فصل جديد في الصراع بين التدين واللاتدين
الكنيسة في قلب الحلبة السياسية بإسبانيا
بقلم : حسن السرات
-المغرب
يتخذ الصراع بين
التدين العائد واللاتدين المتراجع صورا وأشكالا شتى،
وتظهر كثير من الاستطلاعات الحديثة على تصاعد الدين والتعبير عنه بخطابات وأوضاع
مختلفة، وحول قضايا ذات حساسية كبيرة لاتصالها بالمجال الديني والأخلاقي والقيمي. المقال التالي يقدم رصدا لهذا التدافع من خلال
المواجهة الحادة بين الكنيسة الكاثوليكية والحكومة في كل من إسبانيا وإيطاليا، ومن
خلال أحدث استطلاع للتدين في عشر دول غربية.
معركة الشذوذ الجنسي
دعا المجلس الأسقفي الكاثوليكي الإسباني كافة
الكاثوليك الإسبان إلى التظاهر يوم 18 يونيو 2005
بمدريد احتجاجا واستنكارا ضد مشروع القانون المبيح للشواذ الجنسيين أن "يتزوجوا
ويؤسسوا أسرة". وقررت الكنسية الكاثوليكية الإسبانية مساندة المظاهرة التي
سينظمها الملتقى الإسباني للأسرة، وهو منظمة مسيحية محافظة. وقال بيان الأسقفية إن
"القضية عادلة، والمؤمنون الأوفياء يستجيبون بطريقة مناسبة للتحدي المطروح
عندما يستثمرون حقوقهم الديمقراطية للتعبير عن رفضهم بالتظاهر السلمي. وكانت
الأسقفية الإسبانية قد دعت في مطلع شهر ماي الماضي
الكاثوليكيين لمعارضة واضحة وحاسمة لزواج الشواذ الجنسيين. زواج يشكل، حسب قول الاسقفية، رجوعا إلى الوراء عن طريق المدنية" وهو ضد "العقل"
و"المنطق". وكان البرلمان الإسباني الذي يسيطر عليه الاشتراكيون قد صوت
على إباحة زواج الشاذين وفتح المجال أمامهم لتكوين أسرة في 22 من شهر أبريل 2005،
وينتظر أن يناقشه مجلس الشيوخ قبل أن يصبح ساري المفعول ابتداء من هذا الصيف. وكان
البابا الجديد بنديكت السادس عشر (الكاردينال راتزينغر سابقا) قد دعا "الأمة الكاثوليكية" الإسبانية
يوم 23 ماي 2005 إلى مقاومة "التوجهات اللائيكية" التي تهدد البلد، وطلب من الكنيسة الاإسبانية أن تكون حازمة في هذا الأمر. ولا يتوقف الخلاف بين
الكنسية الإسبانية والحكومة الاشتراكية الإسبانية في إباحة زواج قوم لوط فحسب، بل
يتعداه إلى الطلاق البحث العلمي حول الأجنة والاستنساخ والتعليم الديني في المدارس
الحكومية.وحسب استطلاع أجراه معهد "أوبينا" يقر 82 بالمئة
من الإسبانيين بأنهم كاثوليكيون، و47 بالمئة متدينون
ملتزمون. تصوت الأغلبية الساحقة منهم للحزب الشعبي اليميني، غير أن ثلثي
الإسبانيين يعتبرون أن الكنيسة "بعيدة عن الواقع الاجتماعي".
الخصوصية الإسبانية
غير أن الوضع في
إسبانيا مختلف عنه في باقي الدول الأوروبية، بالنظر إلى التاريخ المليء بالآلام
والأوجاع خلال القرن العشرين بين الكنيسة والدولة. ففي 1931، وبسبب قانون شبيه
بقانون 1905 الفرنسي الذي يفصل بين الدين والدولة، أحرقت كنائس وأديرة ومعابد بكاتولونيا والأندلس وأستورييس،
وحلت بعض المنظمات والهيئات الدينية، بل وطوردت، وحرمت الكنائس من المساعدات
المالية.
وقد اعتبر المؤرخ بارتولومي بناصر أن "الحرب الأهلية كانت حربا دينية"
بالدرجة الأولى، إذ انطلقت الجيوش الفرانكية (نسبة إلى
فرانكو) في حملة صليبية باسم "المسيح-الملك" ضد "الشيوعيين
والماركسيين"، وقتلوا أثناء ذلك الكثير من "السموم الحمراء"،
وبالمقابل، لم يتردد الجمهوريون في تصفية القساوسة والكرادلة والرهبان، وصفي يومذاك حوالي 7000 منهم. وما أن أحرز الجنرال الفرانكي موسكادو النصر في معركة "قصر
توليد" عام 1938، حتى صاح في ضريح سانت جاك دو كومبوستيل
قائلا: " وأنت، يا أيها القديس جاك، يا من كنت تقف إلى جانبنا في الأوقات
الصعبة من الحرب، وكنت تهدي وترشد المقاتلين، ها نحن جئنا للجهر بمعتقداتنا
الكاثوليكية والوطنية ضد الرافضة المتهودين والمنكرين".
الحرس السري للفاتيكان
أقوى الجماعات
الكاثوليكية في العالم اليوم هي مجموعة "إبداع الرب" (أوبوس ودييي Opus Dei) التي أسسها الأب إسكريفا دوبالاغير بإسبانيا، والتي
حظيت بالدعم المطلق من بابا الفاتيكان، ويعتبرها العديد من المراقبين بمثابة الحرس
الأبيض الخاص بالبابا الراحل جان بول 2ثم بالبابا الحالي. حرس سري مخصص لإعادة
الانتشار، وتجديد الكاثوليكية والتحكم في دواليب القرار السياسي. ويذهب بعض
المحللين إلى أن هذا التنظيم المحكم يقف وراء نجاح الرئيس الفرنسي جاك شيراك أثناء
فوزه بعمادة مدينة باريس، وردا للجميل، وافق على تعيين عدد من أعضاء الجماعة في
حكومة "آلان جوبيه سنة 1995.
وتأسست منظمة إبداع الرب في مدريد بإسبانيا أولا
على يد قس شاب خوسي ماريا إسيكريفا
دولاباغير عام 1928، وتشبه في علمها ومنهجها وهدفها
منظمات كاثوليكية أخرى ظهرت في فرنسا وبلجيكا في الفترة نفسها، فترة شهدت صعود
الاشتراكية السوفييتية والشيوعية المناهضة للدين والملكيات القديمة. وعلى الرغم من
المظهر "العلماني" للمنظمة، إلا أن رجال الدين ظلوا دوما هم الممسكين
الحقيقيين بمقاليد الأمور. ساندت المنظمة الجنرال فرانكو أثناء الحرب الأهلية
الإسبانية، معتقدة أنها حرب ضد الشر وضد الشيوعية لإنقاذ الكاثوليكية، واعتبرت
المنظمة هتلر حليفا لها لوقوفه ضد الشيوعية، وللخروج من الأزمة الاقتصادية في
إسبانيا عام 1956، أحاط الجنرال فرانكو نفسه بوزراء منتمين لمنظمة "إبداع
الرب"، وعندما قرر أن يتخلى عن الحكم ويعيد العرش الإسباني، وكان وقتئذ تحت
الرعاية التربوية للقس أنائيل لويز
آمو. في سنة 1969 أعلن الجنرال فرانكو "خوان كارلوس" ملكا. شهورا بعد
ذلك، تأكدت سيطرة إبداع الرب على القرار السياسي بتعيين 12 عضوا منها ضمن تشكيلة
الوزراء التسعة عشر. وعلى إثر ذلك، أنشأ أعضاء المنظمة شبكة وطنية مالية استطاعت
وضع يدها على مقدرات اقتصادية كبيرة في إسبانيا. ومن الشركات الكبرى التي تشكل بعض
نسيجها الاقتصادي المالي شركة "ليما" التي أنشئت زيوريخ عام 1972،
وارتبطت بأبناك ومؤسسات في إسبانيا (المؤسسة العامة
للبحر الأبيض المتوسط)، وفي ألمانيا (مؤسسة الراين والدانوب، أو معهد ليدينتال) وفي أمريكا اللاتينية (المؤسسة العامة اللاتينية
الأمريكية بفنزويلا). ويؤكد ـ جيزوإنفانتيه ـ الكاتب
الإسباني صاحب مؤلف إبداع الرب ـ 1996 ـ أن المنظمة كانت وراء نجاح رئيس الوزراء
السابق خوسيه ماريا أزنار، وأنها السند الأول له، وأنها
ما تزال تسيطر على مفاتيح القرار السياسي والاقتصادي في إسبانيا، لذلك بادر خوسيه ماريا أزنار إلى تعيين فيديريكو
ترييو ـ عضو إبداع الرب ـ رئيسا للبرلمان الإسباني رغم
الفضائح المالية التي عرف بها. وإلى جانب هذا التعيين،
اختار أزنار كلا من السيدتين إيزابيل طوسينو ولويولا دوبالاسيو ـ المعروفتان
بصلتهما الواضحة مع إبداع الرب ـ ضمن تشكيلته الحكومية. وهناك رجل آخر معروف به ارتباط بإبداع الرب هو خوسيه مانويل رومي، عضو اللجنة التنفيذية للحزب الشعبي الذي أصبح
وزيرا للصحة، ومعنى ذلك ـ حسب مراقبين إسبان ودوليين ـ
أن منظمة إبداع الرب لتتحكم في 20% من النظام السياسي الإسباني. ورغم سقوط الحزب
الشعبي غداة تفجيرات مدريد يوم 11 مارس 2004، إلا أن المنظمة ظلت قوية ممسكة بكثير
من خيوط القرار، وتتحين الفرصة للعودة والانقضاض.
انتصار تاريخي في
إيطاليا
في إيطاليا حققت
الكنسية انتصارا تاريخيا بدعوة أتباعها لمقاطعة التصويت حول قوانين الإخصاب الطبي
المتحكم فيه والبحث العلمي لأغراض علاجية انطلاقا من خلايا الأجنة، وذلك ما اعتبره
الأسقف الإيطالي أنجيلو سكولا،
أسقف مدينة البندقية (فينيز) في مقال نشره بصحيفة لاريبوبليكا يوم 23 ماي 2005، "استهواء
فاوست". وهذه الحملة الكنسية تشبه الحملة التي
خاضتها الكنيسة وخسرتها في سبعينيات القرن العشرين ضد الطلاق والإجهاض، لكن في ذلك
الوقت أمر، واليوم أمر آخر. ولم تتجاوز نسبة المشاركين في الاستفتاء يومي الأحد
والاثنين 30 بالمئة مما يعني فشل الاستفتاء، والتوجه
نحو تعديل النص المقترح أو استبداله. وكان العديد من الساسة الإيطاليين الكاثوليك،
من بينهم الرئيس كارلو تشيامبي، قد تحدوا الدعوة التي
وجهها الفاتيكان لمقاطعة الاستفتاء. فشل الاستفتاء،
يعتبر حسب عديد من المراقبين انتصارا كبيرا للكنيسة الكاثوليكية، وللبابا الجديد
الذي ألقى بثقله في المعركة، ويعد هذا الانتصار أيضا دليلا على وزن الكنيسة
السياسي وبدء منعطف جديد في مسيرتها واسترجاعها لقوتها.
جدل الإيمان والإنكار
لم تتجاوز نسبة
الفرنسيين الذين يعتبرون الدين شيئا هاما في حياتهم الخاصة 37 بالمئة.
ووصفت صحيفة "لاكروا" الفرنسية هذا الأمر
بأنه استثناء فرنسي آخر. وأظهر استطلاع أجرته شركة "إيبسوس"
لفائدة الوكالة الإعلامية الامريكية "أسوشيتد بريس" في عينة بلغت حوالي 1000 بالغ في كل بلد
من البلدان العشرة التي شملها الاستطلاع بين 12 و26 ماي
2005، أظهر أن الفرنسيين يختلفون عن سكان تسع دول أخرى أخذت بعين الاعتبار في
الاستطلاع المذكور: أستراليا، وكندا، وألمانيا، وإيطاليا، والمكسيك، والمملكة
المتحدة والولايات المتحدة.
ويعتبر الرقم الفرنسي
أخفض رقم في الدلالة على منزلة الدين لدى السكان، وعلى مقربة من الفرنسيين، يوجد
البريطانيون بنسبة 43 بالمئة، ثم الإسبان
بنسبة 46 بالمئة. بينما يتربع الأمريكيون على كرسي
الصدارة بنسبة 86 بالمئة، متبوعين بالمكسيكيين بنسبة 84
بالمئة، ثم الإيطاليين بنسبة 80 بالمئة،
فالكنديين بنسبة 64 بالمئة.
ويوجد الفرنسيون في
مقدمة الذين لا يؤمنون بالله وينكرونه: 19 بالمئة، ولا
يساويهم في هذا إلا الكوريون الجنوبيون، يتبعهم البريطانيون بنسبة 16 بالمئة، ثم الالمان بنسبة 12 بالمئة، فالأستراليون بنسبة 11 بالمئة.
وانسجاما مع المعطيات السابقة، يوجد الأمريكيون في الدرجة السفلى من المنكرين
لوجود الله بنسبة 2 بالمئة.
وعن علاقة الدولة
بالدين، يوجد الفرنسيون في مقدمة من يؤمن بعدم تدخل السلطات الدينية في القرارات
السياسية للدولة بنسبة 85 بالمئة، يتلوهم في هذا
المكسيكيون والبريطانيون بنسبة 77 بالمئة، ثم الإسبان بنسبة 76 بالمئة، ثم
الألمان بنسبة 75 بالمئة، أما الأمريكيون فنسبتهم 61 بالمئة.
ويعتبر الفرنسيون
أنفسهم ذوي هوية كاثوليكية بنسبة 71 بالمئة، بينما يذهب
أكثر من نصفهم إلى أنهم لا يؤمنون بالله أو غنوصيون.
الذين لا دين لهم،
تصل نسبتهم في كوريا الجنوبية إلى 41 بالمئة، وفي ألمانيا
31 بالمئة، وأستراليا 24 بالمئة،
والملكة المتحدة وفرنسا 19 بالمئة.
إيطاليا تعتبر نفسها
كاثوليكية بنسبة 92 بالمئة، والمكسيك 83 بالمئة، وفرنسا بنسبة 74 بالمئة،
وألمانيا 64 بالمئة والأنجليز
بنسبة 70 بالمئة، والكنديون بنسبة 53 بالمئة، والأستراليون والكوريون الجنوبيون وحتى الأمريكيون
بنسبة 56 بالمئة حيث تبلغ نسبة الديانات الأخرى 35 بالمئة. في حين أن الأديان الأخرى بفرنسا تصل إلى نسبة 7 بالمئة، 4 بالمئة للمسلمين، وبهذا
يعتبر الإسلام أكبر ديانة بها.
خلاصة
ما يجري في إسبانيا
وإيطاليا الكاثوليكيتين جدا جدا، فصل جديد من فصول الصراع والتدافع بين التدين واللاتدين، وإذا سلمنا بأن الشذوذ الجنسي الذي لم يعد رغبة
فردية، بل صار تيارا دوليا منظما تنظيما محكما يجد السند والعون من طرف العلمانيين
المتطرفين واليساريين المتشددين، أدركنا أن الانتصار الكاثوليكي في إيطاليا، ومواجهة
الكنيسة الكاثوليكية لإباحة زواج الشاذين جنسيا في إسبانيا ليس سوى وجه من وجوه
الحرب الخفية، أحيانا والمعلنة أحيانا أخرى، بين الكنيسة العائدة إلى ساحة الحلبة
السياسية، وخصومها الذين يشعرون بأن الزمان قد استكمل دورة كاملة بغروب عصر
الأنوار، وإشراق عصر الدين من جديد. غير أن للمراحل
الانتقالية خاصية مميزة هي الاحتدام والاصطدام، وذلك ما تسمع دقات أجراسه من بعيد.