الانتخابات العراقية وترتيبات زلماي خليل زاده
بقلم :ياسر الزعاترة
لا نريد العودة إلى
تقييم مؤتمر القاهرة، فقد فعلنا ذلك من قبل،، لكننا نذكر بالهدف الرئيسي من عقده
ومن تصميم بيانه الختامي الذي تمثل في تشريع العملية السياسية وإدماج العرب السنة
فيها على نحو شامل، مع محاولة إقناع بعض قوى المقاومة بدخولها، وأقله القبول بها أو السكوت عنها، وصولاً إلى عزل «جماعة القاعدة» ووقف
مسار العنف برمته؛ إذا لم يكن بالسياسة فمن خلال تجريد قوى المقاومة من فضائها
الشعبي ومن ثم القضاء عليها، أو تحجيمها إلى مستوىً يمكن احتماله إلى حين.
من الواضح أن ثمة
سيناريو للانتخابات الحالية قد أعده زلماي خليل زاده،
بالتعاون مع طالباني وعلاوي، وبعض المتعاونين من العرب
السنة تحت ذرائع سياسية معروفة، ويقوم على ترتيب حصول إياد علاوي
ومعه تحالف الأكراد، إلى جانب جبهة التوافق السنية، ومعها مجموعات عربية سنية
أخرى، وكذلك شيعية ليست على وفاق مع الحكيم والجعفري، أعده للحصول على ما يزيد على
نصف مقاعد الجمعية الوطنية بقليل، حتى لو أضيف إلى ذلك استقطاب نواب من داخل
الائتلاف نفسه، وهي صيغة يمكنها أن تعيد علاوي (الشيعي
العلماني) المقرب من الأميركيين، والمقبول لدى بعض المحاور العربية، إلى رئاسة
الحكومة، فيما تحجم بشكل من الأشكال التحالف الشيعي المقرب من إيران.
وقد جرى التمهيد لهذه
اللعبة بحملة من علاوي على حكومة الجعفري تداعب مشاعر
العرب السنة من خلال مقولات القمع وحقوق الإنسان، فيما تداعب الشيعة بقضية الخدمات
الغائبة، كما جرى التمهيد لها أيضاً بمنح المحافظات الكردية حصة أكبر من حقها
الطبيعي في عدد المقاعد بناءً على القانون الجديد، مع أن حق المحافظات الشيعية لم
يهضم، بل ربما كان جيداً قياساً بما جرى للمحافظات العربية السنية التي استهدفت
على نحو لافت، من دون أن يتجرأ المعولون على الانتخابات في هذه الفئة على الجهر
بالشكوى فضلاً عن الاحتجاج.
بالمقابل يبدو أن
التحالف الشيعي قد أخذ يستشعر الخطر الكامن في الانتخابات وذلك بتركيزه الهجوم على
إياد علاوي من جهة، وبمحاولة استعادة دعم السيستاني، الأمر الذي حدث على نحو غير مباشر إلى الآن، وإن
حصلوا على دعم المراجع الكبار الآخرين في النجف، فيما لا يستبعد أن تدخر تصريحات
الدعم المباشرة من طرف السيستاني للساعات الأخيرة.
هكذا يعول الأميركيون
على وضع الحكومة بيد مجموعة أقرب إليهم من حلفاء إيران، حتى لو شارك هؤلاء فيها
كشركاء لا كقادة، فيما يأملون أن يؤدي ذلك إلى التقليل من مخاوف العرب السنة من
الحكومة الطائفية، الأمر الذي قد يبعدهم عن مسار المقاومة، وإذا تذكرنا ما يجري
على هذا المسار من محاولات استقطاب وشق صفوف وفرز بين معتدلين ومتطرفين، فسيغدو
البرنامج الأميركي أكثر وضوحاً، وهو ذاته البرنامج الذي أعلن عنه جورج بوش، والذي
ينطوي بشكل أساسي على مسار سياسي وآخر أمني يتمثل في تعزيز القدرات الأمنية
العراقية على نحو يمنحها القدرة على مواجهة التمرد، ويوفر للقوات الأميركية فرصة
الخروج من مواقع المدن إلى قواعد عسكرية خارجها يمكنها من التحكم بالوضع من خلالها.
من الصعب الجزم بمآل
هذا المخطط من الناحية السياسية، إذ إن فوز التحالف الذي أشرنا إليه في الانتخابات
على نحو يؤهله لتشكيل حكومة بزعامة إياد علاوي لا يرى
فيها العرب السنة تلك النكهة الطائفية التي لمسوها في الحكومة الحالية، مثل هذا الفوز
لا يبدو مضموناً لاسيما إذا تمكن التحالف الشيعي من لملمة صفوفه على نحو قوي في
اللحظات الأخيرة بدعم من السيد السيستاني، وبالطبع في
ظل مشاركة التيار الصدري الفاعلة وتجييش الشارع طائفياً
على نحو يستثمر المخاوف من عودة البعثيين أو «الأمويين»
بتعبير (الحكيم) تحت عباءة إياد علاوي الذي شنت عليه
حملة جعلته نسخة أخرى لصدام حسين، فيما توصف قائمته بأنها قائمة «بعثيون».
يشار هنا إلى أن جبهة
التوافق العربية السنية ستكون سعيدة بالمشاركة في حكومة يتزعمها إياد علاوي، ويكون الطالباني أحد
أعمدتها، ولاسيما ان هذا الأخير هو المتخصص في التنسيق
مع جماعة الحزب الاسلامي، وهو الذي ورطهم في لعبة دعم
الدستور، واعداً إياهم بمشاركة فاعلة في الحكومة القادمة وبتغيير النص على
الفيدرالية العامة بعد الفوز في الانتخابات، وبالطبع ضمن الرؤية التي استندنا
إليها في السطور السابقة بحسب أرجح التقديرات، ويبقى أن موافقة التحالف الشيعي على
المشاركة في ذات الحكومة ليست مستبعدة كي يحافظوا على مكاسبهم.
ما ينبغي أن يقال هنا
هو أن القانون الذي اعتمد ومعه الظروف الموضوعية القائمة ممثلة في عدم توافر قائمة
مقنعة للعرب السنة بعد خطيئة الحزب الإسلامي بدعم الدستور، كل ذلك سيحشر العرب
السنة فيما دون العشرين بالمئة، ويكفي أن يقول زلماي زاده إنهم سيحصلون على ما بين 40 و55 مقعداً، أي 15 إلى
20 بالمئة لندرك حدود اللعبة، الأمر الذي يؤكد صواب
رؤية هيئة علماء المسلمين بالمضي في سياسة عدم الاعتراف بشرعية عملية سياسية
يديرها الاحتلال.
بالنسبة للمسار
الأمني بعد الانتخابات، فإنه من غير المتوقع أن ينجح التعويل الأمريكي على إبعاد
العرب السنة عن المقاومة بعد الانتخابات، ذلك أن الصيغة الجديدة لن تغير من واقع
الاحتلال، حتى لو نجحت في التخفيف من حدة التهميش والاستهداف الطائفي، والسبب هو
أن ما تطرحه المقاومة لم يكن مرتبطاً بقضية التهميش، أما الاستهداف الطائفي فقد
كان في شق أساسي منه رداً على المقاومة وتبنيها من قبل المناطق العربية السنية
وليس مقصوداً لذاته.
أما إذا كان نجاح
التحالف الجديد محطة باتجاه خروج القوات الأمريكية بعد توفير صيغة تحفظ بعض ماء
الوجه، فسيكون ذلك معقولاً إلى حد كبير، ولاسيما أن الإنجاز سيعود إليها. ألم تكن هي التي فرضت مسار الديمقراطية على الأمريكيين من
الأصل، وهم الذين كانوا يفكرون في صيغة انتداب قد تمتد لبضع سنين؟!
لا شيء إذن يمكنه الحيلولة دون فشل مشروع
الاحتلال كما خطط له المحافظون الجدد، لكن الفشل يبقى متعدد المستويات، إذ يمكن أن
يتمدد ليصل حدود الهزيمة كما يمكن أن يتجاوزها!.