أم دولة تسول تعيش تحت حماية الآخرين ورحمتهم؟
ثانياً: يربط
الأمريكيون مساعداتهم الاقتصادية بمدى تقدم الفلسطينيين بأداء المهام المطلوبة
منهم في الاتفاقات مع "إسرائيل" وبالتحديد المهام الأمنية. لم تكن
المساعدات مرتبطة يوماً بمبدأ إنساني عام وإنما بمصالح "إسرائيلية" وأمريكية،
وهي ما زالت كذلك. المبدأ الإنساني له علاقة مباشرة بوقوع شعب تحت احتلال وما
يحمله معه من تبعات معيشية صعبة تقتضي استنهاض الدول والمجتمعات لمد يد العون، لكن
الموقف الأمريكي لا علاقة له بقضايا إنسانية وإنما بمسائل سياسية. منعت أمريكا
العديد من الجمعيات الخيرية مد يد العون للشعب الفلسطيني على اعتبار أن أي دعم
إنساني يسهم في دعم الصمود الفلسطيني إنما يسهم في بناء حالة داخلية فلسطينية
يستفيد منها الإرهاب. هذا موقف أمريكي لم يتغير.
ثالثاً: أصر الجانب
الأمريكي دوماً على تحويل القضية الفلسطينية إلى قضية أمنية "إسرائيلية"،
لأن المهم لدى الأمريكيين هو القضاء على البنى التحتية لما يسمونه الإرهاب، وليس
المهم استعادة حقوق شعب مسلوبة عملاً بشعارات الدفاع عن حقوق الإنسان. قال
الأمريكيون إن على الفلسطينيين أن يلتزموا الهدوء تماماً وألا يقوموا بأي عمل يهدد
أو يمس الأمن "الإسرائيلي"، وإن عليهم السهر على الأمن "الإسرائيلي"،
وبعدها تتم العودة إلى طاولة المفاوضات التي تحسم في النهاية ماذا يمكن أن يعطى
للفلسطينيين. هذا الموقف لم يتغير أيضاً، وقد بينت رايس أن على الفلسطينيين أن
يقوموا بإنهاء وجود فصائل تقاوم "إسرائيل". أي أن مشكلة الفلسطينيين
بالنسبة للأمريكيين السابقين واللاحقين أنهم لا يقومون بأعمال الحراسة على بوابة
مملكة "إسرائيل"، وأن معاناتهم تأتي دائماً نتيجة لهذا التقصير الناجم
عن غباء وضيق أفق.
لم تعد أمريكا، كما "إسرائيل"،
تطالب بهدنة يصمت خلالها أزيز الرصاص لأن الهدن السابقة لم تجد نفعاً، وإنما تريد
من السلطة الفلسطينية أن تجرد فصائل المقاومة من سلاحها تماماً وتحولها إلى مجرد
أحزاب سياسية مسالمة وتعمل على تعزيز الاتفاقيات مع "إسرائيل". هكذا تنص
خريطة الطريق التي هي صناعة أمريكية "إسرائيلية"، وهكذا تقول مختلف
التصريحات الأمريكية منذ تسلم عباس رئاسة السلطة الفلسطينية.
رابعاً: لم يقدم
الأمريكيون في السابق أي حل لأي قضية فلسطينية جوهرية مثل قضايا اللاجئين ومصادرة
الأراضي وحق تقرير المصير، الخ. البخل الأمريكي ما زال على حاله، وتأييد الموقف "الإسرائيلي"
بصورة عمياء لا يزال مستمراً. رفض "الإسرائيليون" قبول أي نتائج حول حل
القضية الفلسطينية خارج طاولة المفاوضات التي من المعروف خضوعها ونتائجها سلفاً
لتوازن القوى، وأيدهم الأمريكيون في ذلك باستمرار ولغاية الآن.
خامساً: تدخل
الأمريكيون في مسائل التنسيق الأمني بين الفلسطينيين و"الإسرائيليين" وقدموا
العديد من الخدمات الاستشارية والتدريبية والتنسيقية وتقريب وجهات النظر. وقد
احتفظت وكالة المخابرات المركزية CIA
لها بمكاتب في مدن رئيسة للإشراف الأمني المباشر على التحركات الفلسطينية الرسمية
في مواجهة المقاومين والمجاهدين. وليس جديداً أن أعلنت رايس عن تعيين جنرال أمريكي
للمشاركة في أعمال التنسيق الأمني التي انتعشت مؤخرا. الأمريكيون يتدخلون مباشرة
منذ زمن طويل، وهم الذين يعتقلون أحمد سعادات زعيم الجبهة الشعبية مع "الإسرائيليين"
في أريحا باسم السلطة الفلسطينية.
ربما يجد المتابع
جديداً لدى الفلسطينيين وذلك في سرعة استجابتهم لبعض المتطلبات الأمريكية "الإسرائيلية".
سواء كانت السلطة أو فصائل المقاومة، كانت الهرولة الفلسطينية نحو القبول بالتهدئة
سريعة جداً ولم تأخذ المدى الدبلوماسي المتوقع والذي من شأنه إعطاء المسألة أهمية
وبعداً دوليين. سارع الجانب الفلسطيني إلى عقد لقاءات مع "الإسرائيليين"
مبشراً بالتهدئة التي أعلن أن مختلف الفصائل قد وافقت عليها، وسارعت فصائل
المقاومة إلى إصدار تصريحات عديدة تتناقض مع موقفها الرافض للمفاوضات المباشرة
وغير المباشرة مع "إسرائيل". يبدو في هذه المرحلة تقارب موقفي السلطة
وفصائل المقاومة من بعضهما مما يعني أن السلطة قد أخذت ضوءاً أخضر لاستمرار
التفاوض مع "إسرائيل" عسى في ذلك ما يأتي ببعض الخير للشعب الفلسطيني. أي
أن الموقف التشكيكي الممزوج بتخوين السلطة الفلسطينية لم يعد قائماً أو انحسر.
الجديد موجود حصراً
في الموقف "الإسرائيلي" وذلك بشأن الانسحاب من قطاع غزة. لم يرتبط هذا
الموقف حقيقة بوفاة عرفات ولا بتسلم محمود عباس، وإنما ارتبط بالمقاومة الفلسطينية
وعدم قدرة "إسرائيل" على توفير الأمن للمستوطنين في القطاع. اضطر شارون
أن يتخلى عن مواقفه الأيديولوجية لمصلحة الحقيقة السياسية المرّة، وقرر أن "إسرائيل"
لم تعد معنية بذلك الجزء مما يسميه أرض "إسرائيل". لكن من الواضح أن هذا
الموقف لم يغير من الصورة الكلية للوضع التقليدي لمختلف الأطياف المعنية بالصراع
الدائر.
وقد بات واضحاً إثر
اجتماع شرم الشيخ في 8/2/2005 أن الجديد غير موجود، وأن الهاجس الأمني "الإسرائيلي"
هو الذي سيطر على أعمال المؤتمر. لم يفشل المؤتمر في حل قضايا كبيرة فقط وإنما فشل
أيضاً في حل مشكلة الحواجز العسكرية "الإسرائيلية" التي تمزق الضفة
الغربية، وفي إزالة الجدار الفاصل أو تعديل مساره وفي إطلاق سراح الأسرى
الفلسطينيين. كل القضايا تم تأجيلها لغاية اختبار قدرة السلطة الفلسطينية على
توفير الأمن لليهود الصهاينة.