مع فهمي هويدي
وبرجينسكي
الطريق الثالث في المستقبليات
المصرية
بقلم : هشام الناصر
Alnasser_Hesham@yahoo.com
الثقافة والمثقفون
يوجد التباس يصل إلي
درجة الإشكالية في ماهية العلاقة بين "المثقف" و"الكاتب"،
فالكثير من الخصوص قبل العموم يرادف بين المصطلحين
ويعتبر أن الكاتب هو مثقف بالتبعية وإلا ما كتب، وأن المثقف هو كاتب بالضرورة وإلا
فقد وسيلة تعبير عن أفكاره ورؤياه، مع ملاحظة أن الرؤيا
غير الرؤية، فالأولي تتعدي قصور حاسة النظر للظاهر المنظور إلي الخفي المستور. ولعل
نظرة فاحصة علي الإعلام المصري الصحفي، وخاصة ما يصنف كقومي، يؤكد أن هذا الالتباس
لم يصل فقط إلي الإشكالية بل تعداه إلي المهازل والكارثية.
و"الثقافة"
بالعموم هي منظومة متشابكة معقدة التركيب من "أساليب وطرق وعادات" لكافة
أنشطة الحياة الإنسانية التي يبتكرها ويبتدرها ويكتسبها ويتعلمها الإنسان في
انتماءه إلي جمع إنساني (مجتمع / جماعة)، وهي خليط من المادية الملموسة والغير
مادية المحسوسة (مثل الفكرية والروحانية والمعنوية والنفسية ... الخ). وكلمة "يتعلمها" هنا هي سمة من السمات
الإنسانية التي ينفرد بها الإنسان عن شركاءه في فصيل "الحيوان" وهم الأنعام، وتعني ببساطة "استمرارية
الاكتساب" والتعديل للأصلح (أو بما يراه أصلح). مع
ضرورة ملاحظة أن محصلة منظومة الثقافة ليست خيرا دائما، فهي تتسم "بالإيجاب"
في حال التقدم والازدهار (ثقافة التحدي كمثال) أو "بالسلب" في حال
التدهور والاندحار (ثقافة الانبطاح كمثال). وبعبارة أخري، فإن الثقافة هي محصلة "الفعل
ورد الفعل" في عملية التفاعل الإنساني والتكيف الحياتي مع البيئة المحيطة
المؤثرة بما فيها القوي الخارجية، (وهو التعريف الذي يصنف الأنظمة الديناميكية
بالعموم).
ومن الثقافة إلي
المثقف، وهو الإنسان الذي يتسم بسمات أربع أساسية وهم: قاعدة معرفية (وليس فقط
قاعدة معلوماتية)، وآلية إدراك، وهموم بقضية، وأخيرا رؤيا للحل، وهو موضوع تم
تناوله بإسهاب في مقالات سابقة نظرا لأهميته، وضربنا أمثلة علي شخصيات ثقافية
مصرية ينطبق عليها هذا التعريف منهم: محمد حسنين هيكل وفهمي هويدي
وطارق البشري وعبد الوهاب المسيري (مع حفظ الألقاب)،
كنماذج مادية واقعية وملموسة محسوسة علي أرض الواقع الحياتي بغية التعريف المفاهيمي "للمثقف" (Conceptual Definition) السابق عرضه.
ننتقل من هذه المقدمة
الأساسية عن "الثقافة والمثقفين" إلي الموضوع الذي نريد التحدث فيه
ولماذا، ونقول أن هناك حقيقة لا تقبل الجدل في التصاعد "الدراماتيكي" لزخم
الأحداث السياسية والاجتماعية في مصر المحروسة كما وكيفا (نوعا)، وهو الأمر الذي
ينعكس علي تشابك وتعقد القضايا التي يُراد التصدى لها
وعلي الأفكار المطلوب طرحها، وهذا الزخم الضاغط علي آلية الإدراك يكون أشبة بحالة
دوران إطار عجلة بسرعة كبيرة تعجز قدرة العين (البصر) عن إدراكها فلا تري إلا
فراغا. وكانت المصادفة في لقاء مقالين أولهما تحت عنوان "تجربة يجب أن تنجح" للأستاذ “فهمي هويدي"،
وثانيهما بعنوان "هل تصلح الأصولية الإسلامية عدواً للولايات المتحدة ؟"
للسيد "زبيجنيو برجينسكي"(1)،
بمثابة طوق نجاة أو فرصة لعرض ما نريده باستعراضهما ومراجعة بعض النقاط فيهما، وهي
نقاط محددة قد تتمدد وتتسع وتتصل مع بعض هموم نحملها ومن ثم عرض رؤيا نعتقدها.
وبالنسبة لأستاذنا
الكبير "فهمي هويدي"، يجب الإشارة إلي أهمية الوضع في الاعتبار حقيقة
الإشكالية التي يتعرض لها "رموز الكتاب وصفوة المثقفين" في أن ليس كل ما
يٌعرف أو يُؤمن به المرء يكتبه للعرض علي العموم والجمهور، وهي إشكالية سبقنا
أستاذنا "جمال حمدان" في التطرق إليها وإن كان هو فعليا قد تعدي خطوطها
الحمراء في موسوعته الخالدة "شخصية مصر"، وهو الأمر الذي أدي بالتبعية
إلي حجب النص الكامل للجزء الرابع منها، لكن ما بقي وتبقي فيه الكثير والعلم
الوفير (!). ولهذا فأن تناول مقال "هويدي" هو
لما كتبه وعرضه وليس لشخصه وفكره.
*******************
هويدي والطريق الثالث
يبدأ "هويدي" مقاله بالآتي: << بانعقاد مجلس الشعب
الجديد في مصر اليوم، وبعد إسدال الستار على المقتلة الانتخابية. نصبح أمام مفترق طرق، فإما أن نتوافق فنسلك طريق السلامة، وإما
أن نتراشق فننزلق في طريق الندامة. وليس أمامنا طريق
ثالث>>.
يتضح من البداية أن
المقال يتحدث عن "مستقبليات مصرية" انطلاقا من نتائج أحداث حالية ( وهي
الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي نعتها بالمقتلة)، عبر خيارات يراها اثنتين،
أولهما التوافق الوطني الذي يؤدي إلي "السلامة"، وثانيهما هو الاحتراب
والتراشق الذي يؤدي إلي "الندامة". وطريق السلامة وعكسه
الندامة مأخوذان من أدبيات شعبية (الشاطر حسن، ألف ليلة وليلة). ويلاحظ أنه في
مقطع لاحق يقول "هويدي" << متشائل” أنا وما زالت>>، و"متشائل"
هنا هي التركيبة اللغوية العجيبة الذي توصل إليها للتعبير عن حالة "التشاؤم"
و"التفاؤل" اللذان ينتبانه، ونعتقد أن "متشائل" تفرق كثيرا عن "متفاؤم"
!!!!، فالأولي تنضح أكثر بالهموم وهي الخوف من القادم
المجهول.
عموما نسي أو تناسي "هويدي" طريقا ثالثا وهو "سكة اللي يروح وما يرجعش" !!!!، وهو طريق يختلف
كلية عن "سكة الندامة" لأنه نتائجه لا تعطي أحدا ترف "الندم" علي
ما فات!!، فلن يوجد حينئذ من يندم (!)، ولا وسيلة التعبير عن هذا الندم، ولا حتى
المستمع إليه (!!).
والخيارات الثلاث
ليست نقاطا محددة، بل هي تصنف كمجموعات ثلاثة، تضم كل منها عدة خيارات تتفق في "السمة"
الغالبة للمجموعة ولكنها تختلف في الدرجة والشدة وبحيث تظل محتفظة بانتمائها إلي
تلك المجموعة ولا ترحل إلي أخري أقرب في السمات العامة.
ولقد ذهب "هويدي" بالتلميح والتصريح إلي عرض الطريقين (السلامة
والندامة)، كما أسهب أيضا الكثير من الكتاب في عرض تلك المخاوف أو النذائر في
العشرات بل في المئات من المقالات (مع وضع مجموعات الإنترنت البريدية في الاعتبار)،
ولكن ندر من تطرق إلي سكة "إللي يروح وما يرجعش" التي نوجز سيناريوهاتها
في الآتي:
1 – تكرار سيناريو "السادات"،
وهو الذي وصفه الكثيرون (وهو أقرب للصحة) من كونه إرادة "إدارة أمريكية"،
وتأليف "مخابرات أمريكية غربية"، وإخراج "عملاء مصريين" وما
أكثرهم، وتنفيذ "جماعة إسلامية مخترقة". فالبيئة المصرية والدولية
العامة تكاد تماثل تماما، إن لمن تكن تفوقها، بيئة حدث "السادات". مع
الوضع في الاعتبار اختلاف بعض "القيم" (Values) مثل وجود تنظيم فكري عالمي
وإقليمي ومحلي يتبني الفكر القاعدي (فكر القاعدة).
ولاينبع إتهام "الجانب
الأمريكي" من عقدة عربية تسمي "نظرية المؤامرة"، بل هي حقيقة تم
رصدها في "الطبيعة" الأمريكية عبر عقود وتاريخ ممدود في أنشطتها
الإمبراطورية منذ بدايات القرن التاسع عشر (منذ انطلاقها غربا عبر المحيط الهادي) إلي
القرن العشرين (وتنفيذ مخططات أطماعها في منطقة الشرق الأوسط)، تلك الحقيقة التي
عبر عنها هيكل (حديثه في الجزيرة الفضائية الخميس 15 ديسمبر) بالبرجماتية الشديدة
المغلفة بالنفعية والانتهازية في التعامل مع الغير مهما كان (دول ورؤساء وملوك
وسلاطين وحتى أفراد) والاستغناء عن الصديق القديم إذا باتت تكلفته أكبر من عائدة (وهو
فكر أصحاب المال والأعمال المجرد من الأطر الأخلاقية) – ولعل نموذج "شاه
إيران" لخير مثال.
عموما ما يجعل هذا الأمر (السيناريو) مرجحا هو
ارتفاع عامل "القابلية للإيذاء" (Vulnerability) !!. ففي علوم الأمن
والسلامة تزداد مخاطر الإصابة كلما زادت مساحة التعرض (Exposure). وفي حالة السادات كان هو "الهدف"
الوحيد المستهدف، أما في الموقف الحالي فالمستهدف أصبح ثلاثة !!!. والخوف ليس فيما
سيحدث لأولئك المستهدفين، فكلُّ طائره في عنقه وكلُّ يجني ثمار عمله وفعله، ولكن
الخوف كل الخوف هو علي الأمة المصرية ذاتها فيمن سيقفز علي سدة حكمها وتأثير ذلك
الحدث الدموي المحتمل كذريعة لأهوال تعيد الحياة السياسية المصرية إلي المربع صفر.
2 – تطبيق "ثقافة
القاعدة" علي الأراضي المصرية في استهداف الموارد الرئيسية (قناة السويس
وآبار البترول وحقول الغاز والمصانع الإستراتيجية) ورموز السلطة (وعلي رأسهم
القيادات الأمنية الدموية ورؤوس الفساد). وقبل الاستطراد نقول راجع تعريف "الثقافة"
بأعلاه وستجدها منطبقة تماما علي الجماعات التي تتبني هذا الفكر، مع الوضع في
الاعتبار أن الجمع هنا (الجماعة / المجتمع) هو جمع افتراضي (Virtual) وليس ماديا، يتواءم تماما مع
أبجديات العالم الافتراضي الذي نعيشه الآن، وهو الذي فرضته "العولمة" وطبقته
"تقنيات الاتصالات والإنترنت". أي أنه يمكن القول أن هناك واقعا ملموسا
يسمي "ثقافة القاعدة" بيننا (الظاهر منه خلايا متجرثمة في سيناء) وفي
الجوار (العراق، السعودية، الأردن، فلسطين، سوريا، السودان)، هذا غير المتطوعين
العالمين من شرق آسيا ومن أوربا ومن بلاد المغرب، أما الأخطر فهو في الاستعداد
المحلي لقطاعات غاضبة من جموع المصريين (!!!!)، إن لم
يكن بالمشاركة فعلي الأقل بعدم التصدي أو معاونة السلطة في التصدي لهذا الخطر
القادم.
ولعل نظرة خاطفة علي
حالة "الهسس الحيثي" التي تنتاب التحالف
الثلاثي (الأمريكي والإسرائيلي والمصري)، والذي يظهر في استنفار أجهزة (المخابرات والأف بي أي الأمريكية، والمخابرات
الإسرائيلية، والأجهزة الأمنية المصرية) في منطقة قناة السويس ومنطقة الحرم الآمن
لها بشرقها وغربها، وفي منع حركة المرور في القناة منذ يومين بسبب الضباب (رغم
وجود أجهزة ملاحية بحرية حديثة)، لهو أمر يثبت ويؤكد أن ذلك الاحتمال ليس بعيد
المنال بل هو في الخاطر والبال (!)، فإلغاء الملاحة لم
يكن بسبب تأمين المجري الملاحي بل كان بسبب تأمين "حرم" المجري الملاحي (!!).
3 – الاحتمال (السيناريو)
الثالث يتمثل في انتفاضة جماهيرية علي غرار "ثورة الجياع" أو "ثورة
الخبز" أو "انتفاضة الحرامية طبقا للمصطلحات الساداتية" في يناير 1977. والفارق هنا (وقد سبق لنا
مقال تفصيلي منذ العام عن ذكري انتفاضة 1977)(2) أن أسباب الفشل في الانتفاضة
الأولي (وهم سوء التنظيم وعدم وضوح وتحديد الهدف وتدخل جيش الجمسي
!!) قد زالت (تقريبا).
أ – فتنظيم الإسلاميين، والمؤيدين والمتعاطفين معهم، قد فاق
التقديرات والتوقعات في "المقتلة الانتخابية" الأخيرة. والأمر لم يقتصر
فقط علي حسن التنظيم بل تعداه إلي "الكم العددي" الذي تعدي مئات الألوف
إلي ما يتجاوز المليونين، إضافة إلي الإصرار (لإرادة القتالية) علي المشاركة
والتفاعل رغم إطلاق قطعان البلطجية والدوبرمانات
الأمنية.
ب – لم يعد هناك جدال
أو خلاف علي هدف القوي الوطنية المصرية في ضرورة إسقاط العائلة الحاكمة وداعميها وسدنتها من أرباب السلطة الحالية ومحاسبة الفاسدين
والمفسدين وإنهاء "التبعية" الأمريكية وامتلاك إرادة القرار المصري. أي
أن الهدف لم يقتصر اقتصاديا علي مجرد "لقمة العيش" الحالية ولكن تعداه
بوعي ملحوظ إلي "سياسة البلاد" التي تؤمن لقمة العيش والأمن والأمان
والاستقرار والسيادة الوطنية للأبناء والأحفاد.
ج – إضافة إلي النقطة
السابقة نجد أن هدف "الأمن المادي" هو ما يخص العامة، وهدف "استعادة
الإرادة الوطنية وإنهاء التبعية" هو ما يخص النخبة، ولكن كليهما (العامة
والنخبة) يشتركان في هدف مصيري واحد مشترك هو الحفاظ علي "الهوية" المصرية
الإسلامية الذي يتهددها محور ضغط أمريكي جديد يلتحف بعباءة الأقباط (زيارة "مايكل
منير" الأمريكي الجنسية والمصري الأصل وعضو الحزب الجمهوري والمتزعم لحركة
أقباط المهجر لمصر ومحادثاته مع صفوة السلطة المصرية ولجنة سياسات الحزب الوطني
الحاكم وحصوله علي تنازلات مصرية حكومية في المسالة القبطية بعضها علي حساب التيار
الإسلامي المصري كاعتقال بعض الناشطين الإسلاميين الذي يتصدون للهجمات الصليبية
التي تنعب وتنعق بها بعض مواقع أقباط المهجر)(3).
د – تميزت الكتلة
الغاضبة في انتفاضة يناير 1977 بمكون خاص من فئات العمال والطلبة والموظفين وبعض
الشباب والكوادر الحزبية اليسارية، أي شرائح محدودة نسبيا من نسيج المجتمع المصري،
وهو الأمر الذي أختلف كلية الآن بانضمام فئات الخصوص، وأخري خلقتها الظروف، إلي
كتلة الغاضبين (القضاة، أساتذة الجامعات، المهندسون والمحامون والصحفيون وأبناء
المعتقلين وهم عشرات الألوف وشباب من أجل التغيير وعاطلون من أجل الحصول علي وظيفة
وعوانس من أجل أسرة وبيت ونساء غاضبات علي الحرمات المنتهكة وعمال مسرحون من شركات
تم خصخصتها ومصمصتها وغيرهم).
هـ - القنبلة التي
أطلقها "نادي القضاة المصري" بدعوة "القوات المسلحة المصرية" إلي
ممارسة دوره الوطني بحماية الشرعية في انتخابات مجلس الشعب الأخيرة وضع "المؤسسة
العسكرية" في مأزق تاريخي وإشكالية أخلاقية تجعل قياداتها وضباطها وأفرادها
يفكرون ألف ألف مرة في تكرار سيناريو الجمسي (سامحه الله) في قمع انتفاضة يناير 1977.
ثلاث سيناريوهات
مستقبلية تندرج تحت خيار "سكة إللي يروح وما يرجعش"، نراها نتائج منطقية لمقدمات حالية (الزيف
والتدليس وممارسات السلطة الوحشية في عملية الديموقراطية)
ونراها أيضا تتفق وتتسق مع "أحكام" مستنتجة من تاريخ قريب للسلطة
الحالية، وكامتداد عضوي مُعدل لحقبة السادات، وكنسخة مشوهة للحقبة الناصرية (ممارسات
لا تتفق وبيئة وزمن الأحداث)، وتكرار لحقبة الملكية بما فيها من احتلال وتبعية. وبعبارة
أخري، نحن الآن في دائرة (الحاضر) وأمامنا دائرة (المستقبل) وخلفنا دائرة (الماضي
المؤثر أو التاريخ القريب)، فلنأخذ من الماضي دروسه وقواعده وأحكامه، ومن الحاضر
مقدماته، لنستقرأ المستقبل القريب الذي نتوقعه (الأسوأ)
رغم أننا نأمل في (الأفضل).
ولم ينتهي الأمر بعد
في مقال "هويدي"، فما زال هناك الكثير، أهمهم
مقولته الدبلوماسية (الضبابية) .. "أن الوطن هو
الحل" (!!؟؟؟) ...
********************************
الأصولية
الإسلامية في عيون برجينسكي
مقال من العيار الثقيل
لرجل السياسة الأمريكية الشهير "زبيجنيو برجينسكي" جاء تحت عنوان "هل تصلح الأصولية
الإسلامية عدواً للولايات المتحدة ؟"، يتعرض فيه بالنقد اللاذع للرئيس
الأمريكي "بوش الابن" في تمثيله "الإرهاب
الإسلامي" بالشيوعية العالمية السابقة. ونظرا لضيق
المساحة المتبقية فقد انتقينا بعضا منها في خمس نقاط ونرد علي كل منها في ترتيبها
وسياقها (كتحليل موضوعي وليس من منطلق الانتماء إلي فكر "القاعدة" أو
الدفاع عنه):
1 - <<الجهاد ''الإسلامي''
- في أحسن الأحوال- ليس إلا حركة محدودة ومتشظية بالكاد
تجد صدى لها في معظم أنحاء العالم وليس كما تصورها الكثير من التحاليل السياسية
التي تتسم بالمبالغة>>.
من المؤكد أن السيد "برجينسكي" لا يقصد "الجهاد الإسلامي" بمعناه
المطلق الذي يمثل "عقيدة" إسلامية تتعدي الجماعات المحدودة المقصودة إلي
الجموع الإسلامية ككل سواء وافقتها حكومتها أو لم توافقها. ومن السياق يتضح أن
المقصود هنا هو ما يسمي "بالجماعات الجهادية القتالية" علي غرار تنظيم "القاعدة"
(والصحيح أن نقول علي غرار "فكر" القاعدة) التي أخذت علي عاتقها مهمة
الجهاد القتالي المسلح ضد الهجمة الصليبية الغربية الجديدة وضد المتعاونين معها. والخطأ
الذي وقع فيه السيد "برجينسكي" هو نظرته "المادية"
لذلك التنظيم وإغفاله أنه تحول إلي "فكر" أو بعبارة أكثر دقة هو "ثقافة"
(راجع تعريف الثقافة في الموضوع الأول) نشأت
"كردة فعل" لثقافة غربية جديدة تظهرها خريطة الصراعات المستقبلية في
أطروحة "صامويل هنتتنجتون" (Samuel P.
2 - <<الإرهاب
المعاصر- وبصرف النظر عن كونه إجراميا وقذرا- وبصرف النظر أيضا عن كونه إسلاميا أو
غير ذلك فهو لا يمتلك ذلك النفوذ السياسي، ولا تلك القدرات المادية التي كانت
تتمتع بهما الإيديولوجية التوتاليتارية
الشيوعية>>.
هناك فارق كبير بين ايدولوجية (عقيدة فكرية) وبين ثقافة قائمة علي عقيدة دينية،
والإيديولوجية الشيوعية جاءت كإسقاط للفلسفة الماركسية علي أرض الواقع الحياتي
ووجدت كيانات مادية تمثلها (أهمها السوفيت والصين) وهي وإن كانت تملك قوات عسكرية تدميرية إلا أن لديها "أصول ومكونات" (Assets) تخاف عليها من ضربات
انتقامية مضادة. والجماعات الجهادية (القاعدة كمثال) قد لا تملك النفوذ السياسي
ولا القدرات المادية ولكنها تملك أكثر من ذلك ..
فهي تملك "سمو" الهدف الذي تعمل من
أجله وعظيم الأجر الذي ستتلقاه وإن كان غير دنيويا.
وهي "لا تملك" شيئا ماديا تخاف عليه
من ضربات انتقامية.
وهي تملك حرية الحركة
والمناورة.
وهي تملك إحداث أكبر
خسائر بأقل تكلفة (يكفي كمثال ما نراه من إجراءات الأمن والسرية في البلدان
الغربية وتكلفتها التي تصل إلي بلايين الدولارات وأعمال التضييق علي المواطنين
وافتقاد المواطنين إلي الأمن والأمان المطلق في أوطانهم وهي في حد ذاتها تكلفة لا
تقدر بمال، بمجرد تهديد عابر يتم إطلاقه علي أحد مواقع الإنترنت ).
3 - <<وحتى إذا ما أردنا أن نقول إنه يمتلك ''إيديولوجية'' ما، فإن
تلك الإيديولوجية في حقيقة أمرها ليست سوى مزيج غريب من الأفكار القدرية والعدمية.
وفي حالة تنظيم ''القاعدة'' على وجه التحديد، فإن الدعم الذي يحظى به هذا التنظيم،
يأتي في الأساس من جماعات معزولة نسبيا، كما أن أفعاله وُجهت بإدانة شديدة من قبل
جميع الشخصيات الدينية الرئيسية في العالم بدءا من بابا الفاتيكان وحتى المفتي
الأكبر في المملكة العربية السعودية>>.
بعيدا عن مضمون تلك
العبارة نلاحظ أن السيد "برجينسكي" قد أشار
إلي بابا الفاتيكان وإلي المفتي الأكبر في العربية السعودية "كمرجعيات دينية"
يُرجع إليها ويُستشهد بها، وهما مرجعيات فعلية ولكن
جزئية وليست كلية (أو مطلقة)، فالأول هو زعيم ديني كاثوليكي والثاني مرجعية سنية
محلية ليست بالضرورة زعامة عالمية، ورجل مثل السيد "برجينسكي"
لا يلقي بعباراته حسبما أتفق (!!)، وإغفال "الأزهر" كقيادة سنية مصرية
مؤثرة عالميا، والمراجع الدينية "الشيعية" والمراجع الدينية “الأرثوذوكسية"
هو أمر أكبر من هفوة كاتب أو سهوة قلم، ولا نعرف تحديدا
لماذا لم يستخدم السيد "برجينسكي" عبارة
الزعامات الدينية المسيحية والإسلامية بالعموم بدلا من ذلك التقسيم المذهبي
والجزئي (تقسيم التقسيم !!).
أما عن المضمون، فإن
مصطلح " الإيديولوجية" يصلح فعلا لكل من العقيدة الفكرية (الماركسية
كمثال) وللعقيدة الدينية، ونعت عقيدة تلك الجماعات المناهضة (القاعدة كمثال) بأنها
" ليست سوى مزيج غريب من الأفكار القدرية والعدمية" فيه تصوير تلك
الجماعات بالقائمين "بمبادرة الفعل" وليس "رد الفعل"، أي
بالمهاجم المبتدى وليس بالمدافع أو المقاوم المعتدي عليه أو المهدد في هويته
وعقيدته، كما يظهر إنكارا "لحق" مقاومة المعتدي عليه أو قيامه برد العدوان
بمثله أو بجزء منه، أما الأهم فهو يظهر جهلا بفقه "الجهاد" في العقيدة
الإسلامية بالعموم. والشيء الغريب هو عدم رجوع السيد "برجينسكي"
ليس إلي التاريخ بالعموم بل إلي تاريخه هو شخصيا عندما كان ممثلا للرئيس الأمريكي "جيمي
كارتر" في اتصالات ثلاثية مع "مصر السادات والعربية السعودية وباكستان"
لتجييش أصحاب " الأفكار القدرية والعدمية" ضد
القوات السوفيتية في أفغانستان. أما عن نعت المؤيدين لفكر تلك الجماعات بأنهم "جماعات
معزولة نسبيا" ، فهو قد أغفل أمرا هاما وهو أن
التأييد لا يأتي بالضرورة من حب لطرف وقناعة به، لكنه يأتي من "كراهية" للطرف
الآخر وبغض له.
4 - <<قد يكون
لدي تلك الجماعات قوة تدميرية حقا، ولكن يجب علينا بأي
حال من الأحوال أن لا نقوم بالخلط بين ما تقدر عليه القاعدة بالفعل، وبين ما تدعيه
لنفسها من قدرات، أي أن نتحاشى الخلط بين الواقع الفعلي وبين الاحتمال>>.
هنا تتجلي سقطة المقال (!!!). فالعلوم السياسية في الغرب بالعموم
وأمريكا بالخصوص تقوم أساسا علي كافة مجالات العلوم (Science Fields) أو المجالات الفرعية (Subfields) ذات العلاقة بإدارة
الصراعات و"حسابات المخاطر" (Risks) والإحتماليات (Probabilities) والنتائج المتوقعة (Expected Values) وغيرها. والمخاطر تعرف باحتمال الفقد أو الخسارة الكمي والكيفي (Potential Amount of Losses)
والتي يمكن حسابها بطريقة تقريبية بالنتيجة المتوقعة للفقد (معامل الاحتمالية
مضروبا في كمية الفقد في حالة الحدوث بنسبة 100%). بمعني أنه إذا كان لتنظيم القاعدة مقدرة علي
إحداث عمل ما في الولايات المتحدة (قنابل غازات بيلوجية
سامة في شوارع نيويورك كمثال) بنسبة احتمال واحد في الألف أو حتى في العشرة آلاف،
فإن الخسائر المتوقعة ستساوي أرقاما فلكية مادية وبشرية – والأهم أنه بدون خوف أو
خشية من ردة فعل انتقامية، لأنهم ببساطة جماعة خفية هلامية (!!!). فالخوف والخشية (المخاطر) لا يأتي فقط من احتمال المقدرة للطرف
المهاجم فقط ولكنه يأتي أساسا من القيمة المادية والنوعية للهدف المستهدف.
5 - <<كان
التحدي الفكري والسياسي الذي تمثله الشيوعية مدعوما بآلة عسكرية جبارة مزودة بأحدث
أنواع الأسلحة والعتاد في حينه. فقد كان الاتحاد السوفييتي يمتلك ترسانة نووية
ضخمة يستطيع إطلاقها خلال دقائق قليلة لشن هجوم نووي كبير على الولايات المتحدة
الأميركية• وكان ذلك يعني أنه في حالة استخدام مثل هذه القوة، فإن 120 مليون
أميركي وسوفييتي كان محتما أن يلقوا حتفهم في أي تبادل لإطلاق الصواريخ النووية
بين الغريمين اللدودين• كانت تلك هي الحقيقة الرهيبة في عصر الرعب النووي>>.
هنا تظهر خطورة تلك الجماعات الأصولية (حسبما
يصفونها)، رغم أنها لم ترد صراحة في تلك الفقرة، فما هو "الكيان المادي"
الذي تخشي تلك الجماعات فقده في حالة ضربة مضادة أمريكية ؟؟؟، وماذا ستفعل
الولايات المتحدة الأمريكية بآلتها العسكرية الجبارة وبسجل حافل من العمليات
القذرة التي تتم عن طريق جحافل عملاء المخابرات التابعين وبضربات إجهاضية إستباقية مستمرة (أكثرها
عشوائي غير مؤثر) من جانب الحكومات الموالية لها – أكثر مما فعلت وتفعل وتخطط
لتفعل ؟؟؟؟؟؟.
الخطأ الذي وقع فيه
السيد "برجينسكي" عند تفنيده أقوال "بوش
الابن" في عملية التماثل (التشابه) بين "الشيوعية العالمية" وبين "الجماعات
الأصولية المقاومة" هو ابتعاده (المتعمد) عن الفارق الحقيقي الوحيد في أن "الشيوعية"
كانت قوة عالمية طامحة تهدف إلي "زعامة" العالم، بمبادرة الفعل ورد
الفعل، أي أنه كان يوجد تهديد "مادي" ملموس ومحسوس للكيان الأمريكي، أما
"الجماعات الأصولية المقصودة" فهي لا تهدف إلي الهيمنة بالقوة علي
العالم، ولا تعتبر كيانا ماديا مجمعا ممثلا علي الخريطة الجغرافية الدولية، ولا هي
تعتبر كقوة معادية أو عدوانية (Offensive,
Aggressive) بادئة بالفعل، بل هم جماعات مقاومة "لفعل" ولا تقوم
إلا “برد فعل" – وذلك هو القانون الطبيعي للأشياء (!!!).
وللحديث بقية أن كان لنا في العمر بقية
__________________________
(1) مستشار الأمن القومي الأميركي في عهد
الرئيس جيمي كارتر، وصاحب فكرة "الأحزمة" !!!، منها الحزام "الأخضر"
لتطويق الإسلاميين ومنها الحزام "الأوراسي" لتطويق
بترول بحر قزوين.
(2) هشام الناصر، "الإصلاح
السياسي أولا، ذكري انتفاضة يناير 1977". صحيفة الشعب القاهرية (الإلكترونية)،
الجمعة 24 ديسمبر 2004.
(3) تقارير لجريدة "المصريون" المصرية المستقلة.